التعليقات على كتاب الأدب المفرد 72

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث 'نعم المال الصالح للمرء الصالح'

يشرح المقطع حديث 'نعم المال الصالح للمرء الصالح' ويبين فضل المال الصالح للشخص الصالح. يُفصّل الشرح معاني الحديث وأهمية شكر الله على النعم.

نعم الأمن والعافية وفضلها

النص يحث على تقدير نعم الله من أمن وعافية في الجسد ورزق، ويشير إلى أهمية النظر لمن هو دونك لادراك قيمة هذه النعم. يبين أن من حصل على الأمن والعافية وطعام يومه فقد حصل على خير الدنيا.

أهمية التقوى في التعامل مع النعم

الغنى والصحة نعم عظيمة، ولكنها تكون خيرًا لمن اتقى الله سبحانه وتعالى واستغلها في طاعته. التقوى هي المقياس الحقيقي لاستفادة الإنسان من هذه النعم وتجعل النفس طيبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: وقد وقفنا عند حديث عمر بن العاص في قول النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو: «نعم المال الصالح للمرء الصالح»، وذكرنا أنه ليس من العيب ولا من النقص أن يكون للمرء مال يقتنيه وينتفع به. وكذلك يكف وجهه عن الناس به إذا كان هذا المال مالًا حلالًا، فهو نعم المال. «نعم المال الصالح للمرء الصالح»، هذا القسم الثاني من منطوق هذا الحديث أنه إذا كان الشرط صالحًا فنعم له هذا المال الصالح. وأما إذا كان المرء سيئًا، وهو مفهوم المخالفة، فهو بئس المال. فهو بئس المال إذا كان فاسدًا وعاصيًا أو مذنبًا، فهذا المال حجْر عليه ويكون كذلك نغمة عليه؛ لأنه سيسأل عنه يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتُسْأَلُونَ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. فإذا كان المرء غير صالح فإنه سيستعمل المال في الحرام، يستعمله في الحرام إما بشراء المحرمات، سواء كان مما يوكل كالقات أو السجائر أو غير ذلك، أو كان مما يستعمل كأجهزة الإعلام، سواء كانت مرئية أو سمعية، فهو كذلك سيؤثم على هذا المال. أو ربما وضعه في غير موضعه أو أسرف وبذر، فكل ذلك محسوب عليه. فلهذا لا بد من صلاح المال مع صلاح المرء، به يكمل النعيم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للمرء الصالح». قال رحمه الله: باب من أصبح آمنًا في سربه. قال: حدثنا بشر بن مرحوم، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن أبي شميلة الأنصاري القبائي، عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». وهذا الحديث في سنده ضعف، فسلمة بن عبيد الله بن محصن أو ابن محصن ضعيف، قال الحافظ: فيه مجهول. لكن الحديث حسن بمجموع الطرق، فقد جاء من حديث ابن عمر، ومن حديث علي، ومن حديث أبي الدرداء، إلا أنها كذلك ضعيفة، ولا يصلح للشواهد منها إلا حديث ابن عمر، وبه يرتقي إلى الحسن. ولهذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله، وقد ذكر ذلك في الصحيحة. وفي هذا الحديث إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر العظيم لمن حصل له بأنه قد كمل له الخير في الدنيا. «من أصبح آمنًا في سربه»، والمراد في سربه: قيل في نفسه، وقيل في أهله وعياله، وقيل أنه قرأ بفتح السين في سربه، أي في سلوكه أو في طريقه، يكون آمنًا في طريقه. المهم المراد حصول الأمن له، سواء كان في بيته، فهو آمن، ليس هناك شيء يفزعه، ولا شيء ينكد عليه حياته ومعيشته، آمن بينه وبين أهله وأولاده. «من أصبح آمنًا في سربه، معافى في جسده»، يعني سالمًا من الأسقام والأمراض والأوجاع، فهو صحيح الجسد، آتاه الله سبحانه وتعالى العافية. «عنده طعام يومه»، أي عنده ما يأكله في هذا اليوم. «فكأنما حيزت له الدنيا»، أي كأنما جمعت له الدنيا، وكأنه قد حصل على هذه الدنيا وما فيها. انظر إلى هذه الأمور