الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 24، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح ابن عثيمين أن وجود المحكم والمتشابه في القرآن مقصود لاختبار القلوب، فالمؤمن الصادق يرد المتشابه إلى المحكم ويثق بصدق القرآن كله. أما من في قلبه زيغ فيستغل المتشابه لتحريف المحكم واتباع الهوى.
يشرح المقطع أن ما يُتوهم تعارضاً في القرآن ليس حقيقياً لأن أخبار الله لا تكذب وأحكامه لا تتعارض لوجود النسخ، مستدلاً بتدرج تحريم الخمر. المنحرفون يتمسكون بالمتشابه ويتركون المحكم طلباً للفتنة.
يؤكد المقطع استحالة التعارض في أحكام الله لحكمته وعلمه، ويبين منهج العلماء في الجمع بين الآيات المتشابهة كهداية التوفيق والإرشاد. يستشهد المحاضر بكتاب دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي في هذا الباب.
يعلن المحاضر انتهاء الوقت فيختم الدرس موضحاً أن بقية الأمثلة ستُستكمل في درس قادم إن شاء الله. يختتم الجلسة بالبسملة والتسليم لله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "أصول في التفسير": قال: "الحكمة في تنوع القرآن لمحكم ومتشابه". قد يسأل سائل: لماذا لا يكون القرآن كله محكماً واضحاً جلياً، ما فيه متشابه؟ فالله عز وجل ما جعل ذلك إلا لحكمة سيبينها الشيخ فيما سيأتي إن شاء الله. فقال: "لو كان القرآن كله محكماً ما فيه متشابه، لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقاً وعملاً، لظهور معناه، فالكل سيؤمن به. لكن وجود المتشابه فيه اختبار لأهل الإيمان من أهل الزيغ والضلال، وتمييز بينهما". قال: "وعدم المجال لتحريفه"، يعني: لو كان كله محكماً لا، لفاتت هذه الحكمة؛ لأنه سيكون ظاهراً، ولا يستطيع أحد أن يحرف فيه لظهوره. هذا معنى قوله: "وعدم المجال لتحريفه". قال: "واتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتن وابتغاء تأويله"، يعني: يكون وجود المتشابه فيه سقوط من في قلبه مرض، سقوط من في قلبه مرض. قال: "ولو كان كله متشابهاً ما فيه محكم، كل متشابه، لفات كونه بيناً". القرآن أنزل بياناً، فلو كله متشابه لفاتت هذه الحكمة، وهدى للناس، ولا أمكن العمل به لوجود التشابه فيه، وبناء العقيدة السليمة عليه. قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ جَعَلَ مِنْهُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ﴾، وهذا المحكم يرجع إليهن، ويرجع إليهن عند التشابه. فمن عقيدة أهل السنة، أو يمكن أن نقول: من أصول أهل السنة، رد المتشابه إلى المحكم، رد المتشابه إلى المحكم. قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٍ﴾، امتحاناً للعباد، جعل منهم شيء من المتشابه ليمتحن العباد ويختبرهم، ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ. فصادق الإيمان يرد المتشابه إلى المحكم، والذي في قلبه زيغ يعمل بالمتشابه ويترك المحكم، كما بينا فيما سبق. قال: "فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله، حتى لو آية اشتبهت عليه وما عرف لها جواباً، لا يقع في قلبه شيء من الشك، أو شيء من الطعن في القرآن أبداً. قد يقول: هذا شيء قصر فهمي عن معرفته، ويعلمه غيري، فيؤمن بأنه من عند الله، ولا يقع في قلبه أدنى شك ولا شبهة أبداً". هذا هو حال المؤمن. فمثل الأمثال التي مرت، مثلاً: قال الله عز وجل: ﴿مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. فلو إنسان ما عنده الرد على من قال: إن هذه الآية فيها دليل على خلود أهل الكبائر في النار، وما عنده رد، معنى الخلود هو المكث الطويل، وما يحفظ مثلاً الآيات التي فيها أن صاحب الكبيرة تحت المشيئة، فيقول: هذه الآية من عند الله فهي حق، وهي من المتشابه عندي، لكن عند الراسخين في العلم لها جواب، فهذا من عند الله. هكذا تكون القاعدة عنده، هكذا لا يتشكك في القرآن، ولا يقع في قلبه انحراف وزيغ وضلال أبداً. هذا هو حال المؤمن. قال: "وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض، لقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾". فالقرآن ما فيه اختلاف، وما فيه تناقض، ولكن قد يقصر فهمك عن