التعليقات على كتاب الأدب المفرد 56

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات النبي محمد في الكتب السماوية

النص يشير إلى وصف النبي محمد في التوراة بصفات مشابهة لما ورد في القرآن، مثل كونه حرزا للأميين. كما يشير إلى أن الكتب السماوية السابقة مصدقة لما جاء به النبي محمد.

صفات النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه في الحياة اليومية

النص يبين صفات النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه، مثل كونه عبدا لله ورسوله ومتوكلا على الله، وليس بفاحش ولا غليظ. كما يشير إلى أهمية التوكل على الله والتعامل بالرفق واللين.

التعامل بالعفو والصفح في الإسلام

النص يحث على مقابلة الإساءة بالإحسان والتعامل بالعفو والصفح، مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. كما يشير إلى أن النبي كان يعفو ويصفح ولا يدفع السيئة بالسيئة.

تحريم التجسس واحترام الخصوصيات

النص ينهى عن التجسس على المسلمين ومراقبتهم، مشيرا إلى أهمية احترام خصوصيات الآخرين وعدم تتبع عوراتهم. هذا النهي يدل على قيمة الخصوصية في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «عذب المفرد» باب الانبساط إلى الناس، قال: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح بن سليمان، قال: حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمر بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه الموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفاحش ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئات السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتحوا بها أعينا عمياء وآذانا صما وقلوبا غلفا﴾. والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وفيه إخبار عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما بشيء من صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة. وعبد الله بن عمر كان كثيرا ما يحدث عن بني إسرائيل، وما يروى عن بني إسرائيل ويخبر عنه، فله ثلاثة أحوال: إما أن يكون في شرعنا ما يصدقه فيقبل، وإما أن يكون في شرعنا ما يدل على بطلانه فيرد، وإما أن يكون أو لا يكون فيه ما يدل على صدقه أو كذبه فيتوقف فيه لا يصدق ولا يكذب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وما أخبر به رضي الله تعالى عنه من صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة الموافقة لما في القرآن، فهو مما دل عليه القرآن. والكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى من التوراة والإنجيل هي مصدقة لما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ومخبرة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله جل وعلا: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى أو أثنى على من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب ممن صدق بما أخبر الله سبحانه وتعالى به في التوراة والإنجيل، فإنهم يجدون نعت النبي عليه الصلاة والسلام فيما أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم من كتب. ولهذا الذين صدقوا من أهل الكتاب فإنهم وفقوا للإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام، كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وغيره، حين صدق وآمن بما علم وقرأ في التوراة والإنجيل لما سمع بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام آمن به. والله أخبر بمقدم النبي عليه الصلاة والسلام، وإذ قال عيسى بن مريم: ﴿يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾. هذا شأن أولئك الكفرة من أهل الكتاب ممن لم يصدق، فلم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم أنه حق وأنه رسول الله وأن ما جاء به هو من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن أخذه الكبر فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. فالتوراة مصدقة لما في القرآن، فأخبر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن. ومن ذلك قوله: ﴿وحرزا للأميين﴾، ومعنى «حرز» أي حصنا حصينا للأميين، أي العرب. وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث في العرب، وهو منهم، فكان عليه الصلاة والسلام لهم حصنا حصينا. وكان كذلك مانعا لهم من دخول النار، إذ بعثه الله سبحانه وتعالى هداية للخلق، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وكذلك يهديهم إلى الصراط المستقيم. وليس معنى ذلك أنه أرسل إلى العرب خاصة، بل أرسل عليه الصلاة والسلام إلى سائر الخلق، أرسل إلى سائر الخلق: الجن والإنس، والعرب والعجم، فالكل يجب عليه أن يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، فرسالته عليه الصلاة والسلام رسالة عامة، كما قال جل وعلا: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ﴿وارسلناك للناس بشيرا ونذيرا﴾، ﴿وارسلناك للناس كافة بشيرا ونذيرا﴾. