التعليقات على كتاب الأدب المفرد 196

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 196، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام الدعاء على الظالم

ذكر الإمام البخاري رحمه الله حديثين ضعيفين عن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلقان بالدعاء على الظالم، ويجوز للإنسان أن يدعو على من ظلمه إذا اعتدى عليه في مال أو دم أو عرض.

دعاء النبي لصحة السمع والبصر

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يمتعه بسمعه وبصره صحيحتين وأن يستخدمهما في طاعة الله، وينبغي للمسلم شكر الله على هذه النعم وتسخيرها في الخير.

عواقب الظلم وجواز الدعاء على الظالم

الظلم له عواقب وخيمة وقد يؤدي إلى عقوبة في الدنيا أو الآخرة، ودعوة المظلوم مستجابة وقد تصل مباشرة إلى الله سبحانه وتعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب دعاء الرجل على من ظلمه. قال: حدثنا الحسن بن الربيع، وهو الحسن بن الربيع بن سليمان، أبو علي الكوفي، وثقه أبو حاتم وغيره، وهو أوثق أصحاب عبد الله بن إدريس، وكان لا يستطيع أن ينظر إلى السماء. قال أبو حاتم: كنت أحسب أنه مكسور العنق، فقيل لي بعد: إنه كان لا ينظر إلى السماء، يعني مصاب بشيء في رقبته، فلا يستطيع أن يرفع رأسه إلى الأعلى. قال: حدثنا ابن إدريس، وهو عبد الله بن إدريس، أبو محمد الكوفي، قال: عن ليث، وهو من أبي سليم، وليث من أبي سليم مختلط. قال الإمام أحمد رحمه الله، وأبو زرعة، وأبو حاتم: مضطرب الحديث، ذكروا أنه اختلط، حتى إنه كان يصعد المنارة في وسط النهار فيؤذن. قال: عن محارب بن ديثار، ومحارب بن ديثار هو أمن كردوس السدوسي، وهو ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، عن جابر، وهو ابن عبد الله بن حرام، رضي الله تعالى عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أصلح لي سمعي وبصري، واجعلهم الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني، وأرني منه ثأري». والحديث بهذا الإسناد ضعيف بسبب ضعف ليث بن أبي سليم، لكنه حسن في الشواهد. قال: وحدثنا موسى، وهو موسى بن إسماعيل المنقري، أبو سلمة التبوذكي، وهو ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أبو سلمة، وهو كذلك من الثقات، وهو أثبت الناس في ثابت، قال: عن محمد بن عمر، وهو محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو حسن الحديث، قال: عن أبي سلمة، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو مشهور بكنيته، وقيل: اسمه كنيته، أي أبو سلمة، وهو ثقة إمام، كما قال أبو زرعة رحمه الله، قال: عن أبي هريرة، وهو أبو هريرة مشهور بكنيته، ومختلف في اسمه، ومن أشهر أسمائه عبد الرحمن، مصخر، وهو حافظ الصحابة، رضي الله تعالى عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهم الوارث مني، وانصرني على عدوي، وأرني منه ثأري». أورد الإمام البخاري رحمه الله هذين الحديثين في هذا الباب الذي بوب له بقوله: «دعاء الرجل على من ظلمه»، أي يجوز أن يدعو الإنسان على من ظلمه واعتدى عليه وبغى عليه، فذكر هذين الحديثين: حديث جابر، وحديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنهما، في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني»، أي متعني بهذين أو هاتين الجارحتين: السمع والبصر، وذلك أن يجعلهما الله سبحانه وتعالى صحيحتين سليمتين من الآفات، فيسمع بأذنه، ويبصر بعينه، ولا يضعف السمع والبصر، ولو كان عند الكبر، وذلك أن غالب الإنسان إذا كبر في السن أن جوارحه تضعف، كما يضعف سائر جسده، ومن ذلك السمع والبصر. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء أن يمتعه الله سبحانه وتعالى بسمعه وبصره، ومنه كذلك أن يستخدمهما في طاعة الله سبحانه وتعالى، أن تستخدم السمع والبصر فيما يرضي الله عز وجل، فلا تسمع إلا ما يحب الله من الخير، تسمع كلام الله عز وجل، تسمع العلم، تسمع الذكر، إلى آخر ذلك من الخير، فهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى وإنعامه على العبد. وهكذا أيضا في البصر أنك تبصر الخلق وتنظر في عظيم مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فيحصل لك في ذلك التفكر والنظر في عجائب صنع الله سبحانه وتعالى التي تزيد في إيمان العبد، وكذلك أيضا تقوي في قلبك اليقين بما وعظ الله سبحانه وتعالى أو بما أخبر الله عز وجل من آياته الشرعية والكونية، فإن ذلك من الامتاع بالسمع والبصر، وهاتان نعمتان عظيمتان ينبغي للمسلم أن يشكر الله سبحانه وتعالى عليهما. ومن شكر هذه النعمة تسخيرها في طاعة الله عز وجل، أنك لا تسمع إلا ما يحب الله، فتجعل سمعك في المعاصي، تسمع الغناء والطرب، أو