معنى هذه الآية، قد يقصر فهمك عن ذلك، فتقول: كل من عند الله، وغير يعلم ذلك، وأؤمن أن ذلك من عند الله وأنه حق. قال: "وأما من في قلبه زيغ، فيتخذ من المتشابه سبيلاً إلى تحريف المحكم، واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار، والاستكبار عن الأحكام. فإذا كان التشابه في آية فيها خبر، شكك في هذا الخبر، وإن كان في آية فيها حكم، شكك في هذا الحكم، فلم يعمل به واستكبر عن العمل به". قال: "ولهذا تجد كثيراً من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة، ما يذكرون المحكم. ما من مبطل ومنحرف لو نظرت إلى أدلته لوجدت أدلته من المتشابه، ما تجد له دليل من المحكم، لأن هذه من صفات من أهل الزيغ. فتجدهم يستدلون بالمتشابه ويتركون المحكم". هذه هي الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه. ثم قال: "موهم التعارض في القرآن"، ومعنى موهم التعارض سيأتي بيانه. قال: "التعارض في القرآن أن تتقابل آية بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبتة لشيء والأخرى نافية له". هذا هو معنى التعارض. ولم يقل: "التعارض في القرآن"، قال: "موهم"، لماذا قال: "موهم"؟ لأنه ليس هناك تعارض في القرآن، وإنما ما يتوهمه القارئ لهاتين الآيتين أنه تناقض، وهو في الحقيقة ليس بتناقض. فهمتم هذا الآن؟ فلا يجوز أن تقول: هناك تعارض في القرآن. لا تعارض في القرآن، ولكن قد يتوهم متوهم أن هذا تعارض، وهو ليس بتعارض، فيتوهم أن هذا: كيف هذا إثبات وهذا نفي، ولا يمكن الجمع بينهما عنده على ما وصل إليه علمه، فيظن أن هذا من التعارض، وهو ليس من التعارض. ثم قالوا: "ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري". ومعنى مدلولهما خبري: يعني هي من الأخبار، والخبر محتمل الصدق والكذب لذاته. فمثلاً: يخبر الله على سبيل المثال أن القرآن هدى للمتقين، هذا خبر، وفي آية أخرى: هدى للناس، هذا خبر آخر، فهذا خبر. فالخبر لا يمكن أن يقع التعارض فيه بين آيتين، يعني: يوهم الإنسان أن هناك تعارض، قال: "وهو مستحيل"، قال: "لأنه يلزم كون إحداهما كذباً، وهو مستحيل في أخبار الله تعالى". قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، فهذا لا يمكن أن يكون فيه التعارض. قال: "ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي"، والمراد بالحكمي: يعني مثل الصلاة أو المعاملات أو الخمر، حكمها الحكمي، يعني الحكم الشرعي. فهذا أيضاً لا يمكن أن يكون هناك تعارض في الأحكام. لماذا؟ قال: "لأن الأخير منهما ناسخ للأولى". فإذا ثبت النسخ زال التعارض. صح، زال التعارض لأن النسخ معنى: إزالة الحكم المتقدم بحكم متأخر، بحكم متأخر. فهذا لا يمكن أن يعني نسميه تعارض. قال: "لأن الأخير منهما ناسخ للأولى". قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. قال: "وإذا ثبت النسخ كان حكم الأولى غير قائم، ولا معارض للأخيرة". فمثلاً في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾، هنا نهى عن أن يقرب المصلي الصلاة، وأن يشرب المصلي الخمر عند إتيانه للصلاة. مفهوم الآية، مفهوم المخالفة: في الوقت الذي لا يأتي إليه المسلم إلى الصلاة، له أن يشرب الخمر. صح؟ لكن هذه الآية منسوخة، نسختها قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾، انتهوا تماماً عن الخمر، لا عند إتيان إلى الصلاة، ولا في أي وقت آخر. طيب، قد يقول غيري: إذن هذا تعارض، كيف نهانا عن شرب الخمر عند الإتيان إلى الصلاة، ثم الآية تقول: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾؟ فيقال: تلك الآية منسوخة، انتهينا، فبقي حكم الآية الأخيرة. واضح حكم الآية الأخيرة. قال: "وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، لأن القرآن إنما هو أخبار أو أحكام، صح، أخبار أو أحكام، ولا يمكن أن يقع التعارض في أخبار الله، ولا في أحكام الله". دليل استحالة التعارض في أخبار الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، و﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. ودليل استحالة التعارض في أحكام الله: قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فهو حكيم سبحانه وتعالى، وما يشرع لخلقه إلا ما يتناسب مع خلقهم، ومع قدرتهم واستطاعتهم، فلا تعارض في أحكام الله. طيب، وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك، فحاول الجمع بينهما، تجمع بينهما، فإن لم يتبين لك، وجب عليك التوقف، وتكل الأمر إلى عالمه. هذه هي القاعدة لمن ظن أن هناك، أو من توهم أن هناك تعارض بين آيتين: يحاول يجمع بينهما، إذا ما استطع لقصر فهمه وعلمه يتوقف، أو يسأل أهل العلم، ويكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن ما في القرآن حق، ولا تعارض بين آيات القرآن. وافهم هذا الآن. قال: "وقد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، بينوا الجمع في ذلك، جمعوا بينهما. ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب "دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله". إذن العلماء ألفوا في ذلك، العلماء ألفوا في موهم التعارض، وجمعوا بين الآيتين. وممن جمع: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وهو عالم قريب من عصرنا، فهو شيخ المشايخ المعاصرين، كالشيخ ابن باز، والشيخ كذلك غيره من مشايخ المعاصرين. قال: "فمن أمثلة ذلك: قوله تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، هذا في سورة البقرة: ﴿أَلِفْ لَامْ مِيمْ * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾". قال: "وقوله فيه، يعني في القرآن، في آية أخرى أيضاً في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾". فقد يقول قائل: كيف في الآية الأولى هدى للمتقين فقط، وفي الآية الأخرى هدى للناس جميعاً؟ فيظن أن في ذلك توهم تعارض، إذ جعله أولاً للمتقين، ثم للناس. قال: "فالجمع بينهما: أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية في الثانية هداية التبيين والإرشاد. لأن الهداية هدايتان: هداية التوفيق والانتفاع بهذا القرآن، وهذا لا يكون إلا للمؤمن المتقي، صح، المؤمن المتقي. وأما ما جاء في الآية الأخرى: هدى للناس، فالمراد به هداية البيان والإرشاد، فكل الناس يدعون إلى القرآن، ويبين لهم، ويتلو عليهم القرآن، لكن هل ينتفعون؟ لا، مش كل الناس ينتفعون، لكن هو فيه هداية للناس من حيث تبليغهم القرآن، من حيث تبليغهم القرآن". فإذن هكذا يكون الجمع بين الآيتين. قال: "ونظير هاتين الآيتين: قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ولكن الله يهدي من يشاء، وقوله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾". قد قاصر العلم يقول: هذا فيه تعارض، كيف في الآية الأولى يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، فنفى الهداية عن الرسول، والثاني يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فأثبت الهداية للرسول؟ فهمتم هذا الآن؟ فقاصر العلم يقول: كيف هذا تعارض؟ فنقول: لا، ليس تعارض. لماذا؟ لأن المراد بالهداية الأولى المنفية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، هداية ماذا؟ التوفيق. لأن الرسول لا يملكها، هداية التوفيق إلى الإيمان وإلى الإسلام، هذا لا يملكها إلا الله، فهو يوفق إليها من شاء من خلقه، ما يملكها الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو كان يملكها لهدى عمه أبو طالب، وكم كان يتمنى أن يسلم، فمات على الكفر أبو طالب ولم يسلم. صح. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، والآية نزلت في عم الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما الآية الثانية في الهداية المثبتة: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فالمراد بها هداية ماذا؟ الإرشاد. فهذا يملكها الرسول، وأتباع الرسول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فالداعي إلى الله يدعو بهداية الإرشاد والبيان، يبين ويرشد الناس، أما هل يقبل الناس وهل ينتفع بهذه الهداية، فهذا أمر إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى. هناك أمثلة أخرى، لكن الوقت قد انتهى، فنكمل بقية الأمثلة إن شاء الله في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.