التعليق على الجواب الكافي 89

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 89، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقوبات الذنوب والمعاصي وتأثيرها على علاقة الإنسان بالملائكة والشياطين

المعصية تباعد بين العبد والملك وتقربه من الشيطان، بينما الطاعة تقربه من الملك وتبعده عن الشيطان. هذا التأثير يبرز أهمية امتثال أوامر الله والابتعاد عن نواهيه.

دور الملائكة في حياة الإنسان وتأثيرهم الإيجابي

الملائكة جعلهم الله رحمة للخلق، يحبون العبد الذي يحبه الله ويكونون له نافعين، يدافعون عنه ويحثونه على التصديق بالحق. كما قد ينطقون على لسانه بالقول السديد.

كرامة الملائكة ووجوب احترامهم وتأثير المعاصي عليهم

يجب احترام الملائكة وعدم إيذائهم بالمعاصي، فهم يحفظون الإنسان ويدعون له أو عليه حسب أفعاله. المعاصي تؤذي الملائكة كما تؤذي بني آدم، وتؤدي إلى تباعد الملك عن العبد.

  • 11 جمادى الأولى 1442هـ - 25/12/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ بن القيم رحمه الله تعالى: فصل: المعصية تباعد بين العبد والملك، تباعد بين العبد والملك، أي ملك الرحمة، ملائكة الرحمة، والملائكة الموكلة بالخير للإنسان، فالمعصية تبعده، ويعشعش على رأسه الشياطين، فإذا كان الإنسان مع الشياطين فإن الملائكة لا تكون معه، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. قال رحمه الله: ومن عقوباتها -أي الذنوب والمعاصي- أنها تباعد عن العبد ووليه وأنفع الخلق له وأنصحهم له، ومن سعادته في قربه منه، وهو الملك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق له وأعظمهم ضررًا له، وهو الشيطان. قال: فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، تباعد منه الملك، وليس الملك الملك من ملوك الدنيا، والملك من الملائكة. قال: فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة. قالوا: في بعض الآثار، إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلًا من نتن ريحه. هذا حديث أخرجه الترمذي رحمه الله، لكنه لا يصح من طريق عبد الرحيم بن هارون عن ابن أبي رواد عن نافع بن عمر، وعبد الرحيم هذا -ابن هارون- متروك، كذبه الدارقطني وغيره، فلهذا الحديث ضعيف جدًا. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة برقم 1828. قال رحمه الله: فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدار بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟ قال بعض السلف: إذا ركب الذكر -الذكر- عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت. إذا ركب الذكر -الذكر- يعني أنه عمل عمل قوم لوط، فإذا حصل هذا، قال بعض السلف: إن الأرض تعج إلى الله، ومعنى عجت: أي رفعت صوتها وصاحت، وهربت الملائكة إلى ربها وشكت إليه عظيم ما رأت. وقال بعض السلف: إذا أصبح العبد ابتدره الملك والشيطان، فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله، طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان. وهذا سيأتي، سيذكر المؤلف حديثًا يشبهه، لكن ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، صحيح أنه ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، صح عن عبد الله بن مسعود. وهذا الذي ذكره عن السلف هو الواقع، فإن العبد إذا عمل بطاعة الله فإن الملك يكون معه، فيطرد الشيطان، إما هو يطرده، وإما أن الشيطان لا يستطيع أن يتقرب إلى العبد الذي معه الملك. قالوا: لا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له، فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند بعثه. يقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فالملائكة تبشرهم وتقول لهم: نحن أولياؤكم، أي من يتولاكم في الدنيا وفي الآخرة. فالعبد الصالح يتولاه ملك، تتولاه الملائكة. قالوا: إذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق له وأنفعهم وأبرهم، فثبته وعلمه وقوى جنانه وأيده. إن الملائكة جعلهم ربنا سبحانه وتعالى رحمة للخلق، وأيضًا هم عبادًا لله ينفذون أمر الله، فلهذا إذا أحب ربنا جل وعلا العبد أحبته الملائكة، فكانت له من أنفع الناس. وأيضًا تكون معه دفاعًا، إنه يدافعون عنه، يجعلهم الله عز وجل كالحفظة يحفظونه من أمر الله. قالوا: قال الله عز وجل: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فيقول له الملك عند الموت: لا تخف ولا تحزن، وأبشر بالذي يسره. وهذا الظاهر قطعة من حديث البراء بن عازب، قد مر ذكره، لكن الظاهر أنه ليس فيه لا تحزن ولا تخف، ولعل المؤلف ذكرها بمعنى من حفظه، فليس في الحديث لا تخف ولا تحزن. قال: ويثبته بالقول الثابت، أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي القبر عند المسألة. فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره ومؤنسه في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره، ويحارب عنه عدوه ويدافع عنه ويعينه عليه، ويعيده بالخير ويبشره به. وهذا كله قد لا يشعر به الإنسان، لكن يشعر بتأييد من عند الله، تأييد من عند الله عز وجل. وكذلك لا يشعر بالدفاع الذي يدافعه الملك. قال: ويحث على التصديق بالحق كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعًا وموقوفًا: إن للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة، فلمة الملك يعد بالخير تصديقًا بالوعد، ولمة الشيطان يعد بالشر وتكذيبًا بالحق. معنى اللمة هو الشيء الذي يقع بخفة، والمراد به الخطرة التي تخطر في القلب. فإما تكون لمة من الملك وتكون لمة من