الخطبة بعنوان مفاسد الجوال وطرق العلاج والوقاية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 رجب 1445هـ الموافق 26 يناير 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول الخطيب أضرار الهاتف المحمول محذرًا من مخاطره العقدية كالمواقع الإلحادية والألعاب التي تُوجِب السجود للأصنام، ومخاطره الدينية كإزعاج المصلين بالرنات والموسيقى، ومخاطره الأخلاقية كنشر الصور الإباحية والتواصل المحرم بين الجنسين. يستشهد بآيات تحذر من نشر الفاحشة وعذابها في الدنيا والآخرة لتأكيد خطورة هذه الآفة.
يسرد الخطيب مفاسد الجوالات المتعددة من انهيار الأسر وارتكاب الفواحش، والرياء في العبادات، وانتهاك الخصوصية عبر التصوير، وإضاعة الحقوق الصحية والمالية. يبين أن الوقاية الحقيقية تكمن في تربية النفس والأهل على الإيمان ومراقبة الله وخوفه رجاء الجنة ونجاة من العذاب.
يحذر الخطيب من إدمان النظر إلى المحرمات عبر الجوال وما يسببه من إحباط الأعمال، مستشهداً بحديث ثوبان عن الذين يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة فتجعل هباءً. يؤكد على وجوب التوبة السريعة والابتعاد عن مواطن الفتنة اقتداءً بيوسف وسليمان عليهما السلام، ويختم بتحميل أولياء الأمور مسؤولية منع الأطفال من استخدام الجوال فيما يضر بدينهم ودنياهم.
يتضمن المقطع دعاءً يطلب فيه العزة للإسلام والمسلمين والذل للكفر والكافرين، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. يُختم المقطع بالحمد لله رب العالمين كخاتمة للخطبة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، حديثنا في هذا المقام عن جهاز صغير عجيب، امتلأت به جيوبنا وأصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، فيه منافع وحاجات، وآثام ومفاسد وآفات، إنه الجوال. يا عباد الله، هذا الجهاز الذي صار في متناول الناس كلهم، غنيهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فهو نعمة إذا استخدم في الخير والصلاح والإصلاح، وهو نقمة إن استخدم في الشر والفساد والإفساد. أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الجوال لا أريد في هذا المقام أن أتحدث عن منافعه فهي أشهر من أن تحصر، وكما قيل: هو رفيق الوحدة، وأداة الإنقاذ والنجدة، وهو رسول أمين ينقل المشاعر والأفكار والعلوم والأخبار، وهو كذلك يطفئ ظمأ الأم الملهوفة لتسمع صوت ولدها المغترب أو ابنتها المتزوجة، وهو إغاثة لللهفان، وإعانة للفقير والمسكين والمحتاج، فمنافعه كثيرة. ولكن أحببت في هذا المقام أن أذكر بمفاسده الكثيرة لما فيها من الخطورة والهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الجهاز الصغير فيه مفاسد كثيرة: مفاسد عقدية، ومفاسد أخلاقية، ومفاسد اجتماعية واقتصادية وصحية، مفاسد كثيرة وكثيرة جدًا. فمن أعظم تلك المفاسد، عباد الله، ما يكون فيه من المواقع الإلحادية والكفرية التي، وللأسف الشديد، يتفاضل بعض المسلمين فيدخل فيها بحجة الاطلاع، فإذا به يسبح في بحر عميق لا يستطيع الخروج منه إلا أن يغرق وأن ينسلخ من دينه. فكم سمعنا من المسلمين من ارتد عن دينه، وكم نسمع من المسلمين السنة من أصبح رافضيًا أو حوثيًا، وإذا بحثت عن الأسباب لوجدت أن من أعظمها انشغاله بتلك المواقع التي يبث فيها الكفر ويبث فيها الإلحاد. وكذلك من تلك المفاسد العقدية ما في هذا الجوال من ألعاب تخدش في عقيدتنا أهل الإسلام، ولعلكم تسمعون عن تلك اللعبة التي كنا نظن إنما هي إلهاء للأطفال، وإنما هي انشغال عما هو أهم منها، فإذا فيها الكفر الصراح. تسمعون عن لعبة «ببجي» أو ما تسمى بهذا الاسم أو نحوه، هذه اللعبة التي تأخذ بلب لاعبها فينتقل من مرحلة إلى أخرى بحجة أنه ينتصر في كل مرحلة، فإذا بلغ مبلغًا عظيمًا في النشوة وفي كذلك النهمة، قيل له: لا تتخطى هذه المرحلة حتى تسجد للصنم، حتى تسجد للصنم، فهو بين خيارين: إما أن يترك هذه اللعبة والتي قد انشغل بها لربما أشهر، أو أنه يفعل ذلك، وكثير من أبنائنا لجهله وقلة تدينه يقع في الأخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انظروا إلى هذا الحال الذي وصل إليه من ينشغلون بهذه الجوالات. وكذلك، عباد الله، من مفاسد الجوال الدينية أنه يشغل المصلين ويشوش عليهم في عباداتهم وفي مساجدهم، فكم نسمع من الرنات، وكم نسمع من الأصوات التي تنبعث من هذه الجوالات أثناء الصلوات، والأعظم من ذلك حين تنبعث منها الموسيقى والأغاني الماجنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انظروا يا عباد الله، حتى في صلاة المسلمين، حتى في صلاتهم وعباداتهم، جعل هذا الجوال أهل الإسلام في شرود وفي بعد عن الطمأنينة والخشوع في هذه الصلاة. وكذلك، عباد الله، من مفاسد هذه الجوالات الأخلاقية أن هذا الجوال سبب لنشر الرذائل ولنشر الفواحش من الصور الماجنة والأفلام الإباحية، ومن المواقع الخبيثة الجنسية ونحو ذلك مما فيه إشاعة للفاحشة بين أوساط المسلمين. والأدهى والأمر أن من شباب المسلمين من يبث وينشر هذه الصور وتلك الأفلام، بل ولربما ينشئ لها المجموعات، أو يرسل الصديق لصديقه مثل هذه الأفلام. فاتقوا الله، فاتقوا الله عباد الله، واعلم يا من ينشر مثل ذلك أنك تحمل وزرك ووزر من أرسلت إليه، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم. إن من يشيع الفاحشة بين أوساط المسلمين متوعد بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ومن مفاسد الجوال الأخلاقية أنه سبب للتراسل بين الشباب والفتيات عبر بعض تلك البرامج الذكية، كأن يفتح بعض تلك البرامج فيُرسل رقم معشوقته أو من أراد أن يتحدث معها، فيكون سببًا للحب والغرام بين الشباب والفتيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكم عبث بعرض فتاة، وكم كان سببًا في المشاكل الاجتماعية، لربما المرأة المتزوجة تراسل غير زوجها وتعمل معه العلاقات المحرمة، فإذا اطلع على أمرها كان سببًا في هدم تلك الأسرة. انظروا يا عباد الله إلى هذه المفاسد العظيمة التي هدت المجتمعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكذلك من مفاسد تلك الجوالات ما فيه من الصور وما يتبع ذلك من الرياء والسمعة في العبادات والقربات، فإذا ذهب إلى حج أو عمرة صور نفسه وهو عند بيت الله الحرام، وهو يسعى بين الصفا والمروة، أو وهو واقف بعرفة، وينشر ذلك بين أصحابه وأحبابه وأقاربه. أي عبادة هذه يا عباد الله؟ أين الإخلاص لله سبحانه وتعالى؟ وكذلك من مفاسد تلك الصور أن المسلم لربما صور أهله أو بناته أو زوجته، ويظن أنه إذا مسح هذه الصور انتهت تمامًا من جواله، ولا يدري هذا المسكين أنه بإمكان إرجاعها من قبل المتخصصين في ذلك. ثم ما تدري يا عبد الله، لعل هذا الجوال يضيع عليك أو يسقط منك أو يقع في يدي مهندس لا يخاف الله فيطلع على عوراتك. فالحذر الحذر يا عبد الله أن تصور نساء، والحذر الحذر يا أيتها النساء من التصوير، خصوصًا أثناء الأفراح، والمرأة تكون في كامل زينتها، فإن هناك ممن يتصيد النساء، وممن كذلك يجعل هذه الصور سببًا لاستقطاب بعض النساء: إما أن تأتي معه، وإما أن ينشر صورها، وهكذا يهددها، وهي التي جنت على نفسها. فالحذر الحذر يا عباد الله من التساهل في أمر التصوير بهذا الجوال، فإنه والله خطير، خطير. وكذلك من التساهل في تلك الصور أن المسلم لربما صور ولده الصغير وهو