الدرس في شرح الأصول الستة 7، الدرس السابع ( الأصل السادس ... وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين ). ألقاها
يتناول الرد على الشبهة التي يثيرها الشيطان حول صعوبة فهم القرآن والسنة، ويبين أن هذه الشبهة تهدف إلى صرف الناس عن اتباع الكتاب والسنة. يُوضح أن الشيطان يستخدم خطوات متدرجة لإبعاد الناس عن الله عز وجل.
يؤكد على وجوب تدبر القرآن والاستفادة من معانيه على كل مسلم بقدر استطاعته، ويحذر من دعوات الشيطان التي تبعد الناس عن كتاب الله وتدبره. يُبين أن هجر القرآن يكون بترك تلاوته أو العمل بمقتضاه أو العلم بمعانيه.
يؤكد على أهمية تدبر القرآن وتفهم معانيه، مستشهدا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحث على ذلك. كما يبين أن الله عز وجل يميز بعض الناس بفهم القرآن وتدبره.
يتضمن ختامًا للكلام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن التسليم الكامل لأمر الله ويشير إلى الاعتراف بعظمة الله وطلب المغفرة والتوبة إليه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: الأصل السادس: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة. وهي أن القرآن والسنة لا يعرف ما فيهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا من الأوصاف، لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر. فإن لم يكن الإنسان كذلك، فليعرض عنهما فرضا حتما، لا شك ولا إشكال فيه. ومن طلب الهدى منهما، فهو إما زنديق وإما مجنون، لأجل صعوبة فهمهما. فسبحان الله وبحمده، كم بين الله سبحانه شرعا وقدرا، خلقا وأمرا، في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات العامة. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قال رحمه الله تعالى: الأصل السادس، وهو خاتمة هذه الأصول، فقال: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، وفي مقابله اتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة. فالكتاب كما ترون، هذه الأصول الستة، وهي أصول عظيمة جليلة القدر، من أولها إلى آخرها، يذكر الشيخ رحمه الله تعالى أولا الحق، وبيان الحق فيه، ثم يذكر ضده. الشيخ رحمه الله تعالى ختم هذا الأمر بهذا الأصل العظيم، وهو بيان الشبهة مع ردها، بيان الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك ماذا؟ في ترك القرآن والسنة. وضع الشبهة أو في بيان تلك الشبهة الملعونة التي وصفها الشيخ رحمه الله تعالى بأنها ملعونة، وذلك لما فيها من الشر والإبعاد عن رحمة الله عز وجل. فإن اللعنة هي الإبعاد من رحمة الله عز وجل، الطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجل. وهذه الشبهة من حيث هي ينطبق عليها هذا التعريف، باعتبار أنها تبعد الناس عن رحمة الله عز وجل وتطردهم عنها. وذلك أن الشيطان زين لهم ترك القرآن والسنة. من المعلوم أن الشيطان كما أخبر الله عز وجل عنه، لا يأتي الإنسان مباشرة في أمر عظيم، فيقول له: أترك هذا الفعل أو افعل ذلك. لا يأتي الشيطان مباشرة إلى الإنسان المؤمن في خير وصلاح، فيقول له: أكبر بالله عز وجل، هذا لا يكون. يقول له: أشرك بالله عز وجل، هذا لا يكون. ولكن الشيطان كما أخبر الله عز وجل عنه، له خطوات، وله خيل، وله رَجِل، بهذا الإنسان، كما قال الله عز وجل عنه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وكما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. الله عز وجل نهى عن اتباع خطوات الشيطان. فالشيطان له خطوات، يبدأ الإنسان أول ما يبدأ بمدخل يرى الإنسان يدخل منه، فإذا خرج معه الإنسان وخطى معه خطوة، انتقل معه إلى خطوة أخرى. فإذا خطى كذلك، انتقل معه إلى خطوة أخرى، حتى يهلكه. هذا من مصائد الشيطان، ومن مكر الشيطان، ومن اتباع خطوات الشيطان. لا يأتيك مباشرة، يقول لك: كن فاسقا، كن كافرا، كن مجرما. لا يأتيك خطوة خطوة، حتى يوقع الإنسان فيما يوقعه من المعاصي والآثام. ومن هذا الباب هذا الأصل، وهو أن الشيطان من أجل أن يكون الناس عبادا له من دون الله عز وجل، لأن كل من أشرك، إنما عبد الشيطان حقيقة. كما قال الله عز وجل عن الملائكة حينما قال لهم: ﴿أَتَتَّخِذُونِ وَذُرِّيَّتِي أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. فالشاهد من هذا أنهم كانوا يعبدون ماذا؟ الجن، ويظنون أنهم يعبدون الملائكة. وفي حقيقة الأمر يعبدون من يعبدون هؤلاء الجن، الذي رأسهم إبليس، أعادنا الله عز وجل من شره. فالشاهد من هذا أنه من أجل أن يقع الناس في هذا الأمر، أي في عبادة غير الله عز وجل، لابد له من أن يخطبهم خطوات حتى يصلوا إلى هذا الأمر. كما هو معلوم أن أعظم الموانع وأعظم الحواجز بين الحق والباطل، كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن كتاب الله عز وجل، من تمسك به وقام بما أمره الله عز وجل به، ونهاه عما نهاه الله عز وجل عنه، كان هذا سببا لكونه من عباد الله عز وجل حقا وصدقا. ومن بعد عنه، كان سببا لأن يكون من عبيده، يكون تابعا لغير الله عز وجل. فكان هذا، أي كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أعظم بلية في نظر إبليس، افتلى بها إبليس، لأنه لا يستطيع أن يصد الناس عن الله عز وجل، ما دام الناس على كتاب الله عز وجل قائمين، وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم متبعين. فماذا صنع لهم الشيطان؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق. هذا أو هذه الشبهة الخبيثة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والمجتهد الموصوف بكذا وكذا من الأوصاف، لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر. إذن المجتهد المطلق له أوصاف، هذه الأوصاف قد لا توجد مجتمعة في كبار، بل في مؤسسي الصحابة، بل في أعلم الصحابة وأفضلهم وأخيرهم، في أبي بكر وعمر. الأوصاف المذكورة قد لا توجد في أبي بكر وعمر، وهم أعلم الناس مطلقا بعد الأنبياء والرسل. إذا كانت هذه الأوصاف غير موجودة في مثل أبي بكر وعمر، فما بالك بمن هو دونهم؟ كيف يقول أول في حقه؟ لابد أنه ليس من أهل الاجتهاد المطلق. إذا كان أبو بكر وعمر لا تتوفر فيهم هذه الشروط، معناه أن أبا بكر وعمر ليسوا من أهل الاجتهاد المطلق. فكيف بمن جاء بعدهما؟ رضي الله عنهما، كيف يكون حاله؟ ليس من أهل الاجتهاد المطلق. إذا لا يوجد مجتهد مطلق في هذه الأمة أبدا. فإذا كان الأمر كذلك، انتقل معهم إلى خطوة أخرى من خطواته، فقال رحمه الله تعالى: فإن لم يكن الإنسان كذلك، أي من المجتهدين المطلقين، لم يكن مجتهدا مطلقا. قال: فليعرض عنهما، أي عن كتاب الله عز وجل وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فرضا، أي واجبا. قال: حتما، وهذا تأكيد لهذا المعنى، لا شك ولا إشكال فيه. وهذا النفي يؤكد هذه المعاني، أنه واجب عليه من غير شك ولا ريب، أن يعرض بقلبه، قبل بصره وسمعه وجوارحه، عن تدبر القرآن، وعن الاستفادة من معانيه، وعن استنباط أحكامه وشرائعه من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: ومن طلب الهدى منهما، أي إذا لم تكن مجتهدا مطلقا، إذا ليس لك أهلية بأن تنظر في القرآن نظرة إمعان، وتدبر وتفحص. لا، لا يجوز لك هذا أبدا. لماذا؟ لأنك لست أهلا لهذا الأمر، لأنك لست مجتهدا مطلقا. فإذا لم تكن مجتهدا مطلقا، والمجتهد المطلق خيال لا حقيقة له، المجتهد المطلق بالأوصاف المذكورة خيال لا وجود له. لأن بعضهم يذكر من شروط المجتهد المطلق أن يحفظ كذا وكذا ألفا من الأحاديث، وأن يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وأن يقرأ كذا وكذا تسيرا، وأن يكون في اللغة العربية كسباعيه ونحوه، وأن يكون في علوم الأصول أعلم من الشافعي، إلى غير ذلك من الأمور التي كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى، لا توجد مجموعة في أبي بكر وعمر. وهذا قد قاله غير الشيخ رحمه الله تعالى، من لئم رحمهم الله تعالى، كالشوكاني والصنعاني وغيرهما، رحمهم الله تعالى، حينما حرروا مسألة المجتهد. فالحاصل أن الشيطان سار معهم بهذه الطرق، أنه لابد من أراد النظر في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يكون مجتهدا مطلقا. من هو المجتهد المطلق؟ المجتهد المطلق اشترط في أن يكون كذا وكذا وكذا، من الشروط التي هي في الحقيقة خيال لا وجود لمن تقوم به هذه الشروط. ولو كان أبو بكر وعمر، الذين هما أعلم هذه الأمة مطلقا في شريعة الله عز وجل بعد نبيها صلى الله عليه وسلم. فإذا لم تكن هذه الأوصاف في أبي بكر وعمر، فما بالك بمن دونه؟ ومع هذا، فهل يجوز لأحد سواهما، بل هل يجوز لهم أن ينظروا في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نظرة المستنبط المتدبر؟ الجواب: لا. فمن فعل هذا، أي نظرة المستنبط، ونظرة المتدبر والمتفهم لكتاب الله عز وجل أو لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ليس من أهل الاجتهاد المطلق، فهو ماذا؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومن طلب الهدى منهما، فهو إما زنديق وإما مجنون. إما زنديق، أي لا دين له، وإما مجنون، أي لا عقل له. فإذا كان أمر كذلك، قال الشيخ رحمه الله تعالى: لأجل صعوبة فهمهما. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فسبحان الله وبحمده. أي أنزه الله عز وجل تنزيها عن قول هؤلاء الأفاكين المغطلين لشريعته، المدعين كذبا عليه سبحانه وتعالى. قال: وبحمده، أي أحمد الله عز وجل حمدا مطلقا، لأنه للحمد أهل سبحانه وتعالى. قال: كم بين الله سبحانه شرعا وقدرا، خلقا وأمرا، في رد هذه الشبهة الملعونة. كما قلنا، وصفها الشيخ رحمه الله تعالى بأنها ملعونة. لماذا؟ لأنها تبعد من رحمة الله عز وجل. قال: من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات العامة. أدلة كثيرة، يحث فيها ربنا عز وجل العباد إلى تدبر كتابه، وإلى تفهمه، وإلى تفحصه. قال ربنا عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. الله عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. فدل على أنه لما كان من عند الله عز وجل، فليس فيه اختلاف ولا اضطراب، بل هو حق يصدق بعضه بعضا، ويؤكد بعضه بعضا. وكذلك قول الله عز وجل في الآية نصيها: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. أم على قلوب أقفالها؟ أي هل لا تدبروا القرآن وتفحصوا معانيه، أم أن هذه القلوب مقفلة، فلا ترى الحق ولا تعلمه؟ بل ربنا عز وجل أيضا في كتابه الكريم، في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فهذه كذلك آية تدل على أن السنة واضحة بينة، وأن من أعظم مهمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، البيان لكتابه، والبيان لشرع الله عز وجل. قال ربنا عز وجل في شأن هؤلاء المعرضين عن التدبر والتفهم لكتاب الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فالله عز وجل أبان أن هؤلاء قد تبين لهم الحق، وتبين لهم الهدى، وعلموه علما واضحا جليا. ومع هذا اتبعوا غيره. كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى، أدلة ذلك كثيرة وكثيرة وكثيرة، تبين أن القرآن أنزل لتدبره وللعمل بمقتضاه. بل إن القائل إن كتاب الله عز وجل لا يفهمه إلا مجتهد مطلق، هذا حث من هذا الشيطان الخبيث، والعياذ بالله، إلى هجر القرآن. الله عز وجل يقول عن الرسول يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. قال العلماء رحمهم الله تعالى: ومن أعظم هجر القرآن، ترك تدبر معانيه. أي التدبر لهذا القرآن، فإن الهجر يكون بترك تلاوته، ويكون كذلك بترك العمل بمقتضاه. ولا يكون العمل بمقتضاه إلا بماذا؟ إلا بالعلم بمعانيه. لذا قالوا: وكذلك ترك العلم بمعانيه. فالشيطان يدعوهم إلى هذا المعنى، إلى هجر القرآن، وترك القرآن. وكما ذكر الشيخ، وسمعتم، وأشرنا إلى بعض الأدلة في هذا، تدل بمقتضاها إلى أن بل بصحيح نصها، أنه واجب على كل مسلم أن يقرأ القرآن ويتدبره بقدر استطاعته. أنه على المسلمين أن يتدبروا كتاب الله عز وجل، بكل بحسب ماذا؟ بحسب استطاعته. أن يقرأ القرآن، فكل عربي أو كل من كان يحسن العربية ويفهم اللغة العربية، يعلم مثلا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يعلمها أم ما يعلمها؟ يعلم فما يقول قائل: لا، لا تفهم ولا تتفهم القرآن إلا أن تكون ماذا؟ من أهل الاستنباط. الله عز وجل يقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. يعلمه كل أحد. معناه أن الله عز وجل يأمر بعبادته وحده، وينهى عن الإشراك به. فيقول هذا الشيطان: لا، لا تفهم هذا، ولا يجز لك أن تفهم هذا. فإن لم يصل الإنسان إلى المعرفة، كانت له خطوات وخطوات خطرة إلى الوصول إلى ماذا؟ إلى عبادته، أي عبادة الشيطان. وترك عبادة الله عز وجل، لأنهم ليس عندهم سلاح يدفعون به هذا العدو، بل صاروا مجردين عن أسلحتهم، ببعدهم عن كتاب الله عز وجل، معرفة وتدبرا، وكذلك فهما لمعانيه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: إلى حد الضروريات العامة، أي إلى حد أن الآيات والأحاديث الدالة على هذا المعنى، على أن الله عز وجل حث على تدبر القرآن وتفهم معانيه، بلغت حد التواتر عموما. وهذا واضح، السنة جاءت بهذا كثيرا. النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاءت أحاديث كثيرة، يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية». ويقول صلى الله عليه وسلم: «رب مبلغ أوعى له من سامع». أي أفقه وأعلم باستنباطه. الله عز وجل أيضا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهؤلاء يكونون في كل زمان ومكان. في كل زمان، لابد من أن يكون لله عز وجل قائم بهذه الحجة. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». على الحق ظاهرين. وهكذا الأدلة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تدل على هذه المعاني، وهي مجمع عليها، لا خلاف بين أهل العلم، في هذا المعنى، من أن القرآن والسنة يعلم معناها، الأمة عموما. وإن كان بعض الأفراد أو كثير من الأفراد، قد يحصل لهم عدم معرفة في بعضها، في بعض المعاني قد تعرض لهم. ولكن من حيث العموم، أي عموم الأمة، فما من آية من كتاب الله عز وجل، إلا وهم يعلمون معانيها. وكذلك الأحاديث، رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث عموم الأمة، كذلك يعلمون معانيها. وإن كنا كما سمعتم، وإن كان بعضهم، أي في أفراد من الأمة، ربما وقع لهم أن خفي عليهم بعض تلك المعاني. وهذا من الفقه الذي يميز الله عز وجل به بعض الناس عن بعض. كما جاء في الصحيح، في صحيح البخاري، من حيث بجو حيفة، حينما سأل علي رضي الله عنه وأرضاه، فقال له: هل ترك أو أوصى لكم أوصى لكم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا، إلا كتاب الله عز وجل، أو قال: إلا فهما يفهمه، أو قال: يعلمه الله عز وجل من شاء من خلقه في القرآن. أي فهما يفهم به ماذا؟ القرآن. وكذلك الآثار في هذا الباب كثيرة. وكذلك أمر آخر، العلماء رحمهم الله تعالى، لا سيما علماء أصول الفقه، يذكرون في مسألة المجتهد، أن المجتهد على قسمين: أن المجتهد على قسمين: المجتهد اجتهادا جزئيا، ومجتهد مطلق. المجتهد اجتهادا جزئيا، هو الذي عنده أهلية اجتهاد في أمور جزئية، حد اطلع عليها، واجتهد في تحصيلها والاستنباط منها. والمجتهد المطلق، هو الذي آتاه الله عز وجل من العلوم الشيء الكثير، بحيث أنه يستنبط في مجالات شديدة. وهو الذي يرجع إليه عند النوازل، وفي كل زمان ومكان، أو في كل زمان، قائم بهذا الأمر. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يبعث على كل رأس قرن، أو قال: على كل قرن، للناس من يجدد لهم دينهم». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فيجعل الله عز وجل في كل مئة عام، يأتي من العلماء من يجدده شريعة الله عز وجل، الذي قد يكون حصل فيها خفاء في بعض الأمكنة دون بعض، أو في بعض الأزمنة دون بعض، فيظهرها الله عز وجل على يدي ذلك المجدد. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. قال الله عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذه الآية، التي فيها تقريع عظيم على من كان هذا حاله، ومن هذا شأنه، شأنه الإعراض عن كتاب الله عز وجل، وعدم تفهم معانيه وتدبر معانيه. قال الله عز وجل عن من كان هذا حاله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. لماذا؟ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. هم ينظرون، ولكن لا ينظرون. وهم يسمعون، ولكن لا يسمعون. يسمعون سمع إدراك، ولا يسمعون سمع توعية ومعرفة وإيمان. يبصرون بصر إدراك المبصرات، ولكن لا يبصرون الحق، ولا يعملون به. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. فهؤلاء سبب ما حصل منهم أولا، حصل من الله عز وجل أن زادوا في الضلال. قال: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. لا ينفعهم الإنذار، لأنهم ماذا؟ لأن قلوبهم قد صارت ماذا؟ لا تعي ما ينفعها أبدا. قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. هؤلاء هم الذين ينذرون، وهؤلاء هم الذين يستفيدون وينتفعون. قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. من كان هذا حاله، فهو المنتفع. ومن كان غير ذلك، فلم ينتفع في هدى الله عز وجل، ولا بما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، من البينات والهدى. وهذا حال كثير من هؤلاء، حال كثير من هؤلاء، أعرض بقلبه، قبل سمعه وبصره، فكان سببا لأن جعل الله عز وجل في أذنيه وقرا، وكذلك جعل في عينيه غشاوة. وكذلك طبع الله عز وجل على قلبه، فلا يؤمنون، حتى يروا العذاب الأليم، إلا من تغمده الله عز وجل بواسع رحمته، فعاد إلى الله عز وجل تائبا منيبا. والله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: آخره. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.