كذلك تسمع السب والشتم والغيبة، إلى آخر ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، فإنك مسؤول عن هذه الجارحة يوم القيامة، وتسأل يوم القيامة عن كل صغيرة وكبيرة. وانظر إلى من حرم هذه النعمة، نعمة السمع، فيبقى طول حياته وهو أصم لا يسمع شيئا، لا يسمع أصوات الناس، ولا يسمع أصوات الحيوانات، ولا يميز بين شيء من الأصوات لأنه لا يسمعها، بل لا يسمع حتى الخير، محروم من سماع الذكر وسماع القرآن، فقد فقد هذه النعمة العظيمة التي بها يتوصل إلى الهدى والإيمان، وذلك عن طريق السمع. وإذا فقد السمع فقد نعمة الكلام، فغالب من يكون أصم يكون أبكم ما يتكلم، لأن الكلام يكون من طريق السمع بما يسمعه من الأصوات والكلمات فيتكلم بها، فإذا كان لا يسمع فتجده لا يتكلم، فيحرم من هاتين النعمتين. وهكذا أيضا نعمة البصر، فالذي يفقد هذه النعمة يعلم مدى عظيم هذه النعمة، فالأعمى الذي لا يبصر لا يرى شيئا، يبقى طول حياته وهو في ظلمة، فقد هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليك، فينبغي أن تشكر الله سبحانه وتعالى عليها وتسخرها في طاعة الله وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. فلا تجعل بصرك فيما حرم الله عز وجل من النظر إلى النساء الكاسيات العاريات في الأفلام والمسلسلات، وفي غيرها من وسائل الإعلام المرئية أو المقروءة، فإن ذلك من كفران هذه النعمة. قال: «وانصرني على عدوي وأرني منه ثأري»، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل أن ينصره على عدوه، يعني على أعداء هذا الدين من الكفار والمشركين، وأن يريه سبحانه وتعالى ثأره منهم بأن يهلكهم، فهذا معنى قوله: «وأرني منه ثأري»، أي هلاكهم وتعجيل العقوبة عليهم. وفي هذا جواز أن يدعو المظلوم على من ظلمه، إذا بغى إنسان على شخص واعتدى عليه وبغى عليه في مال أو في دم أو في عرض، فيجوز أن يدعو عليه مثل هذا الدعاء: «اللهم انصرني على من ظلمني، اللهم انتقم ممن ظلمني، أو جازيه بما يستحق»، أو نحو ذلك من الدعاء، هذا جائز. وإن كان الأصل أن المسلم لا يجوز أن يدعو على أخيه المسلم، لكن لما كان هذا معتدي وظالم جاز له أن يدعو عليه، كما أنه يجوز للمسلم إذا اعتدى إنسان عليه بسب مثلا أو شتم أن يرده عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. الله لا يحب الجهر بالسوء من الأقوال كالسب والشتم، لكن يظلم الإنسان بأن اعتدى عليه شخص فسبه أو شتمه، جاز له أن يرد هذا السب والشتم، والإثم على الأول، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المتسابان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم»، يعني الإثم يكون على البادئ الذي بدأ بالسب، فإذا رد عليه المظلوم بنحو ما سب فليس عليه إثم لأنه مظلوم ومعتدى عليه، فالإثم على البادئ الذي بدأ بالسب ما لم يعتد. فإذا اعتد هذا المظلوم وزاد فوق ما بدأ به الظالم شاركه في الإثم، وهذا من تمام العدل التي قامت عليه هذه الشريعة العظيمة. وكذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُو خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. إرجاع العقوبة بمثل ما عوقب بها الإنسان هذا مما أجازه الشرع وليس عليه إثم، بل الإثم على المباشر والبادئ، وإن عفى وأصلح فهو أفضل وأكمل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. فليست الحسنة كالسيئة، فمقابلة السيئة بالحسنة هذا هو الأفضل وهذا هو الأحسن، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، أي تصبح هذه العداوة بسبب مقابلتها بالإحسان سبب لتأليف هذا المعتدي، فيكون بعد عداوته لك ولي حميم، تذهب عداوته وتذهب بغضه الذي كان عليك بسبب إحسانك إليه، فهذا هو الأحسن. ومع ذلك لو قابله بمثل ما فعل فهو جائز، فهو جائز وليس عليه إثم، لكن هذا من باب التفضل ومن باب الإحسان. وهكذا كما قلنا يجوز للإنسان أن يدعو على من ظلمه بأن الله عز وجل ينصره عليه وأن الله سبحانه وتعالى ينتقم منه ونحو ذلك من الدعاء عليه. والظلم كما هو معلوم عاقبته وخيمة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله ليمل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فينبغي للظالم أن يتق الله سبحانه وتعالى وأن يعلم أن الله عز وجل يراقبه وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسبه في الدنيا أو في الآخرة، ربما تعجل له العقوبة في الدنيا بسبب دعوة المظلوم، ودعوة المظلوم مستجابة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، أي تصل مباشرة إلى الله سبحانه وتعالى، فربما يستجيب الله سبحانه وتعالى لهذا المظلوم فيعجل العقوبة لهذا الظالم. فينبغي للمسلم أن يحذر من الظلم ومن عواقبه. والله تعالى أعلم.