العظيمة التي ربما لا ينتبه لها كثير من المسلمين، وربما كذلك أهملوا شكرها. الأمن في المسكن وبين الأهل والأولاد، هذه نعمة عظيمة. نعمة عظيمة لو نظر الناظر في من فقد هذه النعمة لعلم عظم هذه النعمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه. انظر إلى من صار في خوف وهلع وفزع، لا يشعر بأمن ولا بأمان، وهو في بيته، إما لضعف الدين أو كذلك لحصول شيء من الفتن والحروب والقتال، فيبقى في بيته وهو في غاية من الخوف، ما يدري إلا ربما هجم عليه الأعداء أو أتته قذيفة أو شيء من ذلك. وأنت قد أمنك الله سبحانه وتعالى في سربك، في أمان واطمئنان وراحة، فانظر إلى هذه النعمة العظيمة. أليست هذه نعمة تساوي ما في الدنيا أن تكون آمنًا في مكانك وفي سربك؟ وهكذا تدعى ذلك المعافاة في الجسد، الصحيح السليم من الأمراض والأوجاع، وهذه كذلك نعمة عظيمة إذا فقدتها، فإنك تعلم عظم هذه النعمة إذا ابتليت بشيء من الأمراض، تتذكر ما كنت فيه من العافية، وتعلم عظم النعمة التي كنت عليها. أو تنظر إلى من ابتلاه الله سبحانه وتعالى بأنواع من الأمراض والأسقام، فتعلم أنك في نعمة عظيمة أن عافاك الله سبحانه وتعالى منها. فالمعافاة في الجسد نعمة عظيمة. وهكذا إذا كان من أسدى الله سبحانه وتعالى إليك نعمة الأمن والعافية، فأنت في خير عظيم، عليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى وأن تشكر الله سبحانه وتعالى على ذلك. وانظر إلى من لم يجد أو من لا يجد طعام يومه، وأنت الحمد لله قد أتاك الله سبحانه وتعالى طعام يومك. ربما ذاك الذي لا يجد يمد يده للناس أو ربما ذهب إلى مواضع القمامات ونحو ذلك. وأنت قد أنعم الله سبحانه وتعالى عليك بهذه النعمة. ولا تنظر إلى من هو فوقك، بل انظر إلى من هو دونك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تنظروا إلى من هو فوقكم، بل انظروا إلى من هو أسفل منكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». الذي ينظر إلى من هو فوقه فإنه يحتقر النعمة التي هو عليها. قال رحمه الله: باب طيب النفس. قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن عبد الله بن سليمان بن أبي سلامة الأسلمي، أنه سمع معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني يحدث عن أبيه عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وعليه أثر غسل، وهو طيب النفس، فظننا أنه ألم بأهله، فقلنا: يا رسول الله، نراك طيب النفس، قال: أجل، والحمد لله. ثم ذكر الغناء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعم». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث ظاهر لما ترجم له الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب طيب النفس. فذكر هذا الحديث. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج عليهم وعليه أثر غسل، أي أنه اغتسل قريبًا، وظهر عليه أثر الغسل، إما بتقطر الماء ونحو ذلك. وهو طيب النفس، يعني يرونه منشرح الصدر وفي راحة وطمانينة، وهذا شيء ربما يشعر به الإنسان ويعلم إذا رآه في غيره. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نراك طيب النفس»، قال: «أجل، والحمد لله»، أي أنه عليه الصلاة والسلام طيب النفس. ثم ذكر الغناء، وجاء في بعض الروايات أنهم خاضوا في ذكر الغناء، أي الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى»، لا بأس بالغنى لمن اتقى الله سبحانه وتعالى، ففعل أوامره وترك نواهيه، لا بأس له بالغناء، أي لا مانع ولا عيب أن يكون غنيًا. وليس في ذلك مضر عليه ما دام أنه متقي، ما دام أنه متقي، فإنه سينتفع بهذا المال، سينفقه في وجوه الخير ويتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. فلا بأس