الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 77، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
وصف النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بأنها أرض سبخة ذات نخل بين حرتين، فهاجر إليها من هاجر وعاد بعض مهاجري الحبشة. جهز أبو بكر للهجرة فأمره النبي بالانتظار رجواً للإذن، فحبس نفسه أربع أشهر صحبة للنبي، وترك علياً رضي الله عنه في مكة لقضاء الديون ثم اللحاق بهم، وصحح المؤلف قول ابن إسحاق عن الإذن بالقتال في مكة مبيناً أن آية الإذن بالقتال نزلت في المدينة.
يوضح المقطع أن بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم كانت على المدافعة والنصرة لا على حرب الهجوم، ويستدل باستشارة النبي لهم قبل بدر. كما يذكر تسلسل الهجرة إلى المدينة بدءًا بمصعب بن عمير وأبي سلمة بن عبد الأسد، ويشير إلى موقف قريش من هجرة أبي سلمة وعائلته.
بعد هجرة أبي سلمة، انتزع بنو عبد الأسد ابنها سلمة وحبسها بنو المغيرة، فبقيت أم سلمة تبكي عاماً كاملاً في الأبطح. ثم أذن لها عمها بالذهاب إلى زوجها، فردّ لها بنو عبد الأسد ابنها، وخرجت وحدها متوكلة على الله، فلقيها عثمان بن طلحة فأكرمها وأوصلها سالمة إلى المدينة.
يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن الرجل الصالح أوصل الأمانة إلى المدينة ثم رجع، ويعلن عن استكمال الموضوع في درس قادم إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الذهبي رحمه الله في «السير»: قال: «ذُكر أول منهاج راحل المدينة». قال عقيل وغيره عن الزهري عن عروة عن عائشة: قال النبي عليه الصلاة والسلام للمسلمين بمكة: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين»، وهما الحرتان. «قد أريت دار هجرتكم» -على الدار التي تتهاجرون فيها- «أريت سبخة»؛ السبخة هي التربة المالحة، عما نسميه كثيبًا، عن الغالب يكون في الصحاري. قال: «ذات نخل»، معنى سبخة أو نخل، وهذا من عجائب الأمور؛ غالبًا الأرض السبخة لا ينبت فيها شيء، لكن المدينة كانت مليئة بالنخل إلى اليوم. معنى مليئة بالنخل وهي أرضها أرض سبخة. قال: «بين لابتين»، واللابة هي الحرة، الحرة هي الحجارة السوداء. الحجارة السوداء: عن من يعرف المدينة، في شمالها حرة، وفي جنوبها حرة. هنا في حجارة سوداء التي تسمى حجارة الزيت، هنا موجودة عندنا في مصينعة، أنا في قرب مصينعة، وأيضًا في الجهة الغربية عند منطقة بئر علي، فهذه حجارة سوداء تسمى حرة، وهي حجارة الزيت. فوصف النبي صلى الله عليه وسلم دار الهجرة فقال: «أريد دار هجرتكم، أريد سبخة ذات نخل بين لابتين»، وهما الحرتان. قال: فهاجر من هاجر قبل المدينة عند ذلك، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين. كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم هذا الكلام وهو في مكة، وهناك من هاجر إلى الحبشة كما تقدر. قال: وتجهز أبو بكر مهاجرًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي». فقال أبو بكر: «وترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟» قال: «نعم». فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصحبه. وفي رواية: قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: «الصحبة؟» قال: «نعم». قال: «وعلى فراحلتين عنده، رَقْب السمر أربعة أشهر». أخرجه البخاري. أنا جلس النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا أربعة أشهر حتى أذن الله عز وجل له أن يذهب، وكان له -أو كانت عليه- ديون لأهل مكة، فترك النبي عليه الصلاة والسلام عليًا في مكة حتى يسددها، ثم بعد ذلك يلحق بهم. فعلي رضي الله عنه هاجر بعد النبي عليه الصلاة والسلام، تركه رسول الله لأجل أن يسدد ديونه. قال: وقال ابن إسحاق: «فلما أذن الله لنبيه في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة». وهذه الكلمة التي ذكرها الإمام ابن إسحاق رحمه الله فيها وهم؛ فقال: «فلما أذن الله لنبيه في الحرب»، ولم يأذن الله عز وجل لنبيه في مكة بالحرب حتى قوله جل وعلا: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39]، هذه نزلت في المدينة، وأيضًا ليس فيها قتال، وإنما فقط أنه إذن لهم على أن يتهيأوا لقتال هؤلاء الكفار. لهذا ذكر العلماء أن ابن إسحاق هنا أخطأ في قوله «في الحرب»، أو قد تكون هذه تصحفت، يريد «في الهجرة» فقال «في الحرب». قالوا: «بايعوا هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة». أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قومه، ولعل هذا أخذه من قولهم للنبي عليه الصلاة والسلام، أو قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهاليكم»، يعني تمنعون أي تدافعوا عني، وليس المراد الحرب أو حرب الهجوم، وإنما هي المدافعة فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبايعهم على الهجوم على الحرب على غيرهم، لم يبايعهم على ذلك، وإنما بايعهم على المدافعة، أنهم يدافعون عنه كما يدافعون عن أنفسهم وعن أهاليهم. فهذا الذي كان الاتفاق بينهم. لهذا لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل -أن يعترض العير التي لقريش في بدر- فإنه قال عليه الصلاة والسلام لهم واستشارهم؛ لأنه لم يتفق ولم يبايعهم على القتال. فقام أبو بكر وتكلم، وقام عمر، وقام المقداد، حتى قام سعد، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يريد الأنصار، أما المهاجرون فهم معه وخرجوا معهم من مكة، لكن كان يريد الأنصار؛ لأنه لم يبايعهم على حرب الناس، وإنما على منعه عليه الصلاة والسلام. فلما قال سعد -سعد بن معاذ رضي الله عنه-: «خذ يا رسول الله ما أمرك به ربك، فلو استعرضت بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك»، يعني لو مررت هذا البحر ودخلت فيه لدخلنا معك، يعني نتبعك في أي مكان تريده، نحن معك. فسر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الكلام، فقال لهم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فقال هنا ابن إسحاق: «فلما أذن الله لنبيه في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بالأنصار، فخرجوا أرسالًا». فكان أول من هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد إلى المدينة، هاجر إليها قبل العقبة الكبرى بسنة. ولا شك أن مصعبًا كان قبله، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير داعيًا إلى الله في المدينة. قال: «وقد كان قدم من الحبشة مكة، فآذته قريش، وبلغه أن جماعة من الأنصار قد أسلموا، فهاجر إلى المدينة». وأبو سلمة بن عبد الأسد هو أخ النبي عليه الصلاة والسلام من الرضاعة، وهو زوج أم سلمة. مات في السنة الثانية من الهجرة، مات في المدينة، وكان أول بيت هاجر كما جاء في بعض الروايات. قال: فعن أم سلمة قالت: «لما أجمع أبو سلمة الخروج، رحل لي بعيرًا، ثم حملني وابني عليه، ثم خرج يقودني. فلما رأت رجال بني المغيرة -قوم المغيرة من بني مخزوم، فعن أهل أم سلمة- قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، هذه على ما نتركك تسير بها في البلاد؟ أنا زوجتك، أنا ما سنمكنك أنك تأخذ زوجتك معك». قال: «فنزع خطام البعير من يده، فأخذوني منه». وغضب عند ذلك رهط أبي سلمة، وقالوا: «والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا». فتجاذبوا ابن سلمة حتى خلعوا يده، معناه تجاذبوه، وكان صغيرًا، سلمة وهو ربيب النبي عليه الصلاة والسلام. خلعوا يده، معناه وهذا لقلة عقولهم، كل واحد من هذه القبيلة يريد أن يأخذ هذا الولد، فخلعوا يد الولد. قال: «وانطلق به بنو عبد الأسد»، وهم قبيلة أبي سلمة. قال: «وحبسني بنو المغيرة عندهم»، وهي قبيلة أم سلمة، وهي من بني المغيرة ومن بني مخزوم. قال: «فانطلق زوجي إذ فرقوا بيننا»، أنا فرقوا بينها وبين زوجها وابنها، وابتليت بلاء عظيم وصبرت رضي الله عنها. ولما مات زوجها عوضها الله عز وجل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالت: «فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فلا أزال أبكي حتى أمسي». والأبطح كما قلنا الآن قرب العزيزية، أنا في مكة. قال: «حتى أمسي سنة أو قريبًا منها»، أنا تذهب وتجلس هناك من كثرة الغم. قال: «حتى حتى مر بي رجل من بني عمي، فرحمني، فقال: ألا تخرجون من هذه المسكينة؟ فرقت بينها وبين ولدها». فقال لي: «الحق بزوجك». قالت: «ورد بنو عبد الأسد لي عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري، ثم وضعت سلمة في حجري»، أنا جلست سنة وهي معنا، فارقت زوجها وابنها وصبرت رضي الله عنها حتى فرج الله عز وجل عليها. قالت: «وخرجت أريد زوجي بالمدينة، خرجت وحدها متوكلًا على الله، مع أنه كان في ذلك الوقت وقطاع الطرق كثير، معنا أهل طي وغيرهم كانوا يقطعون الطريق على الناس، لكن توكلت على الله وخرجت». قالت: «وخرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي. حتى إذا كنت بالتنعيم، لقيت عثمان بن طلحة العبدري الشيباني، وهم الذين عندهم الكعبة، معنا مفتاح الكعبة. فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية؟ وهذا كان قبل الحجاب. قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله إلا الله وبني هذا. قال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي. والله ما صحبت رجلًا من العرب»، قالت: «فوالله ما صحبت رجلًا من العرب أرى أنه أكرم منه، كان أبدًا إذا بلغ المنزل أناخ بي، معنا إذا أراد أن ينزل في مكان ينيخ الناقة حتى أنزل، ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعير فحط عنه ثم قيده في الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها. قال: فإذا دل الرواح قام إلى بعير فرحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعير أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي. فلم يزل يصنع ذلك حتى أقدمني المدينة. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية. ثم انصرف راجعًا». معنى أنه أوصلها فقط، يسر الله عز وجل بهذا الرجل الصالح، أوصلها إلى المدينة ثم رجع. طيب، إن شاء الله تعالى نكمل في درس قادم، والله أعلم.