سلامة الصدر

سلامة الصدر

المحاضرة بعنوان سلامة الصدر، والتي كانت بمسجد باحارثة بحارة المشراف بدفيقة - الشحر يوم الجمعة 16 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 7 نوفمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية سلامة الصدر وتزكية القلب

يشرح المقطع مفهوم سلامة الصدر بوصفه تنقية القلب من الشرك والأمراض كالحقد والغل والكبر، ويبين أنه شرط النجاة يوم القيامة وسعادة الدنيا، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، وأن أفضل الناس وأعمالهم من سلم صدره من الغل والشحناء.

سلامة الصدر من الشحناء ونماذج عملية للعلماء

يبيّن المقطع أن سلامة الصدر من الغل والحسد تجاه المسلمين من أعظم العبادات، ويستدل بآية الحشر على دعاء التابعين لإخوانهم السابقين، ويذكر علامات سلامة الصدر: محبة الخير لكل مسلم، العفو عمن ظلم، الدعاء للمسلمين، والنوم بلا شحناء. ويضرب المثل بشيخ الإسلام ابن تيمية الذي عفا عمن كفّروه وسجنوه، وشفع فيهم عند الأمير، ويستعرض مواقف عظيمة لشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الشافعي في العفو عن الخصوم وصفاء القلوب رغم الخلاف، مبينًا أن الاختلاف في المسائل الاجتهادية لا يوجب القطيعة.

أسباب سلامة الصدر وعلاج أمراض القلوب

يستعرض المقطع أبرز الأسباب الموجبة لسلامة الصدر كالتثبت في الأخبار، واجتناب السخرية وسوء الظن والتجسس والحسد والنجش والبيع على بيع الأخ، مستدلاً بآيات سورة الحجرات وأحاديث النبوية. ويبرز ثلاث خصال عظمى لسلامة القلب هي: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر بالرفق، ولزوم جماعة المسلمين، مع التأكيد على النظر في عواقب الحقد والغل في الدنيا والآخرة، ويوضح أن تحريم الغيبة والنميمة والخمر والميسر جاء سدًا لذريعة الشيطان في إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين.

آثار الشحناء في الدنيا والآخرة ووجوب التحلل من المظالم

تسبب الشحناء بين الإخوة عيشة ضنكاً في الدنيا من خصومات وتنابز، وفي الآخرة تمنع المغفرة يومي الاثنين والخميس حتى يصطلح المتشاحنان. كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الظلم وأمر بالتحلل من المظالم المالية أو المعنوية قبل الموت، لأن ذلك من أسباب سلامة القلوب والنجاة في الدارين، محذرًا من التسرع في تصديق الوشاة ونقل الكلام دون تثبت.

  • 22 جمادى الأولى 1447هـ - 12/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله سبحانه وتعالى الذي أتى بقلوبنا إلى مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، التي فيها من السكينة ومن الطمأنينة، وفيها من تزكية النفوس، ومن تربية القلب على طاعة الله سبحانه وتعالى. إخواني في الله، ما أحوجنا إلى مثل هذه المواضيع التي تتعلق بتزكية النفوس، وبصلاح القلوب، وبسلامة الصدور. فهذه المواضيع نحن في أمس الحاجة إليها لأهميتها. فهذا الموضوع الذي سمعتم عنوانه: "سلامة الصدر"، وهذا مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى في دعوة نبي الله إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: من أتى الله بصدر سليم؛ لأن القلب في الصدر، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. فمعنى قولنا: سلامة الصدر، أي: سلامة القلب مما يضره. وأول ما يدخل في ذلك سلامته من الشرك، ثم بعد ذلك من الأمراض الأخرى: كالحقد، والغل، والشحناء، والبغضاء، والكبر، وما شابه ذلك. فإذن معنى سلامة الصدر: أي تصفيته وتنقيته من هذه الأمراض. وربنا سبحانه وتعالى، كما سمعت في هذه الآية في دعوة نبي الله إبراهيم، جعل النجاة، وجعل كذلك الفوز يوم القيامة بسلامة القلب: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. سليم، فيوم القيامة لو جئت بأموال هائلة، وبأبناء كثر، لا ينفعونك شيئًا إن كان القلب خاويًا، إن كان القلب مليئًا بالشرك، وبالغل والحقد والكبر والشحناء والبغضاء، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. إذن فالواجب على المسلم أن يعتني بقلبه أعظم من اعتنائه بأمواله، وبكذلك جسده ومظهره. ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». هل هي سليمة مما يدنسها، أم أنها مليئة من ذلك؟ هذا الذي هو موضع نظر الرب سبحانه وتعالى. وهذا معنى قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أنت يا عبد الله تكون كريما عند الله عز وجل بتقوى الله، بتنقية هذا القلب من أضغانه، ومن غوائله، وشروره. فبهذا تكون أتقى الناس وأفضل الناس. كما جاء كذلك عند ابن ماجه، ويحسنه العلامة الألباني، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ هذا سؤال وجهة لنبي الرحمة عليه الصلاة والسلام. قيل له: أي الناس أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان». فقالوا: يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ ما مخموم القلب؟ قال عليه الصلاة والسلام: «هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد». هذا هو أفضل الناس، وهو مطابق للآية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فقال عليه الصلاة والسلام في مخموم القلب بالميم: مخموم القلب من قولهم: خممتُ البيت إذا كنسَته، إذا كنسَتَ قلبَكَ من غبارِ الأغيارِ، ونظَّفتَ أخلاقَكَ من أخلاقِ الأقدَارِ. فأنت بذلك تكون من أفضل الناس، تكون من أفضل الناس. نعم، كما سمعت في هذا الحديث، فإذن حري بنا جميعًا يا عباد الله أن نكون ممن هذا وصفه، ممن هذا وصفه: مخموم القلب، هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلَّة، ولا حسد. هذا هو أفضل الناس مع صدق اللسان، كما سمعت في هذا الحديث. وسلامة الصدر يا عباد الله هو سعادة للمرء في هذه الدنيا. فإن من امتلأ قلبه غلًّا وحقدًا وشحناء وبغضاء يكون تعيس الحياة، معذبًا في حياته. وقد نبَّه على هذا المعنى ابن عطية في تفسيره عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. فقال رحمه الله تعالى: فقد بيَّن ربنا عز وجل أن من صفات أهل الجنة أنهم لا يكون في قلوبهم الغل ولا الحقد. قال: لأن صاحبه معذب، أي صاحب الغل والحقد. قال: لأن صاحبه معذب، ولا عذاب في الجنة، ولا عذاب في الجنة. الجنة نعيم، ما فيها عذاب. ولذلك لا يدخل أهل الجنة الجنة حتى تنقى قلوبهم من الغل، لأنهم لو دخلوا ولا يزال هذا المرض في قلوبهم، لما كان هناك معنى للتنعم في الجنة؛ لأن صاحب الغل والحقد يكون معذبًا في حياته، يتخاصم مع فلان، وكذلك يتهاجر مع فلان، ولربما يأتي إلى فراشه للنوم فلا يأتيه النوم. لماذا؟ لأنه يفكر فيما يفعل بفلان، وفيما يمكر بفلان، وماذا قال عنه فلان. يكون معذبًا والعياذ بالله في حياته. وفي الآية الأخرى يقول الله سبحانه وتعالى وهو يصف أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. فنزع الله عز وجل ما في صدورهم من غل، فلا غل في الجنة؛ لأنها دار نعيم، لا دار تنغص وشقاء. فلذلك وصف الله عز وجل أهل الجنة بأنه نزع ما في صدورهم من غل، ما في صدورهم من غل. يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: يقول: أفضل الأعمال سلامة الصدر. أفضل الأعمال، أي الأعمال الصالحة، قال: أفضل الأعمال سلامة الصدر. قال: وأفضلها سلامة الصدر من شحناء أهل البدع والأهواء. أي: إذا كان الشحناء من أجل البدعة ومن أجل الهوى، هذا أفضل سلامة القلب منه. إذا سلمك الله من البدع والأهواء، ومن الشحناء من أجل هذه البدع والأهواء، فأنت في أفضل العبادات، أنت في أفضل العبادات. قال: وأفضلها سلامة الصدر من شحناء أهل البدع والأهواء التي تقتضي الطعن في سلف الأمة والتنقص لهم والعيب فيهم، وكذلك رميهم بالكفر أو البدعة أو الفسق. ثم يأتي بعد ذلك سلامة الصدر من الشحناء على عموم المسلمين، أو كما قال رحمه الله تعالى. فإذا أتيت هذه الصفة فأنت في عبادة عظيمة، أنت في عبادة عظيمة جليلة: أن يسلمك الله عز وجل من شحناء أهل البدع والأهواء، أهل البدع والأهواء. فإذا دخلت البدع إلى القلوب اشتخنت القلوب ببغض أهل الحق وأهل الخير وأهل الصلاح. ولذلك فإن ابن رجب ذكر هذا الكلام بعد قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. انتبه إلى قوله في دعاء من جاء بعد المهاجرين والأنصار؛ لأن هذه الآية هي ثالث آية. فالأولى ذكر فيها المهاجرون في قول الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾. ثم الآية التي تليها جاءت في ذكر الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾. ثم جاءت بعد هاتين الآيتين هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. أي: في التابعين ومن تبعهم وسار على منهجهم وسار على طريقتهم إلى يومنا هذا، إلى يوم الدين. فمن صفاتهم أنهم يدعون لإخوانهم المسلمين، وذلك لسلامة صدورهم تجاه إخوانهم المسلمين. فمن دعواتهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. ما يدعون لأنفسهم فقط، وهذا يدل على سلامة الصدر: أن المؤمن يدعو لنفسه ويشرك إخوانه المؤمنين بالدعاء، يشرك إخوانه المؤمنين المسلمين بالدعاء. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. لا تجعل في قلوبنا غل. هذه من دعوات أهل الخير وأهل سلامة القلوب: أنهم يدعون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلًّا وحقدًا وحسدًا وشحناء وبغضاء تجاه إخوانهم المسلمين. ولذلك استدل العلماء بهذه الآية وغيرها بما ذكر ابن رجب في الكلام المتقدم: فإن من امتلأ قلبه بدعة وهوى، لا محالة أنه يقع في الصالحين. ألا ترون الرافضة، عليهم من الله ما يستحقون، لما وقعوا في البدع والأهواء، طعنوا في خيار هذه الأمة، في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تمت تمتلئ قلوبهم غيظًا وحقدًا وغلًّا على أبي بكر، وعلى عمر، وعلى عثمان، وعلى الزبير، وطلحة، وغيرهم من خيار الصحابة. رضي الله تعالى عن صحابة رسول الله أجمعين. فالحذر من ذلك. لربما تقع بدعة في قلب أحدهم فيبغض خيار هذه الأمة من الصحابة، أو من العلماء الربانيين ممن عرفوا بصحة المعتقد وبسلامة المنهج، فيقعون في خيار هذه الأمة. أما من سلم من البدع والأهواء، فإن قلبه يكون سليمًا، لا يحب للمسلمين إلا كل خير، لا يحب للمسلمين إلا كل خير. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». حديث أنس بن مالك في الصحيحين. فإذا المسلم يدعو لإخوانه، وهذا من علامات سلامة الصدر. سلامة الصدر لها علامات، كيف تعرف أن قلبك سليمًا، أن قلبك سليمًا وأن صدرك سليمًا تجاه إخوانك المسلمين؟ من علامات ذلك: محبة الخير لكل مسلم. من علامات ذلك: العفو عمّن ظلمك. من علامات ذلك كذلك: من علامات سلامة الصدر أنك تدعو للمسلمين عمومًا. من علامات سلامة الصدر أنك تضع رأسك على وسادتك عند النوم ولا تحمل في قلبك شحناء ولا بغضاء لأحد من المسلمين. ما تتذكر أنك متخاصم مع أحد، أو أنك متشاحن مع أحد. هذه هي علامات سلامة الصدر. علامات سلامة الصدر وقد دلت عليها دلائل الكتاب والسنة. وأنت يا عبد الله لو نظرت في أحوال سلفنا الصالح، كيف كيف يتعاملون مع من ظلمهم، ومع من آذاهم، ومع من تعدى عليهم؟ بسلامة صدر، لا يقابلون السيئة بالسيئة. وهذا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه صلى الله عليه وسلم ما كان يجزي السيئة بالسيئة، ولكنه عليه الصلاة والسلام يعفو ويصفح. وهذا أيضًا من علامات سلامة الصدر: ما يحمل الحقد الإنسان على أخي المسلم إذا أخطأ عليه، بل يبادر إلى الإصلاح، يبادر إلى العفو والصفح، وكذلك الاعتذار إن صدر منه خطأ. هذا أيضًا من سلامة الصدر. من سلامة الصدر: إذا أخطأت يا عبد الله أن تعتذر لمن أخطأت عليه. هذه أيضًا علامة من علامات سلامة الصدر. فنذكر أنموذجًا من علماء هذه الأمة ممن يضرب به المثل في سلامة صدره، ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. هذا العالم أوذي من قبله ممن يسمون به العلماء أو الفقهاء، فقد آذوه أذية عظيمة، حتى كفروه وفسقوه، ووشوا به عند السلاطين والأمراء، فسجن بسببهم في سجن القلعة عدة مرات. ومع هذا، ماذا يقول رحمه الله تعالى؟ يقول: «كل من ظلمني أو تكلم علي فهو في حل مني، فهو في حل». أي: قد سامحته، وقد كذلك عفوت عنه. هذا من قوله. أما من فعله، فترى العجب العجاب، ترى العجب العجاب في سلامة صدره ممن آذاه، وممن ظلمه، وممن اعتدى عليه. يذكرون في ترجمته، وهذا ذكره غير واحد من أهل العلم: أن شيخ الإسلام ابن تيمية سُجن لما وشى به عند بعض العلماء، فاتهمه، عندما وشى به عند بعض الأمراء من قبل العلماء، علماء السوء، أو العلماء الذين حسدوا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فسجن. فتمكن أمير من الأمراء، وهو ما يسمى بقلاوون الصالحي، تمكن من ضم مصر مع الشام، فانتصر على غيره من الأمراء. وكان هذا الأمير من أعظم أمنياته أن يخرج شيخ الإسلام من السجن. فلما انتصر، أخرج شيخ الإسلام من السجن وأكرمه، ودعاه إلى مقر إقامته، ودعا العلماء، علماء مصر والشام، الذين ظلموه، والذين تكلموا عليه. فزجرهم هذا الوالي في حضور شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيّن لهم ظلمهم واعتداءهم على هذا العالم، على هذا العالم. ثم خلا هذا الأمير بشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال له: أنا عازم على قتل كل من آذاك، فأريد منك فتوى، تكتب لي فتوى بجواز قتل هؤلاء، بجواز قتل هؤلاء؛ فإنهم ظلموك، وإنهم آذوك. فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال له: «فإن هؤلاء الذين ظلموني وآذوني هم في حل مني، قد عفوت عنهم». فتعجب هذا الأمير، قال: قد فعلوا بك كذا وكذا، وقد كفروك. فقال: قد عفوت عنهم، ولا تفعل ذلك. فشفع عند هذا الأمير أن يدرك هؤلاء العلماء، وأن لا ينتصر لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. انظروا إلى سلامة القلب، انظروا إلى هذا العالم الذي ما حمل في قلبه حقدًا ولا غلًّا على عدو، فكيف على صديق؟ كيف على صديق؟ يقول أحد كبار تلاميذ شيخ الإسلام: يقول: وددت، وددت لو أنني أعامل أصحابي بمثل معاملة شيخ الإسلام لأعدائه وخصومه. فإنه والله ما دعا عليهم. الإنسان لما يظلمه أحد، ربما يدعو عليه. إنسان يكفرك، إنسان يسجنك، ربما تدعو عليه، أو يظهر شيء من كلامه في الدعاء عليه. فقال: والله ما كان يدعو عليهم، بل كان يدعو لهم، بل كان يدعو لهم. ما يدعو عليهم وهم ظلموه وآذوه. انظروا إلى هذا الخلق العظيم. ويذكر ابن القيم عليه رحمة الله أن من ألد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله توفي، من أشد خصومه. فجاء ابن القيم فرحًا يبشر شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول له: فلان الذي يؤذيك، والذي يحاربك، أخذه الله. فتغير وجه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنكر على ابن القيم ما ظهر عليه من فرح. ثم ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أهل هذا الميت يعزيهم. ما أعظم هذه الأخلاق يا عباد الله! انظروا إلى سلامة صدر هذا العالم من نحرير. ذهب إلى أولاد هذا الذي كان يعاديه عداوة شديدة، وقال لهم: أنا لكم بمنزلة أبيكم. أي شيء تحتاجون، أنا مستعد. فشكروه وتعجبوا من حسن أخلاقه ومن سلامة صدره. رحمه الله تعالى رحمة واسعة. والقصص فيما يتعلق بأخلاق شيخ الإسلام وسلامة صدره كثيرة جدًا مع خصومه ومع أعدائه. فلن تجد منه الانتقام، ولن تجد منه الانتصار لنفسه، بل يعفو ويصفح. بل ذكر على وجه العموم أنه قد كان في حل كل من ظلمه أو من اعتدى عليه. وهكذا كان العلماء، وإن اختلفوا، وإن كذلك يعني صار بينهم شيء من المناظرة أو من المخاصمة، فإن هذا لا يكون سببًا في التفرق فيما بينهم، وفي كذلك التهاجر، أو العداوة، أو البغضاء. يروى الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في السير عن يونس الصدفي، وكان من كبار تلاميذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. كان هذا يونس الصدفي من كبار تلاميذ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فيقول يونس هذا: قال: ما رأيت أعقل من الإمام الشافعي، ما رأيت أعقل من الإمام الشافعي. فقد ناظرته يومًا في مسألة، ناظرته يومًا في مسألة، يعني تناقشت معه في مسألة، هو على قول وأنا على قول، فاختلفنا في هذه المسألة. قال: فافترقنا. قال: ثم لقيني، أي في اليوم الثاني، قال: فأخذ بيدي وقال: يا أبا موسى، كن يونس. قال: يا أبا موسى، قال: يا أبا موسى، ألا نكون إخوانًا وإن افترقنا في مسألة؟ أو ألا يسعنا أن نكون إخوانًا وإن افترقنا في، أو اختلفنا في مسألة؟ هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم. لا يزال الناس يختلفون، خصوصًا في المسائل الاجتهادية التي تختلف أنظار العلماء في تقريرها، بين مجيز وعدم مجيز، بين كذا وكذا. فينبغي أن تتسع الصدور لمثل هذه المسائل، ولا تكون سببًا في الخصومة، وفي التهاجر والتقاطع والشحناء والبغضاء. أما المسائل التي هي من اختلاف الأضداد، التي تخالف نصًّا صريحًا، أو إجماعًا لأهل العلم، أو أصولًا واضحة من أصول أهل السنة، فهذا لا شك أنه لا يجوز الاجتماع عليها، بل ينبغي للمسلم المتجرد للحق أن ينتصر للحق، وأن لا يتبع هواه، وأن لا يتبع هواه. فانظروا إلى سلامة قلوب العلماء في مثل هذه المسائل، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا. ثم نذكر كذلك أمرًا آخر يتعلق بسلامة الصدر، وهو أن الشرع، أو أن الإسلام، حرم كل عمل يؤدي إلى وقوع الشحناء والبغضاء بين المسلمين. كل ذلك سلامة للقلوب، كل ذلك سلامة للقلوب. الله عز وجل لما حرم الخمر والميسر والأنصاب، ماذا قال سبحانه وتعالى؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. فإذن من هذه الآية أولاً نأخذ أن الشيطان يسعى حثيثًا لإيغار القلوب، ولي كذلك أن يتشاحن المسلمون، وأن تقع بينهم العداوة والبغضاء. هذا من أعظم مهام الشيطان الرجيم. كما جاء في حديث جابر في مسلم: أن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث جنوده سراياه كي يفسد الناس. فيأتي أحدهم فيقول له الشيطان: ماذا صنعت؟ قال: لا زلت به حتى شرب الخمر. قل له: ما فعلت شيئًا. ذاك يأتي يقول: ما زلت به حتى فعل كذا وكذا. قال: ما صنعت شيئًا. ثم يأتي آخر ويقول: لا زلت به حتى فرقت، حتى فرقت، حتى فرقت بينه وبين زوجته. فيقول له: أنت، أنت. فيضمه الشيطان، ويعتبر هذا الإنجاز إنجازًا عظيمًا من أعظم إنجازات جنوده: أن يفرق الشيطان بين الأحبة، يفرق الشيطان بين المرء وزوجه، يفرق الشيطان بين الأخ وأخيه، يفرق الشيطان بين الجار وجاره، يفرق الشيطان بين العم وابن أخيه، يفرق الشيطان بين الولد ووالديه. وهكذا. هذا من أعظم مقاصد الشيطان الرجيم. فلذلك ينبغي للمسلم أن يفوت الفرصة على هذا العدو المبين، لا يكون لقمة سائغة لهذا الشيطان، فيُفقد أخاه، وفي أذنى خصومه كذلك يترك أخوة الإسلام. هذا من أعظم مقاصد الشيطان الرجيم. فلذلك جاء الإسلام في تحريم كل ما يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين. ونذكر لكم عدة أمثلة: لماذا حرم الله سبحانه وتعالى الغيبة؟ ذكره أخاك بما يكره. لأن الغيبة من أعظم أسباب الشحناء والبغضاء. كما قال الله عز وجل: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. كأنك تأكل لحم أخيك ميتًا، وهذا أشد العداوة، أشد عداوة وبغضاء وحمق، أن يأكل الإنسان لحم أخيه وهو ميت، وهو ميت. فهذا دليل على أن الغيبة حرمت لأنها تورث العداوة والبغضاء بين المسلمين. كذلك النميمة التي تفسد بين الأحبة. وهذا الإفساد لا شك أنه من أعظم ما يورث الشحناء والبغضاء. تصور إنسان يأتي يقول لك: أما سمعت ماذا يقول عليك فلان؟ وأنت هذا فلان بينك وبينه محبة ومودة، وبينك وبينه احترام وأخوة. فيأتي هذا الشخص إليك ويقول: أما سمعت ماذا يقول فلان؟ يقول فيك كذا وكذا وكذا. يملي صدرك ويوغر صدرك عليه. فانظر إلى مدى ما يكون على أخيك من هذه النميمة. ولذلك المسلم العاقل إذا نقل له عن أخيه كلام، فالواجب عليه أن يتثبت. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. والنمام فاسق. النميمة كبيرة من كبائر الذنوب، لا يدخل الجنة نمام. فالذي ينقل إليك الكلام هذا فاسق، فما ينبغي لك أن تصدق كلامه، وأن تأخذ بكلامه، وأن تعقد عليه ولاء وبراء، ومحبة وبغض. وإنما الواجب عليك أن تتثبت. ونحن في زمن كثرت فيه الإشاعات، وكثرت فيه وسائل انتشارها من هذه الجوالات. فينبغي للعاقل إذا سمع خبرًا عن جماعة من الناس، عن مسجد، عن داعية، عن شيخ، عن عالم، عن أخ، ما يأخذه، ما أخذ الصدق، وما أخذ الجد، وإنما يتثبت ويتأكد، ولا يرمي الناس بما ليس فيهم. فربك سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. التسرع والطيش والعجلة سبب للندامة، سبب للندامة. فلا تصدق كل ما يكتب، وكل ما ينقل، وكل ما يبث، وكل ما يقال، بل ينبغي عليك أن تتثبت. فإن هذا أسلم لقلبك. من أعظم أسباب سلامة الصدر: ألا تكون مذياعًا تنشر أي خبر، وألا تسمع لكل أحد، بل ينبغي عليك أن تتثبت، وأنت تريث. فهذا أسلم لقلبك. فهذا أيضًا من أمثلتي أن الشرع إنما حرم هذه الأمور من أجل ماذا؟ من أجل سلامة الصدور. وإذا نظرت في سورة الحجرات جاءت فيها آيات التثبت، وآيات كذلك عدم الاستهزاء والسخرية، لأن الاستهزاء والسخرية بالمسلم من أسباب العداوة والبغضاء. تصور إنسان يستهزئ بك، إنسان يسخر منك، ماذا سيكون يعني موقفك تجاهه؟ لا شك أنك ستبغض هذا، وربما يكون شيء في قلبك. فلذلك نهى الشرع عن السخرية والاستهزاء. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. نكمل إن شاء الله بعد الأذان. كذلك ما جاء في سورة الحجرات من الأدلة على تحريم بعض المحرمات حفاظًا على سلامة القلوب: من ذلك سوء الظن، أن تظن بأخيك سوءًا، فهذا لا شك أنه يوغر قلبك على أخيك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. ومن ذلك التجسس على أخيك المسلم. لماذا تتجسس عليه؟ لماذا تتبع عوراته؟ هذا دليل على سوء القصد، وعلى خبث النفس. ومن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في قعر داره. فنهى عن سوء الظن، ونهى عن التجسس. في حديث كذلك أبي هريرة في الصحيح: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض». كل هذه النواهي سلامة للقلوب. لا تحاسد، لا تتمنى زوال نعمة أخيك. قل: اللهم أعطني خيرًا مما أعطيته. فالذي رزقه ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو قادر على أن يرزقك. فلا تتمنى زوال نعمته، لا تتمنى زوال نعمته، بل تمنى أن تبقى له هذه النعمة، وأن يمنّ الله عز وجل عليك بنعمه. وهكذا لا يبع بعضكم على بيع بعض. لما تأتي إنسان يشتري جوالًا، يتبايع مع صاحبه، فاتفقوا على خمسمائة ريال سعودي، تأتي أنت وتقول للبائع: أنا أعطيك ستمائة. إذن كيف سيكون موقف هذا الأخ منك حين عطلت عليه هذه البيعة، وحين حرمته من هذه البيعة؟ فسلامة للقلوب نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه. وهكذا أن يخطب المسلم على خطبة أخيه. إذا علمت أن أخاك قد خطب عند آل فلان هذه البنت، فلا يجوز لك أن تذهب وتخطبها وتخطبها. لماذا؟ لأنهم إن وافقوا أن تتزوجها وتركوا الأول، صارت هناك العداوة والبغضاء بينك وبين ذاك الخاطب الأول. فلذلك نهى الشرع عن ذلك، سلامة للقلوب. وكم من الأمثلة لو ذهبنا نستعرض تلك الأمثلة لطال بنا المقام. ولكن في ختام هذه المحاضرة نحب أن نذكر بعض أسباب سلامة القلوب. من أعظم أسباب سلامة الصدور: الإخلاص لله عز وجل. أن يكون عملك خالصًا لله سبحانه وتعالى، لا تتعامل مع الخلق، وإنما تتعامل مع الخالق. فهذا مما يهون عليك التعامل مع المخلوقين. لا تريد منهم ثناء، ولا مالًا، ولا دنيا، ولا حظًا من حضوضها، لأنك تريد الله والدار الآخرة. فقد جاء عند ابن ماجه من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم». ومعنى لا يغل: أي لا يحمل قلب صاحبه الغل والحقد والحسد. أي أن هذه الثلاث يستخلص بها صلاح القلوب وسلامة القلوب. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، ما هي هذه الثلاث؟ قال: «إخلاص العمل لله». هذا أول شيء. إخلاص العمل لله، أن تعمل لله عز وجل، فلا يكون في قلبك تعلق بغير الله، لا يكون في قلبك حقد لأخيك، لأنك أنت تريد الدار الآخرة، ما تريد أن فلان ما أثنى عليك، أو فلان أخذ عليك شيء من المال، أو فلان تكلم عليك. هذا كله يهون فيما ترجو ما عند الله سبحانه وتعالى، فيما ترجو ما عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله: لا يجتمع في القلب الإخلاص ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع... إلا كما يجتمع الماء والنار، والحوت والضب. يقول: إذا كان الإنسان في قلبه الإخلاص، ما يدخل في هذا القلب المدح والثناء، ما يحب المدح، ما يحب الثناء، ولا يطمع فيما عند الناس. فهو مع الله، هو في واد، والناس في واد. لا ينافس على دنياهم، ولا ينافس على مناصبهم، ولا على وجاهاتهم. قصده الله، يريد الله والدار الآخرة. فلا يجتمع في قلب الإنسان المخلص الإخلاص ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار. هل يجتمع الماء والنار؟ هل تشتعل النار إذا وضع عليها الماء؟ أبدًا، تنطفئ مباشرة. وهكذا لا يجتمع الحوت والضب. الحوت مما يعيش في البحر، فإذا أخرج من البحر إلى البر مات. والضب لا يعيش في البحر، يعيش في البر، فإذا أدخل البحر مات. فكما أنه لا يجتمع الحوت والضب، كذلك لا يجتمع الإخلاص ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس. كلام عظيم من هؤلاء الأئمة. فأخلص النية لله سبحانه وتعالى. ثم ذكر ثاني هذه الخصال، وهي أيضًا مما تكون سببًا في سلامة الصدر، قال: «إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر». أن تناصح ولاة الأمور، مناصحة إصلاح وخير، لا مناصحة فتن وشغب وثورات ووجر للصدور من على المنابر. وإنما مناصحة إصلاح. فهذا دليل على سلامة القلوب تجاه ولاة الأمور، وإن ظلموا، وإن فعلوا ما فعلوا. فالواجب على المسلم أن يصبر، وأن يدعو لهم بالصلاح، وأن يناصحهم، وأن كذلك يبين لهم الحق الذي ينبغي أن يكونوا عليه. فإن استجابوا فبها ونعمة، وإلا فقد أدى الحق الذي أوجبه الله عليه، وبهذا يكون قلبه سليمًا من إثارة الفتن، ومن وجر الصدور، ومن غرس العداوة والبغضاء بين الراعي والرعية. ثم الثالث قال: «ومناصحة ولاة الأمر، ثم ذكر أيضًا: ولزوم جماعة المسلمين». لزوم جماعة المسلمين، أي: لزوم ما عليه عامة المسلمين من الدين الحق، لا يخرج عليهم، ولا يخالف طريقتهم التي سار عليها أسلافهم، بل يكون مع إخوانه المسلمين. فهذه الثلاث من أعظم أسباب سلامة القلوب. كذلك من أسباب سلامة الصدر: أن ينظر المسلم إلى عواقب الحقد والغل والشحناء والبغضاء في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا: قد تقدمت أن صاحبه يعيش عيشة التعس، يعيش منكدًا في حياته، لما يكون بينه وبين إخوانه من الخصومات، ومن التنابز، ومن التراشق بالتهم، والسب والشتم، ونحو ذلك. فإذا سلم قلبه سلم من هذه الأعمال السيئة. كذلك في الآخرة: فإن الشحناء، والعياذ بالله، فيها أمور تعود على الإنسان بمضرة في آخرته. من ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تُعرض الأعمال على الله كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله عز وجل لعباده». قال: أو يغفر الله عز وجل لكل من لا يشرك به شيئًا، إلا رجلين بينهما شحناء، إلا رجلين. أي: ما يغفر الله عز وجل لهما، بينهما شحناء. فيقول: «أنظروا هذين، أي أخروا هذين، لا تغفر لهما، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا». كررها ثلاثًا. هل تحب أن لا يغفر الله عز وجل لك الذنوب؟ فلماذا أنت مصر على الشحناء بينك وبين إخوانك المسلمين؟ فهذا أمر يا عباد الله عظيم. وإذا كانت الشحناء فيها من الظلم، فالظلم عاقبته وخيمة يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت له عند أخيه مظلمة، فليتحلل». من كانت له لأخيه مظلمة، فليتحلل منها اليوم، فليتحلل منها اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات. إذا بينك وبين أخيك مظالم، تحلل من اليوم. إن كان مال، أرجعته إليه. إن كان عرض، استسمحت منه. وإن كان... وتبرأ من هذه المظالم قبل الموت. فهذا مما يكون سببًا في سلامتك في الدنيا، وكذلك في الآخرة. فهذا أيضًا من أسباب سلامة القلوب. من أسباب