بالغناء لمن اتقى. وقوله: «لمن اتقى»، مفهومه أنه إن لم يكن ممن اتقى، فإنه فيه بأس. فإن الغناء فيه بأس، بل ربما كان هلاكًا لصاحبه. كان الغناء سببًا لهلاكه إذا لم يتق الله سبحانه وتعالى في هذا المال. وهذا هو الغالب أن أصحاب الأموال إن لم يتقوا الله سبحانه وتعالى، فإنهم يكون المال سببًا لهلاكهم، فيقعون في الكبر والعجب والخيلاء بسبب الغنى. وهكذا ربما ارتكبوا كثيرًا من المحرمات، ارتكبوا كثيرًا من المحرمات بسبب ما عندهم من أموال، فيشترون ما يريدون ويفعلون ما يشاؤون، ولا يبالون؛ لأنه ليس عندهم تقوى تمنعهم من فعل الحرام ومن شراء الحرام ومن وضع المال في الحرام. وهكذا ربما أرادوا الزيادة فتعاملوا بالمعاملات الربوية، وهكذا في المعاملات المحرمة؛ لأنه ليس عندهم تقوى تمنعهم. وهكذا ربما أسرفوا وبذرًا، فكان المال سببًا في هلاكهم. كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن قارون الذي آتاه الله سبحانه وتعالى ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فكان مصيره الهلاك. وهكذا فرعون الذي كان يقول: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي»، فافتخر بما معه من أموال، وكان مصيره الهلاك. وهكذا كل من أوتي مالًا ولم يتق الله سبحانه وتعالى، فمصيره الهلاك. فلهذا لا بد مع حصول الغنى من حصول التقوى، فهذا لا بأس به. أن يتحصل المرء على المال مع تقوى الله سبحانه وتعالى. «إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى». الصحة لمن اتقى خير من الغنى، أي العافية والصحة والسلامة من الأسقام والأمراض خير من الغنى كذلك لمن اتقى؛ لأن الذي يتقي ويؤتيه الله سبحانه وتعالى العافية، فإنه يستغلها في طاعة الله سبحانه وتعالى، ويتقرب بها إلى الله جل وعلا في الطاعات من عبادة وصلاة وصيام وقراءة قرآن وذكر وغير ذلك من العبادات والطاعات. بخلاف من لم يتق، فإنه ربما تكون عنده الصحة والعافية، ولكنه يصرفها في الحرام، إما في لعب الكرة، أو ربما أضاعوها في النظر إلى شاشات التلفاز والنظر إلى الأفلام والمسلسلات، فضاعت عليهم هذه الصحة بلا فائدة. ربما تسببوا في ذهابها وزوالها أو في ضعفها. وهكذا ربما عندهم صحة وعافية، فضيعوها في السهر وأكل القات والتخزين إلى آخر ذلك من المعاصي والذنوب. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «والصحة لمن اتقى خير من الغنى». ربما تكون غنيًا وما عندك الصحة، فلا تنتفع بغناك. كم من الأغنياء الذين عندهم من الأموال ما لا يعلمه إلا الله، وتجده قد ابتلي بالأمراض والأمراض العظيمة، فمنعته من أن يتلذذ وأن يتمتع بهذا المال. ربما عنده أمراض منعته من أكل اللحم ومن أكل الدهنيات ومن أكل السكريات إلى آخر ذلك، فلم ينتفع بهذا المال. ولن ينتفع بهذا الغنى ربما يتمنى أن يكون صحيحًا وهو فقير، أن يكون صحيحًا وليس عنده هذا الغنى حتى يتمتع بهذه المباحات، فهو منع منها مع غنى. وربما ذهب هذا الغنى في استخدام الأدوية والعلاجات، ذهب هذا المال في العلاج وطلب الشفاء. فلهذا الصحة لمن اتقى خير من الغنى. «وطيب النفس من النعم»، أي انشراح الصدر وراحة القلب، فهذه نعمة عظيمة. فالإنسان إذا وجد ذلك في نفسه، فإنه يجد أنه في نعمة عظيمة، بخلاف ما لو كان قلقًا وفي هموم، فإنه يجد ضيقًا وحرجًا لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى. فلهذا كان طيب النفس من النعم، وله أسباب إذا حرص عليها المرء حصلت له طيب النفس، من إقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى، وكذلك الصلاة والحرص عليها بصلاتها بخشوع وتدبر، وهكذا قراءة القرآن وتدبره، وهكذا حضور مجالس العلم إلى آخر ذلك من الطاعات الكثيرة التي تحصل بها طيب النفس. والله تعالى أعلم.