الدرس في شرح الأصول الستة 5، الدرس الخامس ( الأصل الرابع ... وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم ). ألقاها
يتناول هذا الفصل أهمية العلم الشرعي والعلماء في الإسلام، ويشرح أنواع العلماء وصفاتهم، ويبين دورهم في بيان الشريعة وتوضيحها ودعوة الناس إليها. كما يشدد على أن العلماء الحقيقيين هم الذين يخشون الله تعالى ويعملون بما يعلمون.
يتناول هذا الفصل خطورة نصف العلماء وعلماء السوء الذين يمتلكون معرفة سطحية أو غير صحيحة وينشرونها، مما قد يؤدي إلى إفساد الدين والدنيا. كما يبين أن هؤلاء يفسدون العالم باتباع الشهوات والشبهات وتبرير الباطل.
يتحدث هذا الفصل عن تغير مفاهيم العلم والدين حيث أصبح أهل الحق غرباء، بينما يروج للباطل على أنه الحق. ويحذر من الذين يلبسون الحق بالباطل ويتهمون أهل الحق بالتشدد والتزمت، مشيراً إلى خطورة هذا الوضع على الدين والدنيا.
يتضمن هذا الفصل الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنب واللجوء إلى الله طلباً للمغفرة. كما يشدد على أهمية هذه العبادات في التخلص من الذنوب والخطايا.
والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، فاشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: الأصل الرابع بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم. وقد بين الله تعالى هذا الأصل في سورة البقرة، من قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ إلى قوله: ﴿يا بني إسرائيل﴾ الآية، قبل ذكر إبراهيم عليه السلام. قال رحمه الله تعالى: ويزيده وضوحا ما صرحت به السنة في هذا من الكلام الكثير البين الواضح للعام والبليد. ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل. وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون. وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم. هذا الأصل الذي هو الأصل الرابع، بين فيه الشيخ رحمه الله تعالى مكانة العلم والعلماء، وهذا أيضا الأصل الرابع يصح أن يكون متمما للأصل الثاني. يصح أن يكون أيضا متمما للأصل الثاني، لأنه كما تقدم معنا في الدرس الماضي أن إقامة الدين وتوضيح الدين وبيان الدين يكون بأمرين أو من جهتين: بجهة أولاة الأمور، بجهة أولاة الأمور وولاة الأمور، كما في الآية السابقة: ﴿أطيعوا الله يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. قلنا: الأمر هم العلماء وهم الحكام، العلماء والحكام، العلماء ببيان الشريعة وتوضيحها ودعوة الناس إليها، والعلماء والحكام بإقامة الناس عليها وإلزام الناس بها. فمهمة العلماء البيان والتوضيح والدعوة، ومهمة الأمراء الإلزام بالقيام بشريعة الله رب العالمين. وهذا هو أصل الاجتماع، وهذا هو أصل من أصول الاجتماع. فقول الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا: الأصل الرابع بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء، أراد رحمه الله تعالى بقوله بيان العلم: العلم الشرعي. المراد العلم الشرعي، والذي امتدحه الله عز وجل في آيات كتابه، وامتدحه كذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث كثيرة. والعلم الشرعي هو العلم كما تقدم معنى في الأصول الثلاثة: ما هو العلم؟ تقدم معنى في الأصول الثلاثة، في أول شيء عرفه الشيخ، بماذا؟ بقوله: نعم، ومعرفة الله ومعرفة رسوله ومعرفة دين الإسلام بالأدلة الشرعية. وهذا كما تقدم معنى في درس الأصول الثلاثة، أو الثلاثة الأصول، أنه من أحسن تعريف العلم: معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة الشرعية أو بالأدلة. فمراد الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا بقول: بيان العلم، بمراد العلم الشرعي المتقدم ذكره، وهو الذي امتدح الله عز وجل، وامتدح كذلك من قام به حق قيام. فقال ربنا عز وجل: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، وقال ربنا عز وجل أيضا: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، وقال ربنا عز وجل: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾. والآيات في ذلك كثيرة، والآيات في مدح العلم والعلماء كثيرة. وفي هذه الإشارات أو في هذه الآيات إشارات، وكذلك من السنة أحاديث كثيرة، من أشهرها ما جاء في الصحيحين حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». فقوله رحمه الله تعالى: بيان العلم والعلماء، بيان فضل العلم والعلماء والفقه والفقهاء، ومن هم العلماء؟ وما هو العلم؟ ومن هم الفقهاء؟ فالشيخ رحمه الله تعالى في هذا الأصل أراد بهذا الأصل بيان أهل العلم ومن هم، بيان العلم ومن هم العلماء، وبيان الفقه ومن هم الفقهاء. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العلماء الشرعيين على ثلاثة أقسام: القسم الأول من حفظ الحديث وفقها فيه، فكان حاملا للحديث وكان مستنبطا للأحكام من تلك الأحاديث. القسم الثاني من هو حامل للحديث كحفاظ الحديث أو بعض حفاظ الحديث، ولكنه ليس عنده ذاك الفقه والاستنباط وحسن الاستنباط. والقسم الثالث عنده حسن استنباط وفقه، وليس عنده حفظ للحديث، ليس عنده الحفظ للحديث أي أسانيد الأحاديث مع متونها. ويدل على هذا ما جاء في صريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب مبلغ أوعى له من سامع». فقوله: «رب حامل فقه»، يدل على أنه ماذا؟ يحمل الحديث، ولكنه ليس عنده حسن استنباط. وهذا القسم رغم أنه كالقسم الثاني. و«رب مبلغ أوعى له من سامع»، هذا يدل على ماذا؟ على القسم الثالث، أنه عنده حسن استنباط، وإن لم يكن عنده قوة حفظ يحفظ الأحاديث مع أسانيده ومتونها. كما كان حال المتقدمين رحمهم الله تعالى، وكما كان حال المتقدمين. والقسم الأول هو حال أكثر المحدثين رحمهم الله تعالى من سلف هذه الأمة، فكان الغالب فيهم هذا: أنهم أهل حديث وفقه، أهل حديث وفقه واستنباط. لذا تجد العلماء رحمهم الله تعالى الغالب فيهم محدثين، أنهم محدثون وأنهم كذلك فقهاء. فالحاصل من هذا أن العلم والعلماء هو ما تقدم: العلم هو العلم الشرعي، والعلماء هم علماء الشريعة. والعلماء الذين هم علماء حقا هم من وصفهم الله عز وجل بقوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.️ نص غير واحد من أهل العلم أن العالم حقا: أن العالم حق من كان لله عز وجل أخشى. وقد روي هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: «ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم خشية الله». وكذلك روي عن إمام الحسن البصري رضي الله عنه ورحمه الله، أنه دخل بلدة، فقال: «أين فقهاؤكم؟ أو من فقهاؤكم؟» فقيل: فلان وفلان وفلان، وذكروا جملة. فقال رحمه الله تعالى: «ما أكثر فقهاءكم! إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل». فالحاصل من هذا أن العلماء الذين هم علماء بالله عز وجل، هم العلماء الذين أثنى الله عز وجل عليهم، وهم الذين دل الله عز وجل عليهم، وأمر بالأخذ عنهم. قال ربنا عز وجل: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، وكذلك قال ربنا عز وجل: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾. فهذه بعض أوصاف العلماء، هذه الآية ذكرت فيها أو ذكر فيها بعض أوصاف العلماء: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه﴾، لماذا؟ ﴿يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه﴾، ثم أشار الله عز وجل إلى حال هؤلاء، فقال: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾. فأهل العلم هم هؤلاء، أي أهل خشية، وأهل عبادة، وأهل عمل. فالعالم الذي يعمل بعلمه، ويخشى الله عز وجل في علمه. قال رحمه الله تعالى: وبيان من تشبه بهم وليس منهم، أي هذا الأصل كذلك فيه بيان من كان متشبها بالعلماء، وليس هو من أهل العلم، وليس هو من العلماء. وما أكثر هؤلاء في كل زمان ومكان، تجد بعضهم تعلم بعض المسائل، فنصب نفسه أو نصبه غيره لأن يكون واجهة يعلم الناس ويرشد الناس ويدل الناس. كيف يعلم الناس وهو جاهل؟ لم يتعلم ممن هو ليس من أهل العلم. لذا جاء عن بعض السلف أنهم قالوا: يفسد هذا العالم ثلاثة، وذكروا منهم: قالوا: ونصف عالم. قالوا: ونصف ماذا؟ نصف عالم، نصف طبيب، وذكروا خصلة ثالثة. قالوا: هؤلاء هم الذين يفسدون هذا العالم. نصف عالم: أي رجل تعلم بعض العلم، أو كان مثقفا، لم يتعلم على العلماء، ولم يأخذ العلم من أفواه العلماء، ولم يخالط ويجالس العلماء، ولا تتلمذ، ولكنه قرأ قراءة سطحية لبعض المسائل، لبعض الأحكام. فإذا به يتكلم في أمور الدين. وهذا مع أنه على خطر عظيم، باعتبار أنه قد يتكلم ولابد بغير علم. وهذا خطره عظيم، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾، وكما قال ربنا عز وجل: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. فهذا خطره عظيم، بل قد نص الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في إعلام الموقعين: أن القول على الله عز وجل بغير علم، في دينه وشرعه، أو في أسمائه وصفاته، أنه أشد من الشرك. أنه أشد من الشرك بالله عز وجل. ولذا جعله الله عز وجل بعد الشرك، في هذه الآية، إلى جانب هذا المعنى: أي أنه على خطر عظيم، وإثم كبير. أضف إلى هذا أنه كما سمعتم: أنه سبب لفساد الأرض، ولإفساد الأرض، كما أشرنا في قول بعض السلف: أنهم قالوا ماذا؟ الكلام السابق: أنه يفسد العالم ثلاثة، يسد العالم ثلاثة، ومنهم نصف متعلم، أو نصف عالم. فهؤلاء كذلك في من تشبه بهم، يدخل فيهم كذلك علماء السوء، دخولا أو أو لا، يدخل في المتشبه بالعلماء وهو ليس منهم: علماء السوء. فإن علماء السوء، وإن كانوا يعلمون بعض المسائل، إلا أنهم علماء السوء، بمعنى أنهم يتبعون الشهوات والشبهات في تبرير الحلال أو الحرام. فتجدهم يشرعون للناس من عند أنفسهم، اتباعا للهوى، كما هو حال اليهود. كما قال الإمام سفيان بن عيينة: «من فسد من علمائنا، ففيه شبه بمن فسد من علماء اليهود». لأن اليهود كما ذكر أئمة رحمة الله تعالى: عندهم علم، ولكنهم لم يعملوا بذلك العلم. فكذلك علماء السوء، قد يكون عندهم علم، ولكنهم لا يعملون بذلك العلم، فهم يتبعون الشهوات، إما لأغراض جنوية، أو عندهم من الشبهات ما تمنعهم من قول الحق والعمل به. كما هو حال كثيرين، وكثيرين من علماء ورؤساء الضلال. تجدهم يحاربون الحق، ويدفعون الناس عن الحق، ويدلون الناس على الباطل، في كل زمان ومكان. انظر إلى علماء الكلام، إلى الجهمية، إلى المعتزلة، إلى غيرهم من الطوائف، عندهم علماء، ولكنهم علماء سوء. انظر كذلك إلى القبورية، إلى علماء القبورية، من الصوفية والشيعة ونحوهم، يبعدون الناس عن دين الله عز وجل، ويدلونهم على ماذا؟ على الباطل، على عبادة غير الله عز وجل، وعلى رفع المخلوق من الصالحين زعموا، إلى منازل لا يستحقها إلا الله عز وجل. فيقومون أو يدعون الناس إلى عبادة غير الله عز وجل. هؤلاء كذلك يدخلون في هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: وقد بين الله تعالى هذا الأصل في سورة البقرة بيانا، من قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾، قال: إلى قوله: ﴿يا بني إسرائيل﴾ الآية. والآيات كما ترى نحو اثنتين وثمانين آية، أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى بين هاتين الآيتين. وفي هذه الآيات إذا نظر الناظر في هذه الآيات، يجد أن الله عز وجل ذكر أحوالا وأصنافا من علماء السوء، ذكر أصنافا وأحوالا لعلماء السوء. فمثلا في أول هذه السورة، يقول الله عز وجل عن هؤلاء العلماء: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾، هذا وصف من أوصاف علماء السوء. ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾، أي تزينوا الباطل فتلبسوه لباس الحق. ثم قال: ﴿وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾، هذه خصلة من خصال علماء السوء: أنهم يزينون الباطل فيلبسونه لباس الحق، ويظهرونه بأجمل الصور، ويخفون الحق الذي هو الحق، فيكتمونه ولا يبينونه للناس، وهم على علم أن ما أظهروه هو الباطل، وأن ما أخفوه هو الحق. ومن خصالهم أيضا ما ذكر أيضا في ضمن تلك الآيات، في قول الله عز وجل: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾، هذه كذلك خصلة أخرى من خصال علماء السوء: يأمرون الناس بالبر، وماذا؟ وينسون أنفسهم، أي لا يقومون بهذه الخصال، ولا يرفعون بالعلم رأسا. وأيضا إذا نظرنا إلى آخر الآيات في هذه الآيات التي أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى، نجد أيضا خصلة أخرى، وفي ضمنها خصال وخصال. من ذلك أنه قال: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾. هؤلاء حالهم هذا: أخفوا الحق، وعملوا وأظهروا الباطل، لأجل ماذا؟ لأجل عرض من الدنيا يسير. لأجل عرض من الدنيا يسير. فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم ماذا؟ يقولون: هذا من عند الله، لماذا؟ ليشتروا به ثمنا قليلا. ليشتروا به ثمنا قليلا. فهذا كذلك حال علماء السوء: أنهم يبيعون دينهم، يبيعون دينهم بعرض من الدنيا يسير. بعرض من الدنيا يسير. فهذه ثلاث خصال من خصالهم، ولهم خصال كثيرة، لمن تأمل الآيات المشار إليها. والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل. قال رحمه الله تعالى: ويزيده وضوحا ما صرحت به السنة في هذا من الكلام الكثير البين الواضح للعام والبليد. أي كذلك جاءت السنة موضحة ومبينة لهذا المعنى، أي تبين حال علماء السوء، وما هو حالهم يوم القيامة. فمن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أسامة بن زيد، في قصة ذاك الرجل الذي كان عالما من العلماء، فرأى النار وقد التفت أكباد بطون أهلها في الأرض أو في الجحيم، وهو يدور عليها. فقيل له: يا فلان، وهو في النار، ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. فهذه خصلة من خصال المذكور آنفا، فانظروا إلى حالها يوم القيامة، كيف يكون حاله؟ أكباد بطون أهل النار في جهنم، وهو يدور عليها، كدوران رحى، كدوران الرحى. وأيضا ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، وجاء مطولا في مسند الإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم: قارئا للقرآن، أي عالما من العلماء. فيؤتى به، فيقال له: ماذا عملت؟ فيقول: يا رب، تعلمت فيك القرآن وعلمته الناس بأجلك. فيقول له ربنا عز وجل: كذبت، بل تعلمت ليقال: بأنك عالم، فقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار، والعياذ بالله. إلى النار، والعياذ بالله. فكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنه قال: ويزيده وضوحا ما صرحت به السنة في هذا من كلام كثير. وفي هذه إشارة في الأحاديث المذكورة، إشارة إلى كلام الكثير البليد الواضح للعام البليد. قال: ثم صار هذا، أي هذا الأمر، وهو المذكور، وهو معرفة العلم والعلماء والفقه والفقهاء. ثم صار هذا أغرب الأشياء، أي هذا الأمر الذي هو أصل من أصول الدين، صار أغرب الأشياء. وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، أي من كان علمه مستمدا من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كان غريبا، بعيدا، نائيا. بخلاف أهل البدع الذين يزينون الباطل، ويزينون الخرافات، ويزينون الضلالات، ويزينون القرب بالله عز وجل والشركيات، هذا هو العلم. من أحل لهم الحرام، هذا هو الفقيه العالم، من هول عليهم ما حرمه الله عز وجل، هذا هو الفقيه المستنير الواعي، من تكلم في دين الله عز وجل بغير علم، هذا كذلك من الفقهاء أصحاب الصدور الرحبة. أما المتقيدون بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف هذه الأمة، هؤلاء غرباء. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء». فطوبى للغرباء. فهؤلاء غرباء، مع أنهم أهل الحق، وأهلهم، وأهل الله عز وجل وطاعتهم، ولكنهم غرباء. ومع هذا هؤلاء الغرباء الذين هم غرباء، منصورون بإذن الله عز وجل. وكذلك هم ظاهرون بإذن الله عز وجل، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». قال العلماء: ولا من خذلهم، أي من خذل الحق الذي معهم. ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة، وهم على هذه الحال، حتى قرب قيام الساعة، حينما ترفعهم الريح الطيبة التي يبعثها الله عز وجل بين يدي الساعة، فترفعهم، وهم على هذه الحالة، ظاهرين، منصورين بإذن الله عز وجل. لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك. قال رحمه الله تعالى: وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل. هذا هو الفقه والعلم، وهذا هو دين الله عند كثير من الناس. فتجد كثيرا من الناس، إذا قيل لهم مثلا: لا يجوز الطواف بالقبور، ولا عبادة القبور، ولا الاستغاثة والذبح للقبور، وما شابه ذلك. قالوا: هذا ما عنده علم، هذا متشدد، هذا متنطع، وهذا، رموه بماذا؟ بالألقاب الشنيعة المنفرة عنهم، وعما يحملون من الدين والعلم. وفي المقابل ينظرون إلى غيره، ممن يبيح لهم هذا الأمر: لا بأس بالتوسل بالصالحين، والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم. هذا هو العالم، وهذا هو الفقيه الذي يفقه دين الله عز وجل. فصار الحق باطلا، والباطل حقا. وصدق نبي رسول الله عليه وسلم إذ يقول: «ستكون أيام خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». وينطق فيها الرويبضة. فقل يا رسول الله: ومن هو؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة». السفيه يتكلم في أمر العامة. فهذا هو الحال كما ترون في هذا الزمن، بل وقبله بأزمان، بل وقبله بأزمان. أهل الحق لا يقبلون منهم، وأهل الباطل مقبول. بل إذا رأينا في كثير من المجتمعات المعاصرة، تجد بعضهم في هذه العصور، العلماء يبينون أن الربا حرام، كما بينه الله عز وجل بيانا واضحا شافيا في كتابه. فتجدهم يسمعون من بعض العلماء، علماء السوء المفتونين، تجويزا للربا، تجويزا للربا. فيقولون: هؤلاء هم الفقهاء، وهؤلاء الذين يفقهون الواقع، وينظرون في أحوال الناس، وفي المصالح والمفاسد. أما علماء الشريعة، فهؤلاء متزمتون، جامدون، ليس عندهم فقه، ليس عندهم فقه. وهذا من قلب الحقائق. إذا قيل لهم: الغناء حرام، كما قال الله عز وجل في كتابه، وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. قالوا: هذا ما عنده فقه، والذي يجيزه ويبيحه، قالوا: هذا هو الفقه، وهذا هو العالم. تقليب للحقائق. قال رحمه الله تعالى: وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق، ومدحه، لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون. أي في نظر هؤلاء، أي في نظر هؤلاء، لا ينطق به إلا هذا، إلا وصف بهذا الوصف. لا ينطق به إلا وصف بهذا الوصف، من رد الناس إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه الأوائل. قالوا عنه، أو وصفوه، ورموه بهذه الفرية، وهي كما ذكرنا: سنة قديمة الجاهلية، قد رمي بها الصلحاء من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: وصار من أنكره وعاداه، وصنف في التحذير منه والنهي عنه، هو الفقيه العالم. وصار من أنكر العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة، وعاداه، وصنف فيه في التحذير منه والنهي عنه، هو الفقيه العالم. هل يتصور هذا؟ أن إنسانا يحذر من كتاب الله وسنة رسوله، أو لا يتصور؟ يتصور. وهل وقع؟ أو ما وقع؟ الجواب: أنه وقع، وقع فيمن ينتسب إلى الإسلام، فضلا عن غيرهم. لذا نص من نص: أن الأخذ بظواهر كتاب الله عز وجل، أنه لا يجوز الأخذ بظواهر كتاب الله عز وجل، لأن ظواهر الكتاب: الكفر المحض. لأن ظواهر الكتاب: كتاب الله عز وجل، الكفر المحض. وأي تحذير بعد هذا التحذير؟ لا يجوز الأخذ بظواهر القرآن، لماذا؟ قال: لأن ظواهر القرآن: التشبيه والكفر. التشبيه، وماذا؟ والكفر. وهذه العبارة هي الكفر، هذه العبارة هي الكفر. أي من زعم أن كلام الله عز وجل، الذي هو تبيانا لكل شيء، الذي هو تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حميد. من زعم أن هذا الكتاب، الذي هو رحمة وشفاء وهدى وبيان، أن ظاهره الكفر، فما قالته هذه هي الكفر. ونكتفي بهذا، والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.