الشيطان، فلمة الملك يعد بالخير وتصديقًا بالوعد. وهذا الحديث جاء موقوفًا ومرفوعًا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن مسعود، أنه موقوف على عبد الله بن مسعود، جاء بإسناد صحيح. قال: وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه وألقى على لسانه القول السديد، وإذا بعد منه وقرب الشيطان تكلم على لسانه وألقى عليه قول الزور والفحش، حتى يرى الرجل يتكلم على لسانه الملك، والرجل يتكلم على لسانه شيطان. فعن العبد الذي يأتي بالكلام الطيب وما يكون فيه خير وحكمة، فهذا كأنه يتكلم على لسانه ملك، بخلاف الذي يتكلم بالفحش والبدعة والحيل، فهذا يتكلم على لسانه شيطان. قالوا: في الحديث أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه. وهذا الحديث جاء في زوائد المسند موقوفًا على علي رضي الله عنه، فالصحيح أنه موقوف وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قاله. وإنما الذي قاله هو علي رضي الله عنه، لكن يشهد له حديث: «إن من أمتي أناسًا ملهمين، فإن يكون منهم أحد فعمر». هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم، «فإن يكون أحد منهم فعمر»، فهو محدث ملهم، والمحدث هو الذي ينطق على لسانه الخير، وكأن ملكًا ينطق على لسانه، فهو ملهم ومسدد. فلهذا فالصحيح أنه من كلام علي وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وكان أحد يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الملك، ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان. فالملك يلقي بالحق في القلب ويلقيه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان. فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته، وتدني منه عدوه الذي شقاؤه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته. حتى إن الملك لا ينافح عن العبد ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه، كما اختصم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم رجلان، فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت، فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله لما رددت عليه؟» قال: «كان الملك ينافح عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان، فلم أكن لأجلس». وهذا الحديث صحيح أو حسن، لكن ليس لفظه هكذا، لكن صح معناه، صح معناه عند أحمد وكذلك عند أبي داود، فهو حديث حسن وله شواهد كذلك. وأن العبد ما دام ساكتًا فإن الملك ينافح عنه. وجاء أن هذا الشخص هو أبو بكر رضي الله عنه، فلما أراد أن يدافع عن نفسه قام النبي صلى الله عليه وسلم، على أنه إذا دافع الإنسان عن نفسه غالبًا يحضر الشيطان. قال: وإذا دعا العبد المسلم بظهر الغيب لأخيه أمن الملك على دعائه، فقال: ولك بمثله. فهذا الحديث تخرجه مسلم، الحديث بالدرداء: أن العبد إذا دعا لأخيه في ظهر الغيب وكل الله عز وجل ملكًا يقول له: ولك بمثله. قال: وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه. وهذا أيضًا في الصحيحين، اتفقنا عليه، الحديث بهريرة. قال: فإذا أذنب العبد الموحد المتبع لسبيله -سبيل الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- استغفر له حملة العرش ومن حوله. وهذا معنى بعمومات الآيات التي جاءت في هذا. قال: وإذا نام على وضوء بات في شعاره ملك. إذا نام على وضوء بات في شعاره ملك. وهذا الحديث إن شاء الله حسن، جاء عند ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر، وإسناده لا بأس به، وجاء كذلك عند الطبراني بإسناد أحسن منه عن ابن عباس. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وقوله هنا: بات في شعاره ملك، الشعار هو ما تحت الدثار، يعني أن الشعار الذي يلي اللباس الذي يلي الجسد أو البدن يسمى شعارًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنصار: «الناس هو الدثار والأنصار الشعار». فالدثار هو ما يلبس من الملابس الخارجية، والشعار هو الملابس الداخلية. قالوا: إذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان وموجباته، فما الظن بإكرام أكرم الأضياف وخير الجيران وأبرهم؟ وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش، دعا عليه ربه وقال: لا جزاك الله خيرًا، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان. ولهذا العبد ينبغي أن لا يؤذي الملائكة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم منع الذي يأكل ثومًا أو بصلًا أن يأتي إلى جماعة المسلمين، وقال: «إن الملائكة لتتعذى مما يتعذى منه بنو آدم». فلهذا يحرص المسلم على أن لا يؤذي الملائكة الذين معه، ومن أعظم الأذية أنه يعصي الله عز وجل. قال بعض الصحابة رضي الله عنه: إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم. قال: ولا ألام من لا يستحي من الكريم العظيم القدر ولا يكرمه ولا يوقره. وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وإن عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾، أي معكم ويعلمون أعمالكم، وهم عليكم حافظين يحفظونكم من أمر الله. قال: أي استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام، أكرموهم وأجلوهم، أن يروا منكم ما تستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم، أن يراكم أحد من البشر. قال: والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كان بنو آدم يتأذون ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان. فخلاصة هذه العقوبة أن الله عز وجل يباعد بين العبد والملك. ونكتفي بهذا والله تعالى.