الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال وإضاعة المال وقيل وقال، وحذر من كثرة الكلام التي قد تؤدي إلى الزلل والكذب والغيبة والنميمة. كما تناول آراء أهل العلم حول جواز إنفاق المال كله في وجوه الخير.
نفى علي بن أبي طالب أن يكون النبي خصه بشيء دون الناس، وشرح الحديث الذي يبين كذب ادعاءات الرافضة الذين يزعمون أن علياً خصه النبي بأمور خاصة. الحديث يبين بعض الأحكام واللعنات على من يرتكب معاصي معينة.
أوصى النبي أبا الدرداء بتسع أمور، منها عدم الشرك بالله وعدم ترك الصلاة المكتوبة وإطاعة الوالدين وعدم شرب الخمر. كما تم التأكيد على تحريم الخمر وأضرارها التي تؤدي إلى ارتكاب الفواحش والمحرمات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق المرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. عما بعد، وقفنا بالأمس عند حديث المغير من شعبة رضي الله تعالى عنه في إخباره بما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام من نهي عن كثرة السؤال وإضاعة المال وعن قيلة وقال. ومر الكلام على كثرة المراد بكثرة السؤال وإضاعة المال، وكذلك أيضاً مما كذلك يتعلق بإضاعة المال، هل يكون إنفاق المال كله في وجوه الخير؟ هل يكون ذلك من ضياع المال؟ إذا أراد الشاصر أن يصدق بكل ماله، هل يجوز له ذلك أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح أنه يجوز لمن كان عنده صبر وقدرة على التحمل، فإنه يجوز كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين أتى له بجميع ماله، أتى به للنبي عليه الصلاة والسلام، فلا يكون ذلك من إضاعة المال. قال: وعن قيل وقال، كذلك أيضاً نهى عليه الصلاة والسلام عن قيل وقال، وقيل والقال فيه إشارة إلى أن كثرة الكلام بما لا فائدة فيه، فهذا مذموم؛ لأن كثرة الكلام يوقع أشخاصاً في الزلل، يوقع أشخاصاً في الزلل، فبكثرة الكلام تزل لسانه، فلهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قيل وقال. وحتى عليه الصلاة والسلام على مراقبة اللسان، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي شريح وغيرهم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، إما يتكلم بخير وإلا يمسك لسانه؛ لأن اللسان سبب للوقوع في الزلل. وهذا أيضاً من ذلك أنه ينقل كلام الناس، قال كلام كذا، وقال كذا، وقيل كذا، فهذا أيضاً كذلك لا يسلم من الوقوع في الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء يثمن أن يحدث بكل ما سمع»، الذي يحدث بكل ما يسمع فإنه يقع في الكذب وتزل لسانه، فينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه. والشاهد من الحديث وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك مما ذكر في هذا الحديث التحذير من عقوق الوالدين، وأن ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، وأنه كذلك من كبائر الذنوب. قال رحمه الله: باب لعن الله من لعن والديه. قال: حدثنا عمرو مرزوق قال: أخبرنا شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي قلابة قال: سئل علي هل خصكم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء لم يخص به الناس كافة؟ قال: ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يخص به الناس إلا ما في قراب سيفي، ثم أخرج صحيفة فإذا فيها مكتوب: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من سرق منار الأرض، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً. والحديث صحيح وهو في صحيح الإمام مسلم. وقوله: إلا ما في قراب سيفي، والقراب هو الوعاء، وعاء من الجلد يوضع فيه السيف بغمده. يعني أنه سئل رضي الله تعالى عنه هل خصهم النبي عليه الصلاة والسلام بشيء لم يخص به الناس؟ يعني أنه خص علياً رضي الله تعالى عنه لكونه من أهل البيت، هل خصهم بأمور دون سائر الناس كما يدعي الرافضة وغلات الشيعة الذين غلوا في أهل البيت؟ فقال رضي الله تعالى عنه: ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يخص به الناس، وهذا فيه بيان كذب الرافضة الذين يدعون أن علياً خصه النبي عليه الصلاة والسلام بأمور وأنه أوصاه بوصايا خصه بها، وهو كذب على علي رضي الله تعالى عنه، فهو يبين رضي الله تعالى عنه أنه لم يقص بشيء من ذلك. ثم أخرج لهم صحيفة، قال: إلا ما في قراب سيفي، ثم أخرج صحيفة فإذا فيها مكتوب: لعن الله من ذبح لغير الله. واللعن من الله جل وعلا هو الطرد والإبعاد من رحمته، فمن ذبح لغير الله فهو ملعون مطرود من رحمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الذبح عبادة كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، فالذبح لغير الله سبحانه وتعالى من الشرك، من الشرك الأكبر. والمراد بالذبح هنا لغير الله أي الذبح لغير الله بقصد القرب والتعظيم، فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة. وأما الذبح لغير الله لقصد الفرح والإكرام فهذا لا يصل إلى حد الكفر، بل هو مباح، وقد يكون مشروعاً. قال: لعن الله من سرق منار الأرض. والمراد منار الأرض أي علامات الحدود، علامات الأرض والحدود، فيأتي ويغيرها، فهذا ملعون. قال: لعن الله من لعن والديه، كذلك من يلعن والديه فهو ملعون؛ لأن لعن الوالدين كبيرة من كبائر الذنوب. قال: لعن الله من آوى محدثاً، كذلك من يؤوي محدثاً فهو ملعون. والمراد بالمحدث هنا من يأتي لفساد في الأرض، رجل يقتل ثم يأتي ويؤويه وينصره، أو رجل مفسد سارق أو نحو ذلك من الفساد، ثم يأتي ويؤويه فهو ملعون. والشاهد منه هو قوله: لعن الله من لعن والديه، فلعن الوالدين من كبائر الذنوب. قال رحمه الله: باب يضر والديه ما لم يكن معصية. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عبد الملك بن الخطاب بن عبيد الله من أبي بكر البصري رقيته بالرملة قال: حدثني راشد أبو محمد عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع. قال: لا تشرك بالله شيئاً وإن قطعت أو حرقتني، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمداً، ومن تركها متعمداً برئت منه الذمة، ولا تشربن الخمر فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، ولا تنازعن ولاة الأمر وإن رأيت أنك أنت، ولا تفرر من الزحف وإن هلكت وفر أصحابك، وأنفق من طولك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله. هذا الحديث بهذا السند ضعيف؛ لأن شهر بن حوشب ضعيف، فهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. لكن جاء معناه عن عكرمة مرسلاً بسند صحيح إليه كما عند الإمام أبو نعيم في الحلية، ويكون شاهداً لحديث أبي الدرداء، ولهذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء. وفيه أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصاه بتسع، أولها: لا تشرك بالله شيئاً وإن قطعت أو حرقتني، حذره عليه الصلاة والسلام من الشرك؛ لأن الشرك من أعظم الذنوب كما مر الكلام عليه. قال: ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمداً، الصلاة المكتوبة أي الفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى خمس صلوات في اليوم والليلة، فهذه الصلاة هي عمود الإسلام، فأحذر ربنا جل وعلا من التهاون فيها. قال: ومن تركها متعمداً برئت منه الذمة، أي لم يكن في حفظ الله سبحانه وتعالى ورعايته. كما جاء في صحيح حديث جندب: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله»، فليحذر أن يخفر ذمة الله بشيء. ومفهوم هذا الحديث مفهوم المخالفة أن من لم يصل فليس هو في ذمة الله. قال: ولا تشربن الخمر فإنها مفتاح كل شر. كذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بعدم شرب الخمر؛ لأن الخمر ما خامر العقل، ما شرب على وجه اللذة والطرب وكان فيه الإسكار فهو خمر. كما قال عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام»، فكل ما فيه الإسكار فهو حرام. والله سبحانه وتعالى نهى عن قرب الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. والخمر مفتاح كل شر؛ لأنها إذا شربت زال العقل، وإذا زال العقل ارتكب الفواحش والمحرمات.