الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر أحاديث نبوية تشير إلى فضل الإحسان إلى البنات وتربيتهن، ووعد الرسول صلى الله عليه وسلم من قام بذلك بالأجر العظيم ودخول الجنة. الإحسان يشمل النفقة والكسوة والتربية الروحية وتعليمهن العلم الشرعي.
يُبين أهمية الإحسان إلى البنات والعناية بهن، ويُعد ذلك سببًا لدخول الجنة، ويُشير إلى ضعف المرأة واحتياجها لمن يقوم بشؤونها، ويقدم أمثلة من الأحاديث النبوية حول فضل الإنفاق عليهن.
الرزق بيد الله وحده، وتمني رزق غيره يعتبر سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى. يجب الإيمان بأن الله هو الرزاق وحده لجميع خلقه، والابتعاد عن تمني موت البنات بسبب الفقر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب "من عال جاريتين أو واحدة": حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا حرملة بن عمران أبو حفص التجيبي، عن أبي عشانة المعافري، وهو حي من يؤمن، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان له ثلاث بنات وصبر عليهن وكساهن من جدته -يعني من غناه- كنا له حجابا من النار". والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله في "الصحيحة". قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا فطر، عن شرحبيل، قال: سمعت ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ما من مسلم تدركه ابنتان فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة". وهذا الحديث كذلك حسنه العلامة الألباني رحمه الله. قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثني علي بن زيد، قال: حدثني محمد بن المنكدر، أن جابر بن عبد الله حدثهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة". فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: "واثنتين". وهذا حديث أيضا حسن. فهذه الأحاديث الثلاثة ذكرها رحمه الله في هذا الباب "من عال جاريتين أو واحدة"، وفيها فضل القيام على البنات، وأن من عال ثلاث بنات أو اثنتين أو واحدة فقام بتربيتهم والإحسان إليهم بالنفقة والكسوة والإطعام والسكن والتربية، ومن ذلك أيضا أن يقوم بحسن تربيتهم وتأديبهم، هو كذلك أيضا أن يعلمهن ما أمر الله سبحانه وتعالى به وما أمر به رسوله من تعليمهن العلم الشرعي، فإن هذا من الإحسان. فليس الإحسان قاصرًا على الأكل والشرب، بل من أعظم الإحسان أن يحسن إليهن في تربيتهن التربية الروحية التي هي حقيقة الحقيقة الإحسان، بتعليمهن وتأديبهن. فكان له هذا الأجر: "من كان له ثلاث بنات صبر عليهن وكساهن من جدته -يعني من غناه- كن له حجابا من النار" -يعني كن له مانعًا من دخول النار-. وفي الرواية الأخرى: "إلا أدخلتاه الجنة" -يعني دخل الجنة بسبب هذه البنات-. وهكذا في حديث جابر: "يؤويهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة البتة". كل هذه الفضائل مع القيام بهذه الأمور التي ربما فيها شيء من مشقة على النفس، لما جبلت عليه المرأة من ضعف وقلة عقل وسوء تصرف، ومع ذلك يصبر عليهم ويحسن إليهم، كان له هذا الأجر العظيم. وهذا مما رغب فيه الشرع من أجل مراعاة البنت، لأن البنت ضعيفة لا تستطيع أن تقوم بنفسها، ولا كذلك أن تستغني عن من يقوم بها، بخلاف الرجل الولد إذا بلغ أو دون البلوغ عنده قوة ويستطيع أن يقوم بنفسه إذا بلغ نحو ذلك، بخلاف المرأة أو البنت فإنها ضعيفة. وقد جاء في الصحيح، جاء في صحيح مسلم، من حديث أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من عال جاريتين حتى تبلغا كنت أنا وهو كهاتين"، وضم أصابعه السبابة والوسطى. والمعنى أنا وهو في الجنة إذا عال الجاريتين وقام بالإحسان إليهن. وجاء كذلك في الصحيح، من حديث عائشة، أن امرأة دخلت عليها ومعها ابنتان، فسألت عائشة رضي الله تعالى عنها، جاءت تسأل تريد طعامًا، فقالت: فلم أجد إلا تمرة، قالت: فأعطيتها فشقت التمرة بين ابنتها ولم تأكل شيئًا منها، قالت: فلما خرجت ذكرت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "إن الله أوجب لها الجنة أو أعتقها من النار". وجاء في رواية أنها أعطتها ثلاث مرات، فأعطت كل واحدة من البنات تمرة، ثم أخذت التمرة لتأكلها فاستطعمت ابنتها -يعني طلبت منها هذه التمرة- وهي لم تأكل شيئًا، فشقت هذه التمرة التي هي لها وأعطتها لابنتيها، فعجبت من صنيعها، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: "من ابتلي من هؤلاء البنات بشيء فصبر عليهن كن له حجابًا من النار". قال باب "من عال ثلاث أخوات". قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل، عن أيوب بن بشير المعاوي، عن أبي سعيد القدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة". والحديث بهذا السند الضعيف، سعيد بن عبد الرحمن بن مكمل مجهول لم يوثق إلا من قبل يحيى بن معين، وفيه اضطراب. قال باب "قبل من عال ابنته المردودة". قال: حدثنا عبد الله المصالح، قال: حدثني موسى بن علي، عن نبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن جعشع: "ألا أدلك على أعظم الصدقة أو من أعظم الصدقة؟" قال: "بلى يا رسول الله". قال: "ابنتك مردودة إليك ليس لها كاسب غيرك". وهذا الحديث ضعيف. ومعنى ابنتك مردودة إليك -يعني إذا حصل فراق بين الرجل وبين زوجته ثم ردت إليه ابنته وليس لها من يقوم عليها- فقيام الأب على ابنته المردودة إليه من أعظم الصدقات. فالحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح. قال: وحدثنا بشر، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا موسى، قال: سمعت أبي، عن سراقة بن جعشع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا سراقة" مثله -يعني ذكر مثل الحديث الذي قبله-. وهو أيضا ضعيف. قال: حدثنا حيوة بن شريح، قال: حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد، عن مقدام معدي كرب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة". وهذا الحديث صحيح. فهذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن نفقتك على نفسك فهي لك صدقة إذا أنفقت على نفسك وتهدف بذلك أن تعف نفسك عن حرام، فإن هذه النفقة تكون لك بمنزلة الصدقة. قال باب "من كره أن يتمنى موت البنات". قال: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن ماجة، عن سفيان، عن عثمان بن الحارث، عن أبي الرواع، عن ابن عمر، أن رجلًا كان عنده بنات فتمنى موتهن، فغضب ابن عمر وقال: أنت ترزقهن؟ وهذا يرد رأيه في الإسناد، وأبو الرواع قال الذهبي: لا يعرف. لكن معناه صحيح. أنه لا ينبغي للمسلم أن يتمنى موت بناته ويجعل ذلك بسبب الفقر، يتعلل بالفقر وأن البنت كثيرة النفقة، البنت تحتاج إلى نفقة أكثر من الولد، تحتاج إلى الثياب وكسوتها أغلى من كسوة الولد، تحتاج إلى حلي وذهب وفضة أو غير ذلك، فربما يتمنى أنها تموت حتى ما ينفق عليها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. فالرزق من عند الله هو الذي يرزقه وهو الذي كذلك يرزقهم، فتمني مثل ذلك من سوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى.