المحاضرة بعنوان الحفاظ على الدين، والتي كانت بمسجد المنصور بالشحر يوم الجمعة 28 صفر 1447هـ الموافق 22 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
حفظ الدين من الضروريات الخمس وقد تكفل الله بحفظ كتابه، غير أن ظهور الدين وبقاؤه يتحققان بعمل المسلمين به وتطبيق أحكامه وإقامة حدود الشرع. وتؤكد النصوص الشرعية أن طائفة ستبقى على الحق ظاهرة حتى قيام الساعة.
يتم حفظ الدين بإقامة الحدود الشرعية التي تردع المفسدين، والجهاد بالحجة والبيان وبالسيف، مع وجوب تعلم الدين والتفقه فيه ليكون الداعي على بصيرة. ويشير المقطع إلى أن الجهل يفسد أكثر مما يصلح.
لا يتحقق نصر الدين وحفظه إلا بالتفقه والعلم والدعوة إليه، ويحذر من احتقار مجالس العلم لأن طلاب العلم اليوم هم حماة الدين غدًا. ويبين أن الجهل سبب كل بلية، وأن اهتمام أهل السنة بالعلم النافع وفتح المراكز العلمية هو السبيل لحفظ دين الله.
رتب الله الفلاح والنجاح للذين يقومون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويستشهد المقطع بالآية الكريمة التي تأمر بأن تكون أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، إن من أعظم مقاصد هذا الدين حفظه، وهو من الضروريات الخمس التي جاءت جميع الشرائع بحفظها، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل. فمن أعظم هذه الضروريات الخمس حفظ الدين، والله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ دينه وبحفظ كتابه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ولكن جعل ربنا سبحانه وتعالى أسبابًا بها يُحْفَظُ دِينُه، يُحْفَظُ دِينُه، وَبِهَا كَذَلِكَ يَظْهَرُ وَيَنْتَشِرُ. فمن أعظم هذه الأسباب التي يُحْفَظُ بها دين الله عز وجل العمل به، العمل بهذا الدين، الدين سبب لظهوره وسبب لبقائه وسبب لحفظه، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. فينبغي لأهل هذا الدين أن يُظْهِرُوه، وظهورهم له إنما يكون بالعمل به. فإذا استقام المسلمون على دينهم وعملوا به وأظهروه، فهذا لا شك أنه من أعظم أسباب ظهور هذا الدين. وقد جاء عند البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ظاهرون» بالحجة والبيان، ظاهرون بالتمسك بهذا الدين. ولذلك من العمل بالإسلام كذلك تطبيق أحكامه وإقامة حدود الشرع بين العباد، فهذا أيضًا مما يُحْفَظُ به دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، حياة لكم بإحيائكم وحفظكم لهذا الدين بالعمل بأحكامه، العمل بأحكامه، فإن العمل بالحدود الشرعية سبب لأن ينزجر المخالفون لحدود الله سبحانه وتعالى. فإذا أقيمت الحدود بين أهل الإسلام، فلا شك أن هذا مما يردع المفسدون، ومما يردع المفسدين، ومما كذلك يزجرهم وينهاهم عن التلاعب بالدين. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتله». نعم، وجاء في حديث ابن مسعود صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فإذا أقيمت مثل هذه الحدود، حفظ دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيها المسلمون، من أسباب حفظ هذا الدين، من أسباب حفظ هذا الدين، الجهاد من أجله بالحجة والبيان، وكذلك بالسيف والسنان. فالدعوة إلى هذا الدين مما يكون سببًا في حفظه. ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، كبيرًا، أي: جاهد هؤلاء الكفار بالقرآن، بالحجة والبيان. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بتعلم هذا الدين وبالتفقه فيه، ورتب الأجور العظيمة لمن تفقه في دين الله عز وجل، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وهكذا قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مرغبًا عباده المؤمنين بالتفقه في دين الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. كل هذا فيه حث وترغيب على تعلم دين الله سبحانه وتعالى، لأنه بالعلم يحفظ هذا الدين، ويدعى إليه في المشارق والمغارب. فلا يمكن لمسلم أن يدعو إلى هذا الدين وهو جاهل له، وهو جاهل لهذا الدين. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قال: على بصيرة، أي: على بينة وعلم. فإن الذي يدعو بجهل يفسد أكثر مما يصلح. فلا يحفظ هذا الدين إلا بالتفقه فيه، إلا بالتفقه فيه، ولا ينتصر هذا الدين إلا بالعلم والدعوة إليه والدعوة إليه. فلا تحتقر يا عبد الله درسًا تحضره، ولا حلقة قرآن تدرس أو تدرس فيها، ولا مجلس علم تتفقه فيه في دين الله سبحانه وتعالى. الإمام الأعمش سليمان بن مهران رحمه الله تعالى كان يجلس مع بعض الغلمان، فيمر عليه أحد المحدثين، ويقول له: تجلس مع هؤلاء الغلمان؟ فيقول له الأعمش رحمه الله تعالى: أسكت، هؤلاء الذين يحفظون لك دينك، هؤلاء الذين يحفظون لك دينك بتعلمهم وبصبرهم على العلم، فإن هؤلاء اليوم صغار قوم، وغدًا سيكونون كبار قوم من المحدثين، ومن العلماء، ومن المنافحين عن هذا الدين. فلا تحتقر شيئًا من تلك المجالس التي يعلم فيها كتاب الله، ويعلم فيها سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا إذا تعلم المسلم، فإن هذه الأمة ينتشر فيها العلماء، وينتشر فيها الدعاة إلى الله، وينتشر فيها كذلك الوعاظ والقراء، وكذلك الأساتذة والمدرسون ونحو ذلك. يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «لولا أهل المحابر لخطب الزنادقة على المنابر»، أي: لولا طلاب العلم الذين يكتبون العلم في دفاترهم ويحفظون العلم، لانتشر الجهل، فبسبب انتشار الجهل يتسلط على الناس ويتربع على المواقع الدينية من الخطب والفتاوى ونحو ذلك الجهال، فيكونون سببًا في الضلال والإضلال. كما جاء أيضًا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، فضلوا وأضلوا. فالجهل هو سبب كل بلية. فلذلك من أصول دعوة أهل السنة والجماعة الاهتمام والاعتناء بالعلم النافع، وذلك بفتح المراكز العلمية والمحاضرات الأسبوعية والدروس العلمية بعد الصلوات، والدروس كذلك الخاصة لطلاب العلم. فهذه الدعوة هي الدعوة التي بها يحفظ دين الله سبحانه وتعالى، ويتفقه المسلمون في دينهم. ومن كذلك ثمار ونتائج طلب العلم وتحصيل العلم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أعظم ما تحفظ به المجتمعات من الشرور، وأيضًا من أعظم ما يحفظ به دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك رتب ربنا الفلاح لهؤلاء الذين يقومون بهذا الواجب العظيم، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