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في الصحيحين: «وكان الرجل أو كان النبي يبعث إلى قومي خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». وقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل لجميع الخلق، فلا ينافي ذلك كونه أرسله في العرب ومن العرب، ألا يكون أرسل إلى غيرهم. فكما أرسل موسى إلى بني إسرائيل، وعيسى كذلك، وكانت لغتهم بالعبرانية. أو لا ينافي ذلك أن يؤمن به من كان عنده ممن أرسل إليه، ولو كان يتكلم بغير لهجته. فالحق أن النبي عليه الصلاة والسلام رسول لجميع الخلق. قال: «أنت عبدي ورسولي»، أي هذا من صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة، أنه عبد الله ورسوله. فالنبي عليه الصلاة والسلام عبد من عباد الله، وبشر من البشر، فضله الله سبحانه وتعالى بالرسالة والنبوة، فهو عليه الصلاة والسلام عبد لله جل ورسول أرسله الله سبحانه وتعالى، فهو عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب. ويجب أن يكون المسلم على هذا الأمر، أن يكون وسطا بين الغالي والجافي. فمن الناس من غلا في النبي عليه الصلاة والسلام ورفعه فوق منزلته التي أنزل الله سبحانه وتعالى، فرفعه عن منزلة العبودية حتى جعله هو الرب وهو المتصرف، وجعل له من صفات الخالق سبحانه وتعالى، وهذا من الغلو والإطراء أو الإفراط الذي لا يجوز. ومنهم من جفى النبي عليه الصلاة والسلام وأنكر رسالته ونبوته، كالفلاسفة وغيرهم، الذين جعلوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام عبارة عن تخيل يتخيل أنه رسول وأنه نبي، ثم يتخيل أنه يوحى إليه، ثم يخيل له الجنة فيدعو إليها، ويخيل له النار فيحذر منها، إلى غير ذلك مما هو الكفر والضلال. والحق أن النبي عليه الصلاة والسلام عبد من عباد الله سبحانه وتعالى، كما قال الله جل وعلا: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾، وقال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾، وقال: ﴿إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ إلى آخر الآيات التي فيها الإخبار بأن النبي عليه الصلاة والسلام عبد من عباد الله، وفضله الله جل وعلا عن سائر العباد بالرسالة والنبوة. ﴿محمد رسول الله﴾، ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين. قال: «سميتك المتوكل»، ليس بفاحش ولا غليظ، فمن أسماء النبي عليه الصلاة والسلام «المتوكل»، ومعنى «المتوكل» أي أنه متوكل على الله سبحانه وتعالى، معتمد على الله عز وجل غاية الاعتماد. وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون متصفا بهذه الصفة، وأن يكون عنده هذا الإيمان العظيم وهو التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، أن تعتمد على الله جل وعلا في جلب النفع ودفع الضر بالأخذ بالأسباب الشرعية. وليكون هذا التوكل موجودا وحاصلا إلا بتوفر شروطه، وهو الاعتراف أو معرفة الله سبحانه وتعالى معرفة الله بأسماءه وصفاته وأفعاله، والاعتماد على الله جل وعلا، وكذلك الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعا. قال: «ليس بفاحش ولا غليظ»، أي من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بفاحش ولا غليظ، ليس من صفاته الغلظة والشدة والجفوة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى أن من صفات النبي عليه الصلاة والسلام عدم الغلظة، وأنه لو كان فظا غليظا لانفض الناس من حوله، أي لتركوه ومالوا عنه. فكان النبي عليه الصلاة والسلام رحيما رفيقا، كان هذا من صفة النبي عليه الصلاة والسلام الرحمة والشفقة وعدم الغلظة، وهذا شيء معروف في سيرته عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون للإنسان أن يكون رحيما شفيقا، ليس بالفظ والغليظ، فإن الذي يكون فظا غليظا ينفر الناس منه ولا يحبه الناس إذا كانت معاملته لهم بالشدة والقسوة والغلظة، فإن الناس يتركونه، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ لتركوك. الإنسان يحب من الآخر أن يشفق عليه، أن يرحمه، أن يعامله بالمعاملة الحسنة التي يحب أن يعامل بها. أنت ما تحب أحدا أن يعاملك بالشدة والقسوة والغلظة، فكذلك عامل الناس، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. إذا كنت تحب لنفسك أن لا تعامل بهذه المعاملة من الغلظة والشدة، فكذلك عامل الآخرين، عاملهم بالرفق واللين والرحمة، ولا تعاملهم بالغلظة والشدة إلا في بعض المواضع، فلا بأس في بعض المواضع أحيانا يحتاج الإنسان أن يشد شيئا، أن يستعمل شيئا من الشدة ويرى الناس لعملها أصلح. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين أطال بالناس بصلاة العشاء: «التفت يا معاذ». وحين قال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية، إن عيرت رجلا بأمه». ونحو ذلك مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لم يكن عليه الصلاة والسلام على ذلك الوصف وذلك الخلق، وهو الغلظة والشدة. قال: «ولا صخاب في الأسواق»، كذلك لم يكن عليه الصلاة والسلام صخابا في الأسواق، يعني ممن يصيح ويرفع صوته في الأسواق، ما كان ذلك من خلقه عليه الصلاة والسلام. فإن الأسواق هي مواضع الشيطان، وما يريده الشيطان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة أو حديث سلمان في مسلم: «أحب المواضع أو البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها». فالأسواق