التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 75

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 75

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

موقف البراء بن معرور وصلاته نحو الكعبة في حجة العقبة

خالف البراء بن معرور قومه الأنصار في حجة العقبة الثانية وصلى نحو الكعبة بدلاً من بيت المقدس، فرفضوا متابعته متمسكين بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم نحو الشام، فاستشار النبي في مكة فعرفه وعرف كعب بن مالك.

تفاصيل بيعة العقبة الثانية وإسلام عبد الله بن عمرو

أسلم عبد الله بن عمرو بن حرام وحضر البيعة مع سبعين رجلاً، واشترط النبي صلى الله عليه وسلم حمايته كما يحمون أبناءهم ونساءهم، فبايعوه على السمع والطاعة، وحذرهم العباس من الغدر، وتكلم أبو الهيثم عن مخاوف قطع الحبال مع قومهم.

اختيار النقباء الاثني عشر وأحداث ليلة العقبة

طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار إخراج اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم، ويسرد أسماءهم من الأوس والخزرج، ووقع موقف الشيطان الذي صرخ محذراً قريشاً، ورد فعل النبي، ومحاولة العباس بن عبادة مهاجمة أهل منى، ونفي عبد الله بن أبي علمه بالبيعة.

إشارة جبريل عليه السلام في تعيين النقباء

يروي ابن وهب عن الإمام مالك عن شيخ من الأنصار أن جبريل عليه السلام كان يشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمن يُجعل نقيباً، وقد تعجب مالك من تفاوت عدد النقباء بين القبائل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نستأنف درس السيرة في كتاب الإمام الذهبي «تاريخ الإسلام» في سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ووقفنا عند الكلام على العقبة الثانية، بيعة العقبة الثانية التي بايع فيها الأنصار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن القين عن أخيه عبيد الله عن نبيه كعب. وأولاد كعب بن مالك كلهم ثقات: أبو الله، وعبد الله، وعبد الرحمن. قال: خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعقبة مع مشركي قومنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، والبراء له فضل عظيم، وله سابقية، وله كذلك ثناء من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»، ومنهم البراء بن معرور. قال البراء: «لو كان لي كذا وكذا كانت هذه الكلمة أحب إلي من ذلك، أنا لو كانت الدنيا لي فهذه الكلمة أفضل لي من الدنيا». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومنهم البراء بن معرور»، أي أنه لو أقسم على الله لأبره، لو قال: يا رب أقسمت عليك كذا، لأبره الله واستجاب له. قال: ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، حتى إذا كنا بظاهر البيداء - والبيداء هي الصحراء، المكان الخالي - قال: يا هؤلاء، تعلموا إني قد رأيت رأيًا، والله ما أدري توافقونني عليه أم لا؟ فقلنا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إني قد أردت أن أصلي إلى هذه البنية، ولا أجعلها مني بظهر. فقلنا: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أن نبينا يصلي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يصلي إلا إلى الشام. قال: فإني والله لمصلٍ إليها. فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة، وتوجهنا إلى الشام، حتى قدمنا مكة. فقال للبراء: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى أسأله عما صنعت، لقد وجدت في نفسي بخلافكم إياي. قال: فانطلقنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا يدل على أن الأنصار رضي الله عنهم بداية إسلامهم تربوا على طاعة الله ورسوله، فهذا البراء بن معرور سيدهم، لكنهم لم يتبعوه، وإنما اتبعوا الشرع؛ لأنهم اتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه كان يستقبل بيت المقدس فاستقبلوا بيت المقدس. قال: فلما وجد في نفسه بخلافهم إياه، قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلقينا رجلًا بالأبطح، والأبطح هذه منطقة من مناطق مكة، وهي من أقرب إلى الميناء، ويقال إنه الآن يسمى العزيجية الجنوبية أو الشمالية، الله أعلم، هو في العزيجية، هذا المكان الأبطح أقرب إلى الميناء، لكنه داخل في مكة الآن. قال: فلقينا رجلًا بالأبطح، فقلنا: هل تدلنا على محمد؟ قالوا: هل تعرفانه إن رأيتماه؟ قلنا: لا والله. قال: فهل تعرفان العباس؟ فقلنا: نعم. قالوا: قد كنا نعرفه، كان يختلف إلينا بالتجارة. فقال: إذا دخلتم المسجد فانظروا العباس، فهو الرجل الذي معه. قال: فدخلنا المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والعباس ناحية المسجد جالسين، فسلمنا ثم جلسنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل تعرف هذين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. والله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الشاعر». قال: نعم. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس لما قال له كعب بن مالك: «الشاعر». قال: نعم، أن كعب كان شاعرًا. فقال له البراء: يا رسول الله، إني قد كنت رأيت في سفري هذا رأيًا، وقد أحببت أن أسألك عنه. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، صليت إلى الكعبة. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها». ورجع إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأهله يقولون: قد مات عليها، ونحن أعلم به. قد رجع إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصلى معنا إلى الشام. والظاهر أن البراء مات قبل أن تحول القبلة؛ لأنه مات في السنة الأولى. قال: ثم وعدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العقبة أوسط أيام التشريق، ونحن سبعون رجلًا للبيعة، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر. فهذا كل الكلام يسوقه كعب بن مالك رضي الله عنه. قال: وإنه لعلى شركه، فأخذناه فقلنا: يا أبا جابر، والله إنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه، فتكون لهذه النار غدًا حطبًا، وإن الله قد بعث رسولًا يأمر بتوحيده وعبادته، وقد أسلم رجال من قومك، وقد وعدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للبيعة. وكان عبد الله بن عمرو بن حرام من سادات بني النجار. قال: فأسلم وطهر ثيابه، وهو من بني - أقصد ليس من بني النجار، من بني أسلم معنا - سلم عبد الله بن عمرو بن حرام، سلم من بني أسلم. قال: وقد أسلم رجال من قومك، وقد وعدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للبيعة. قال: فأسلم وطهر ثيابه، وحضرنا معنا، فكان نقيبًا. نبي صلى الله عليه وسلم جعل نقباء مثل ما كان في بني إسرائيل في زمن موسى، فجعل عليهم نقباء حتى يكونون يتمرون بأمرهم معنا، مثل الأمراء عليهم، أو مثل عُقّال الحارات أو نحو ذلك. قال: فلما كانت الليلة التي وعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بتنا أول الليل مع قومنا. قال: فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا تسلل القَطا حتى اجتمعنا بالعقبة. وكانت هذه البيعة: قيل إنها في السنة الثانية عشرة من البعثة، وقيل أقل من هذا، والظاهر أنها كانت قريب الهجرة. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعمه العباس، ليس معه غيره، وأن العباس كان في ذلك الوقت مشركًا، لكن لمحبته لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمنه. قال: أحب أن يحضر أمر ابن أخيه. وكان أول متكلم، وقال: يا معشر الخزرج، إن محمدًا منكم حيث قد علمتم، وهو في منعة من قومه وبلاده، قد منعناه ممن هو على مثل رأينا منه - أي على شرك - فمنعه عمه أبو طالب، وكذلك عمه العباس. قال: وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، والذهاب إليكم، وإلى ما دعوتموه إليه. قال: فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما وعدتموه فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه. وهذا كلام عظيم، حتى لا يتحملوا شيء هم ليسوا في طاقته. قال: فإنه في منعة من عشيرته وقومه. فقلنا: قد سمعنا ما قلت، تكلم يا رسول الله. فتكلم ودعا إلى الله، وتلا القرآن، ورغب في الإسلام. قال: فأجبناه بالإيمان والتصديق له، فقلنا له: خذ لربك ولنفسك. والذي قال له هذا هو أسعد بن زرارة أبو أمامة. قال: خذ لربك ولنفسك. قال: إني أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه أبناءكم ونساءكم. فأجابه البراء بن معرور فقال: نعم، والذي بعثك بالحق نمنعك مما نمنع منه أزْرَنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب، وأهل الحلقة - أهل الحلقة: معنى أهل السلاح - ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فعرض في الحديث أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين أقوام حبالًا، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن الله أظهرك أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ الدم والهدْم، الهدم عن هلاكي بهلاكي، وهلاككم بهلاكي. وهذه كلمة تقال فيمن أراد أن يكون حماه، وحمى هؤلاء الناس الذين يقال لهم هذه الكلمة واحد، ومعنى ذمة: ذمتكم وحرمتكم خرمتي، أو خرمتي حرمتكم، أنا كل الذي يكون عليكم يكون علي، وما أترككم أبدًا. قال: أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم، أنا من حاربكم وعاداكم فأنا أيضًا عدو. فقال له البراء بن معرور: ابسط يدك يا رسول الله نبايعك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا. فأخرجوهم له، فكان نقيب بني النجار أسعد بن زرارة أبو أمامة، ونقيب بني سلمة البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بني ساعدة سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، ونقيب بني زريق رافع بن مالك، ونقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ونقيب بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت، ونقيب بني عبادة بن الصامت خارجة بن زيد، ونقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة، ونقيب بني عبد الأشهل - وهم من الأوس - أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان. ولعل سعد بن معاذ لم يأت في تلك السنة، ولم يذكر في هذه البيعة، وإلا فهو قد أسلم. قال: فأخذ البراء بيد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضرب عليها، وكان أول من بايع، وتتابع الناس فبايعوا. فصرخ الشيطان على العقبة بأنفذ صوت سمعته قط، فقال: يا أهل الجباجب، هل لكم في مُذَمَّم والصَّبأة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ انظر إلى حقد الشيطان، حتى أنه صرخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هذا أزب الكعبة»، أزب الكعبة: أي شيطانها، يقال له آزب. قال: «هذا ابن العزب، أما والله لأفرغن لك». ارفضوا، ارفضوا إلى رحالكم. أنهم جاءوا سرًا حتى لا يعلم قومهم، فأراد أن يفضحهم. فقال العباس بن عبادة أخو بني سلمة: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا. فقال: «إنا لم نؤمر بذلك». فرحلنا، فرحنا إلى رحالنا، فرجعنا. فلما أصبحنا أقبلت جلة من قريش، فيهم الحارث بن هشام، فتناشبوا، والحارث بن هشام من بني مخزوم، فتناشبا، وعلينا أعلام لهما جديدتان. فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوهم بين أظهرنا، وإنه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. فانبعث من هناك من قومنا من المشركين يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا من شيء، إنا مشركون ما كان يدرون، فلهذا حلفوا لهم: إن هذا الأمر لم يكن فينا. قال: ما كان من هذا، فما فعلنا. فلما ثار القوم لينطلقوا، قلت كلمة كأني أشركهم في الكلام: يا أبا جابر - يريد عبد الله بن عمرو - أنت سيد من ساداتنا، وكهل من كهولنا، لا تستطيع أن تتخذ مثل نعل هذا الفتى من قريش. فسمعه الحارث، فرمى بهما إليه، وقال: والله لتلبسنهما. فقال أبو جابر: مهلا، أحفظت؟ لعمر الله، الرجل يقول: أخجلته - معنى أخجلته: أردد عليه -. وقلت: لا والله لا أردهما، فأصلح، إني لأرجو أن أسلبه. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام، قال: ثم انصرفوا عنهم، فأتوا عبد الله بن أبي بن سلول فسألوه، فقال: إن هذا الأمر جسيم، وما كان قومي ليتفوتوا علي بمثله. فانصرفوا عنه. أي: قريش جاءوا إلى عبد الله بن أبي سألوه عن ذلك، فنفى ذلك، وأيضًا كانت عنده الثقة أنه لم يتركه، لن يتركه الأوصار وقومه، وقومه هم الأوس، فأقصد الخزرج. وقال ابن إدريس عن ابن إسحاق: حتى ثنى عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لهم: «ابعثوا منكم اثني عشر نقيبًا كفلاء على قومكم»، قال: «ككفالة الحواريين عيسى بن مريم». وقال أسعد بن زرارة: نعم يا رسول الله. قال: «فأنت نقيب على قومك». ثم سمى النقباء كرواية معبد بن كعب بن مالك. وقال ابن وهب: حدثني مالك، قال: حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل عليه السلام كان يشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام إلى من يجعله نقيبًا. قال مالك: كنت أعجب كيف جاء من قبيلة رجل، ومن قبيلة رجلان، أن جب