في كامل زينته، فيجعل هذه الصور في أيقونته أو يجعلها في واجهة جواله، أو يرسلها في بعض المواقع أو المجموعات، فإن ذلك لربما يكون سببًا في رمي هذا الطفل بالعين الخبيثة، بالعين الخبيثة، وقد وقع ذلك في بعض من فعل ذلك. فالحذر الحذر يا عباد الله من مثل هذه الأفعال، فإنها والله تعود عليكم بالضرر. وكذلك يا عباد الله، من مفاسد تلك الجوالات أن المسلم لربما شغل بها عن بر والديه وعن القيام بأسرته وأهله، لما في تلك الجوالات من الالتفات، ومن كذلك الانجذاب إليها والانشغال بها عما هو أهم. فكم حدث من عقوق، ومن طلاق، ومن سوء عشرة بسبب هذه الجوالات. وكذلك من مفاسد هذه الجوالات مفاسد صحية، فإن هذه الجوالات وما فيها من الشاشات تنبعث منها أضواء قوية تؤثر على العين وعلى أوتار العيون، كما ذكر ذلك الأطباء المتخصصون، وإن كثيرًا ممن يشتكي من ضعف البصر أو من المشاكل في العينين إنما سببه هذا الجوال، فإنه يقرأ فيه الساعات الطوال، ولربما يقرأ في مكان مظلم، فإن هذه القراءة تؤثر ولا محالة، ولو على المدى البعيد، على صحة النظر. فاحفظوا يا عباد الله، احفظوا، احفظوا صحة عيونكم وصحة بصيرتكم بأن تستخدم هذه الجوالات بتعقل وبكذلك أوقات مناسبة. وكذلك من مفاسد الجوالات مفاسد كذلك مالية، فإن هذه الجوالات تشترى بمبالغ باهظة، وكذلك فإن هذه الجوالات تستهلك الأرصدة الكثيرة. نعرف شبابًا لربما في الأسبوع يطرح في جواله بعشرة آلاف، لأنه مدمن لهذا الجوال، مدمن فهو كثير ما يرى، يرى في هذا الجوال، وكذلك يراسل، وهكذا ينتقل من موقع إلى آخر، فلا شك أن هذا يستهلك الرصيد الكثير. فكم من الآباء يشتكون من كثرة صرف صرفيات الأبناء، وماذاك إلا بسبب هذا الجوال. فانظروا يا عباد الله إلى هذه المفاسد الكثيرة والخطيرة. فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن هذا الجوال نعمة من الله، فحقها أن تشكر لا تكفر، فتستخدم في طاعة الله وفيما يحب الله وفيما فيه نفع وخير لنا في ديننا ودنيانا. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، الصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أيها المسلمون، عباد الله، كيف نحمي أنفسنا وأهلينا وأبناءنا من مفاسد هذا الجوال؟ ما هي الوقاية والعلاج من مثل هذه المفاسد؟ عباد الله، إن من أعظم الوقاية أن نربي أنفسنا وأهلينا وأولادنا على الإيمان والتقوى، وعلى الخوف والمراقبة لله عز وجل. أن نعلم يا عباد الله أن جنة الله سبحانه وتعالى لا تنال إلا بالخوف منه عز وجل وبمراقبته سبحانه وتعالى. فمن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. تذكر يا عبد الله حين تنظر إلى هذا الجوال وقد طلعت في شاشته صورة خليعة أو كذلك منظرًا إباحيًا، تذكر أن الله عز وجل يراه، تذكر أن الله سبحانه وتعالى لربما يعاقبك على هذا الذنب. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. ألا تحب يا عبد الله أن تكون من أصحاب الجنة، أن تكون من أهل الفوز والفلاح؟ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. فاتقوا الله يا عباد الله، وخافوا ربكم وراقبوه في السر والعلن. واعلموا أن من أدمن النظر إلى هذا الجوال في المناظر الخليعة وفي الصور الماجنة وفي الصور الماجنة، فإنه يخشى على أعماله من الذهاب ومن الإحباط. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لأعلمن أن من أمتي أقوامًا يأتون يوم القيامة بأعمال كأمثال جبال تهامة بيضًا، فيجعلها الله هباءً منثورًا». فقال ثوبان رضي الله تعالى عنه، وهو راعٍ للحديث: «جلهم لنا يا رسول الله، صفهم لنا». قال: «ألا إنهم، ألا إنهم من جلدتكم، ويتكلمون بألسنتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، إلا إنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». هذه سجيتهم وهذا هو عملهم الدائم. وأما إذا استزلك الشيطان فوقعت في شيء من ذلك فسارع وتب إلى الله سبحانه وتعالى. روى الإمام مالك في موطئه مرسلًا، ووصله الحاكم في مستدركه، وصححه العلامة الألباني في الجامع، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عز وجل عنها، فمن ألم منها بشيء فليستر بستر الله وليتب إلى الله». فاستر نفسك، إن استزلك الشيطان فوقعت في شيء من ذلك وتب إلى الله، فمن تاب تاب الله عليه. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وكذلك يا عباد الله، من أسباب الوقاية والعلاج من هذه المفاسد أن تبتعد عن مواطن الفتنة، فإن كنت في هذا الجوال تطلع في مواقع معينة أو في مجموعات فاسدة، فامسح هذه المجموعات وأزلها من جوالك. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم في قصة يوسف عليه السلام: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾. أي هرب من موطن الفتنة. فاهرب يا عبد الله بدينك من موطن الفتنة، فإن كانت هناك مواقع هي سبب خرابك وهي سبب فتنتك فاتركها لله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يعوضك خيرًا منها. ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. نبي الله سليمان أعطاه الله من الملك والسلطان، فكان من ملكه تلك الخيول السريعة التي عرضت عليه بالعشي، أي في وقت العصر، وهو يتمتع بالنظر إليها وهي تستقيم على ثلاثة أرجل وترفع الرابعة، غاية في الجمال وغاية في الاستمتاع، حتى غربت الشمس وترك صلاة العصر. قال العلماء: أي تركها نسيانًا لا عمدًا، هذا قول، وقول آخر أنه يجوز في شريعتهم أن تترك الصلاة من أجل الغزو أو ما يتبع ذلك. فلما علم أن هذه الخيول سببًا في إضاعة الصلاة قام بنحرها وذبحها، فعوضه الله عز وجل ما هو خير منها: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. فاترك ذلك يا عبد الله لله عز وجل، يعوضك الله خيرًا من ذلك، ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه. هذا من نصيحة للرجل الكبير العاقل. أما بالنسبة للأطفال والصغار، فهذه والله مسؤولية أولياء الأمور. كيف تمكن هذا الولد الصغير الذي لا يردعه دين ولا خوف من الله سبحانه وتعالى فينظر إلى ما يشاء وينتقل من مكان إلى آخر كيف شاء؟ كيف يمكن هؤلاء السفهاء وهؤلاء الضعفاء من مثل هذا الجوال الذي سمعتم خطورته وسمعتم مفاسده؟ فولي الأمر هو مسؤول عن ذلك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. قال علي بن أبي طالب: أي علموهم وأدبوهم. وإن من التعليم والتأديب أن لا يمكن السفهاء من الأطفال أو النساء أو البنات من مثل هذا الجوال. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فتسأل عن هذا الولد. انظر يا عبد الله إن عطيته الجوال إلى خلقه وإلى دينه وإلى محافظته على صلاته وإلى إقباله على العلم والتعليم وكتاب الله عز وجل. إن أولادنا لما مكنوا من هذا الجوال أضاعوا دينهم ودنياهم. كم يشتكي من المدرسين في المدارس من الأولاد الطلاب يأتون إلى الفصل وهم مرهقون وهم متعبون لأنهم قد سهروا على هذا الجوال، فماذا سيأتي من في الصباح الباكر وقد نام الساعة الثانية أو الساعة الواحدة أو نحو ذلك؟ فاتقوا الله يا عباد الله، وراقبوا أولادكم وراقبوا بناتكم، ولا تمكنوهم من هذا الجوال الذي سمعتم مفاسده وسمعتم أخطاره. أسأل الله بمنه وكرمه وجودي وإحسانه أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك وأعداء الدين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.