من أبغض المواضع إلى الله سبحانه وتعالى. فلهذا إذا دخل الإنسان السوق فإنه يقضي حاجته ويخرج، ولا يبقى فيه إلا لحاجة. وإذا دخله كذلك لا يكون صخابا يصيح ويرفع صوته، فليس هذا من الخلق الحسن. قال: ﴿ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر﴾، أي كان من شأن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يدفع السيئة بالسيئة، إذا أساء إليه أحد فإنه لا يقابله بالسيئة، بل يقابله بالعفو والصفح، يقابله بالعفو والصفح والمغفرة، ولا يدفع بالسيئة السيئة. وهذا كثير في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. رميته الأعرابي فيأخذ برداء النبي عليه الصلاة والسلام ويشده حتى يؤثر على كتفيه ويقول: أعطني من مال الله الذي عندك، فيلتفت عليه النبي عليه الصلاة والسلام ويبتسم في وجهه ويأمر له بالعطاء، ولا يقابل هذه السيئة بالسيئة. وهكذا كثير من ذلك مما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه كان لا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر. وهذا أدب ينبغي أن يكون عليه المسلم، لا يقابل السيئة بالسيئة، بل يقابل السيئة بالإحسان، ويكون من خلقه العفو والصفح لمن أساء إليه وأخطأ عليه. والله جل وعلا يقول: ﴿فمن عفا وأصلح فأجاءه على الله﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾. ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾، ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. هذا حث من الله سبحانه وتعالى على العفو والصفح ومقابلة السيئة بالإحسان، وتنال بذلك الأجر، تنال الأجر من الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتحوا بها أعينا عمياء وآذانا صما وقلوبا غلفا﴾، أي لن يقبض الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام حتى يقيم به الملة العوجاء. والملة العوجاء هي ملة الكفر، يقيمها إلى التوحيد بإفراد العباد لله سبحانه وتعالى وحده بأن يقولوا: «لا إله إلا الله». وهذا الذي وقع، كما جاء هذا الوصف في التوراة، وجاء تصديقه كذلك في القرآن، وهو الذي وقع. فلم يقبض الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام حتى أقام به هذا الدين، وانتشر دين الإسلام، وفتحت البلاد، ودخل الناس ودخل الناس في دين الله أفواجا. قال: «بأن يقولوا لا إله إلا الله»، أي يوحد الله سبحانه وتعالى بأن لا يعبد إلا الله جل وعلا وحده. ﴿ويفتح بها أعينا عمياء﴾، يعني يفتح بكلمة التوحيد أعينا عمياء عن الحق، تبصر لكنها عمياء عن الحق لا تبصر الحق. ﴿وآذانا صما﴾، يعني كذلك عن الحق، تسمع لكنها لا تسمع الحق، فتوفق إلى سماع الحق. وكذلك ﴿وقلوبا غلفا﴾، قلوبا غلفا بما فيها مما هو الكفر والضلال، فتنشرح هذه القلوب لهذا الدين، ولهذه الرسالة التي بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي وقع، فكان هذا من صفات النبي عليه الصلاة والسلام. والشاهد منه هو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن فظا ولا غليظا، بل كان من خلقه الانبساط إلى الناس، والتواضع، وخفض الجناح، والرحمة، والشفقة، وما كان فظا ولا غليظا. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن أبي هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمر، قال: «إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ في التوراة نحوه». والحديث كما مر صحيح. قال: حدثنا إسحاق بن العلاء، قال: حدثنا عمر بن الحارث، قال: حدثني عبد الله بن سالم الأشعري عن محمد - هو بن الوليد الزبيدي - عن ابن جابر، وهو يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، حدثه أن أباه حدثه أنه سمع معاوية يقول: سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كلاما نفعني الله به، سمعته يقول - أو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -: «إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم، فإني لا أتبع الريبة فيهم فأفسدهم». والحديث صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث بوب عليه الإمام أبو داود رحمه الله في سننه: «باب في النهي عن التجسس»، وفيه أن معاوية رضي الله تعالى عنه - ومعاوية بن أبي سفيان - سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم»، أي أنك إذا تتبعت عيوب الناس واتهمتهم، وكذلك أيضا ظننت بهم ظن السوء، كان ذلك سببا في إفسادهم. فربما تظهر شيئا كان مستورا، وربما كان فيه ذلك الشيء، لكن كان من الواجب أن تنصحه فيما بينك وبينه، ولا تظهر ذلك علانية، فيكون سببا في عدم مبالاته بهذا الفعل، فيعمله جهرا، ويكون ذلك سببا في إفساده. وكذلك أيضا أن هذا فيه سوء الظن الذي ينبغي أن يجتنبه المسلم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». فاتباع عورات الناس وتتبع ذلك من سوء الظن بهم، وهو كذلك من التجسس المنهي عنه. وتقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في مسلم: «ولا تجسسوا ولا تحسسوا، لا تتجسس على إخوانك، تتبع عوراتهم وتنظر فيما يصدر منهم أو يقع منهم». ونقبل إن شاء الله الكلام لهذا الحديث في درس آخر، والله تعالى أعلم.