الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 32، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور وصف عمامة النبي صلى الله عليه وسلم وأنواع لبسها كالتحنيك والتخليق، بالإضافة إلى صفة إزاره وردائه. كما يذكر حديث عائشة رضي الله عنها عن ثوبي الوفاة اللذين كانا إزاراً غليظاً وكساء ملبّداً.
يصف المحور ثوب النبي بأنه كان غليظاً ساتراً، ويروي أمره برفع الإزار إلى نصف الساق بقوله: «ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى». ويبين أن إسبال الإزار من الكبائر، مع الإشارة إلى ضعف سند حديث عمة الأشعث بن سليم.
يحرم إسبال الإزار أسفل الكعبين لخيلاء أو عادة، وقد توعد النبي المسبل بالعذاب الأليم، وحدد موضع الإزار بنصف الساق ورخص إلى فوق الكعبين. ويذكر قصة عمر بن الخطاب مع شاب أسبل إزاره، وتحذير العلماء من التساهل المعاصر في طول الثياب.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء بالنفع بالعلم والعمل الصالح، والصلاة على النبي محمد وآله. ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول باب من أبواب شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما هو هذا الباب يا أبا إبراهيم؟ ما جاء في عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب ما جاء في عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبيّن المصنف رحمه الله تعالى ما يتعلق بصفة هذه العمامة، وهكذا لونها، وهكذا غيرها من الجوانب المتعلقة بالعمامة. والعمائم كان العرب يهتمون بلبسها ويتزينون بذلك، بل كانوا يسمونها تيجان العرب. والأصل في هذه الألبسة هو الحل والإباحة، ما لم يأتِ النهي عن نوع منها في شرعنا. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس العمامة؛ أحياناً يلبسها لوحدها مجردة، وأحياناً يلبس تحتها القلنسوة، وأحياناً كما ذكر ابن القيم وغيره يلبس القلنسوة بدون العمامة. كما أنه عليه الصلاة والسلام كان أحياناً يرخي للعمامة ذؤابة، أن يجعل لها طرفاً بين كتفيه، وأحياناً يلبسها بدون ذؤابة. ولبس العمامة هذه من الأمور التي يتزين بها المسلم، وينبغي أن يحرص عليها المسلم. قال رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في صفة إزاري رسول الله صلى الله عليه وسلم». باب ما جاء في صفة إزاري رسول الله صلى الله عليه وسلم. والإزار: ما يلف على الجزء الأسفل من البدن، فيكون ساتراً له، كهذه المعاوز التي تلبس، فهذه تسمى إزاراً. ويقابلها الرداء، والرداء هو ما يستر به الجزء الأعلى من البدن، فيوضع غالباً على الكتفين. ولبس الإزار والرداء هو من اللباس الذي تلبسه العرب، وكان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يلبسه. فالمجتمع الذي هو فيه قد اعتاد على لبس الإزار ولبس الرداء. ومر معنا أيضاً في أبواب سابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس القميص، وكان أحب اللباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو القميص، كما جاء في حديث أم سلمة وغيره: «أحب اللباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو القميص». فهذا أيضاً من ألبسته صلى الله عليه وسلم، كان يلبس القميص، ويلبس أحياناً الإزار مع الرداء. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المشهور بابن علية، وهو إمام. وابنه إبراهيم معتزلي جُعد، فلا يخلط بين الابن والأب؛ الأب إمام في السنة وإمام في الحديث، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية، وعلية هي أمه، وكان يغضب لذلك، ويرى أن من نسبه إلى أمه فقد وقع في غيبته، لكن قد عرف بذلك، فيقال: ابن علية من باب التعريف. وابنه كما سبق إبراهيم بن إسماعيل هذا معتزلي جُعد. قال: حدثنا أيوب، وأيوب هو ابن أبي تميمة السختياني، والسختياني هذه نسبة لصناعة ودباغة الجلود. قال: عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: أخرجت إلينا عائشة كساء ملبّداً وإزاراً غليظاً، فقالت: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين». قالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين. أي أنه فارق الدنيا وهو لابس لهذين اللباسين: إزار غليظ، وهكذا كساء ملبّد. وهذا الحديث أصله في الصحيحين، في البخاري ومسلم. وقول أبي بردة: «أخرجت إلينا عائشة كساء»؛ الكساء المقصود به القطعة من القماش، قطعة من القماش، وليس مخيطاً، فهذا يعتبر رداء يكسى به ويغطى به أعلى البدن، مثل الشال الذي يلبس ونحو ذلك. قال: «كساء ملبّداً»، ومعنى ملبّداً: قيل مرقّعاً، وقيل: الملبّد الذي ثُخّن، أي أصبح غليظاً في وسطه، فصار غليظاً سميكاً. قال: «وإزاراً غليظاً»، أي أن الإزار الذي يستر به أسفل البدن كان غليظاً سميكاً. وكلما كان الإزار غليظاً كلما كان أستر، لأنه إذا رق فلربما أبان وأظهر شيئاً من ملامح العورة. والصحابة يا إخوان، رضوان الله تعالى عنهم، كان كثير منهم فقيراً، حتى أنهم كانوا لربما إذا جلسوا في مجالس العلم يستر أحدهم بمن أمامه من العري، يستر بالذي أمامه لكي لا تظهر عورته. وهكذا في قصة عمر بن سلمة لما صلى بقومه، وكان صغيراً في السن، لكنه كان أحفظهم، فكان يصلي بهم، الرجال خلفه والنساء من ورائهم، فكان ثوبه قصيراً، فنظرت امرأة من الخلف فرأت أن الثوب قصيراً، فصاحت قائلة: «غطوا عنا است إمامكم، غطوا عورة إمامكم». قال: فاشتروا لي ثوباً، اشتروا للإمام الصغير هذا ثوباً، ففرح به أيما فرح. قال رحمه الله تعالى: وذكرت أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها أن هذين الثوبين، الإزار والرداء، هما الذين قبض فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما قبض عليه الصلاة والسلام، وأرادوا تغسيله، تشاوروا فيما بينهم: هل يجردونه من ثيابه كما يجردون موتاهم، أم يغسلونه وهو في ثيابه؟ فأغشيهم شيء من النعاس ونحوه، وإذا بمناد ينادي: «أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبيه». فغسل وعليه ثيابه صلى الله عليه وسلم، ثم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية، أي أنها مما نُسجت وأُخيطت مما نُسج في بلاد السحول من أرض اليمن. قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الأشعث بن سليم، قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها. عمته هي تسمى رهم بنت الأسود، ورهم بنت الأسود هذه عمته، قال العلماء عنها: أنها لا تعرف، ومعنى لا تعرف: أي أنها مجهولة. ومن فوائد شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى كان يذكر أن معظم النساء اللاتي يردن في الأسانيد أكثرهن مجهولات، ويوجد منهن بعض النساء المعروفات، وهكذا من الثقات من المحدثات، لكن الأكثر أنهن مجهولات. ومن نظر في كتب التراجم كالتقريب أو التهذيب أو غيره يرى صحة ذلك. قال: «سمعت عمتي»، وهي كما سبق لا تعرف، فهي علة هذا الحديث. «تحدث عن عمها»، وعمها هو عبيد الله بن خالد المحاربي رضي الله تعالى عنه، صحابي جليل. قال: «بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى». في بعض الروايات: «فإنه أتقى وأنقى». ولاحظوا قوله: «أتقى»، أي أتقى لربك، فلا تتعرض لمخالفة الأمر الشرعي، ولا كذلك تقع في المعصية. «وأبقى»، أي أبقى لثوبك، يبقى معك ويدوم. «وأنقى»، أي أنه يبقى نظيفاً، فإن الثوب إذا نزل ومسّ الأرض أصابه من ترابها وأوساخها وغير ذلك. قال: «ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى». قال: «فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم». فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة مُلحا. والغالب يا إخوان على الأزر وهذه البرود التي تلبس أنها تسترخي، يحتاج من صاحبها أن يتعاهدها فيشدها. قال: «أليس لك فيّ أسوة؟» قال: فنظرت، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. وهذا الحديث ضعفه بعضهم بسبب ما سبق من أن عمة الأشعث بن سليم لا تعرف. قال رحمه الله تعالى: لكن المعنى صحيح، فإزار النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى نصف الساق، وكان يعمر الناس بذلك، كما جاء في حديث ابن عمر وغيره: «إزار المسلم إلى نصف ساقه، فإن نزل فإلى الكعبين، وما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»، أي صاحبه يعذب بالنار. والإسبال يا إخوان يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ذر: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». أربع عقوبات يضاف إليها عقوبة. قال أبو ذر: «خابوا وخسروا يا رسول الله، من هم؟» قال عليه الصلاة والسلام: «المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». فهذا يدل على أن هذا الفعل يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، ويزداد جرماً إذا كان يسبل إزاره من باب الخيلاء، ومن باب كذلك التفاخر والتكبر، فذلك يعتبر أعظم، ويعتبر أشد إثماً. زد على ذلك أنه ليس يليق بالمسلم، ولا يليق بالرجل أن يمشي وقد أسبل إزاره. وقد جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه رأى شاباً قد أسبل إزاره، فدعاه عمر، فلما أقبل الشاب سأله عمر: «أحائض أنت؟» استغرب الشاب: كيف حائض وأنا رجل، والحيض إنما هو للنساء؟ قال: «أحائض؟» قال: لا، كيف يا أمير المؤمنين؟ قال: «رأيتك أسبلت إزارك»، يعني الذي يفعل هذا أصحاب أو ذوات الحيض من النساء، هن اللاتي يرخين أزرهن شبراً. قالت أم سلمة: «إذن تنكشف أقدامهن»، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم أن ترخي المرأة ذيلها، أي طرف ثوبها، ذراعاً. أما الرجل فلا يليق به ذلك. ولهذا دعا عمر بسكين وقطع الزائد من ثوب ذلكم الشاب، ذلكم الرجل. قال رحمه الله تعالى: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة هذا ضعيف، هذا ضعيف، وهو علة هذا الإسناد. قال: عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه سلمة بن الأكوع، قال: كان عثمان بن عفان يأتزر إلى أنصاف ساقيه. عثمان الصحابي الجليل والخليفة الراشد كان يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: «هكذا كانت إزرة صاحبي»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث كما سبق في إسناده موسى بن عبيدة، وقد ضعفه لأجله جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وماذا فيه؟ ما سبق من أن إزار المسلم إلى نصف الساق، فإن نزل فإلى الكعبين، وما زاد عن الكعبين فصاحبه متوعد بنار النار. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، قيل من سبيع حاشد، وهو مدلس، وقد عنعنه هنا. قال: عن مسلم بن نذير، عن حذيفة بن اليمان، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي، أو ساقه، فقال: «هذا موضع الإزار، هذا موضع الإزار، فإن أبيت فأسفل، فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين، فلا حق للإزار في الكعبين». فهذا الإسناد فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس، وهكذا أيضاً فيه مسلم بن نذير، وهو كما ذكر الحافظ مقبول، ومعنى مقبول: أي إن توبع وإلا فلا. فهو فيه الشواهد والمتابعات، وقد ذكر العلماء لهذا الحديث شواهد ومتابعات يحسن بها، ولهذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وخلاصة ما يذكر يا إخوان: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إزاره إلى نصف ساقه، ورخص في ذلك، فإن نزل إزار المسلم فليكن إلى ما فوق الكعبين. اليوم لربما بعض طلاب العلم يتساهل في هذا الباب، يجعل ثوبه قميصه أسفل من الكعبين، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز أن يلبس، وإنما يجب أن يقصر ثم يجعل فوق الكعبين. وماذا يلبس بعدها؟ يلبس السراويل، فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب. ويأتي معنا من الأبواب في شمائله عليه الصلاة والسلام في مجالس لاحقة. أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علماً نافعاً يتبعه عمل صالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.