الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 110، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع الفائدة التاسعة لغض البصر وهي أنه يفرغ القلب للتفكر في مصالح الدنيا والآخرة، بينما إطلاق البصر يورث الغفلة واتباع الهوى وضياع الأمور مستدلاً بآية الكهف. كما يذكر الفائدة العاشرة وهي الارتباط المتبادل بين العين والقلب، فصلاح أحدهما يصلح الآخر وفساده يفسد الآخر، فيصير القلب مزبلة للقاذورات إن فسد النظر.
يبيّن المقطع أضرار إطلاق البصر في المحرمات وما يورثه من حسرات وآفات قد تقود إلى الشرك كما حدث مع قوم نوح، ويذكر أن العلاج يكمن في شغل القلب بخوف مقلق أو حب مزعج لأمر أعلى. كما يستدعي بصيرة قلبية تميز بين درجات المحبوب والمكروه لتقديم الأحب والأهم، وضرب المثل ببني إسرائيل الذين استبدلوا المن والسلوى بالبصل والعدس لنقص بصيرتهم.
يشرح المقطع أن إمامة الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين، ويصنف الناس حسب انتفاعهم بالعلم إلى ثلاثة أنواع. ثم يبين أن من أسباب علاج العشق قبل وقوعه غض البصر واشتغال القلب بالقرآن وذكر الله ومجالس العلم لإصلاح القلب وطهارته.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد والحمد لله، ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، ضمن حديثه حول فوائد غض البصر. فوائد لغض البصر، وقد أجاد وأفاد وأبدع وأحسن رحمه الله تعالى، فذكر عشر فوائد لغض البصر، سبق معنا الكلام حول ثمانية منها، ثم قال رحمه الله تعالى: "قال التاسعة"، أي الفائدة التاسعة في غض البصر. قال: "التاسعة: أن غض البصر يفرغ القلب للفكرة في مصالح دنياه وآخرته، ويشغله بها عن التفكر في الشهوات". قال: "فإن إطلاق البصر في المحرمات يشتت القلب ويحول بينه وبين الفكرة، فتنفرط عليه أموره"، ومعنى "تنفرط" أي أنها تضيع وتهلك، وهكذا وهكذا تتعطل عليه أموره. قال: "وتقع في الغفلة عن ذكر ربه"، وتقع في الغفلة عن ذكر ربه. جاء في بعض نسخ "الداء والدواء" زيادة: "ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه". قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. في أي سورة هذه الآية؟ نعم، الكهف. ما أولها؟ ما أولها يا أبا نصر؟ ما أولها؟ أول الآية، أول هذه الآية التي آخرها: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. أولها يذكر الإنسان بفضل مجالس العلم وحلقي الذكر، ألا وهو... فصاحبك أبو محمد. طيب، أحسنت. نعم يا أبا إسحاق: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم"، مع الذين يدعون ربهم بالغداة أي أول النهار بعد الفجر، والعشي أي آخر النهار، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. "فرطًا"، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: قال "فرطًا" أي ضائعة معطلة، ضائعة معطلة، يعني ضياعًا وهلاكًا. ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، قال: أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، قال: أي أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع. ﴿وَلَا تَكُنْ مَطِيعًا لَهُ وَلَا مُحِبًّا لِطَرِيقَتِهِ وَلَا تُغَبِّطْهُ بِمَا هُوَ فِيهِ﴾، لا تغبطه بما هو فيه. قال: كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. فما أعظمها من آية يا إخوان. قال رحمه الله تعالى: قال: "فإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه"، يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه. ما هي هذه الأمور الثلاثة؟ ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، هذا الأمر الأول: الغفلة عن ذكر الله عز وجل. الأمر الثاني: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. الأمر الثالث: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال رحمه الله تعالى: "العاشرة: أن بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر"، أي أن أحدهما يؤثر على الآخر. أي أن القلب إذا صلح صلحت العين، وإذا فسد القلب فسدت العين، وهكذا العكس: إذا صلحت العين، يعني تنظر إلى أشياء طيبة، هذا يؤدي إلى صلاح القلب، وفساد العين، أي نظرها إلى الأشياء المحرمة، فهذا أيضًا يفسد القلب. قال: "وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده". قال: "فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب". قال: "وكذلك في جانب الصلاح". قال: "فإذا خربت العين وفسدت"، قال: "خرب القلب وفسد". قال: "وصار أي القلب، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ". ما هي المزبلة؟ القمامة التي توضع فيها الأوساخ والقاذورات. انظر كيف يصبح هذا المكان العظيم الذي هو... الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى. قال: "وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكن معرفة... معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك"، أي الأشياء الوسخة تكون في الموضع الوسخ. ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾، وهكذا الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات. ولهذا يا إخوان، إذا طهر القلب وصفى وأصبح نقيًا، فيصبح محلاً وموضعًا لماذا؟ للأعمال الصالحة، للخوف والمراقبة والتقوى والمحبة وغيرها من الأمور، وغيرها من الأمور. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، لأولي الألباب، لأهل العقول والقلوب النظيفة. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال: قال رحمه الله تعالى: "فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها، على ما وراءها، والله سبحانه أعلم". ويا لله، يا إخوان، كم لغض البصر من منافع كثيرة! ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى شيئًا منها، ذكر بعضها، والعكس بالعكس يا إخوان. إطلاق البصر والنظر إلى الأشياء المحرمة له مفاسد، وله آفات وأضرار، أضرار وخيمة وعواقب أليمة. مر معنا في كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عند الكلام حول اللحظات، فذكر أبياتًا لأبي الطيب المتنبي حيث يقول: كل الحوادث مبدأها من النظر وكل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر شرار صغير قد يحرق بيتًا كبيرًا. قال: "كم نظرة بلغت من قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتري"، بين القوس والوتري. "والعبد ما دام ذا طرف يقلبه"، يعني يمين شمال ينظر. "قال: في أعين الناس موقوف على الخطر". يسر مقلته ما ضر مهجته، لا مرحبا بسرور عاد بالضرر. العين يا إخوان قد تتلذذ بالنظر إلى الحرام، لكن القلب ماذا؟ القلب يتألم ويتوجع بالحسرات، وهكذا أيضًا بالندمة وغير ذلك. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى فيما سبق أن من آفات النظر أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، حرقة تكون في قلب صاحبه. قال: "والحسد أو الحسد والشهوات، وربما ألقى صاحبه في القتل وسفك الدماء"، وسفك الدماء. فإن العبد إذا أطلق لحظاته دامت حسراته، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. يدل على خطورة النظر، وهكذا أيضًا الأضرار التي تصيب الناظر إلى الحرام، وأن اللذة التي يشعر بها ما هي إلا لذة قاصرة ناقصة، فترة وجيزة، ويعقبها من الألم ما يعقبها. قال رحمه الله تعالى: "قال: فصل". وهذا الفصل عقده في الأمر الثاني الذي يعالج به... يعالج به العشق قبل أن ينزل، أي أنه من باب الوقاية التي تسلمنا من المرض والعلاج. قال: "فصل: الثاني: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك"، اشتغال القلب بما يصده عن ذلك، ويحول بينه وبين الوقوع فيه، وبين الوقوع فيه. قال: "وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج". فمتى خل القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب، وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بدًا من عشق الصور. وعشق الصور يا إخوان، عشق الصور سبب لي البلاء، وسبب لي الضرر، وسبب لي الهلاك. فما دخل الشرك على قوم نوح إلا من باب الصور، إلا من باب الصور. كما جاء في البخاري عن ابن عباس: أن بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد، وأول ما دخل الشرك على قوم نوح كيف ذلك؟ عن طريق الصور وتعلق القلوب بها، وتعلق القلوب بها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: "وشرح هذا"، أي ما مضى من الكلام. قال: "إن النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب". قال: "وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين، إن فقد أحدهما لم ينتفع بنفسه". قال: "أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه"، أي الذي يحبه أو الذي يكرهه. فإذا كان عنده بصيرة، وكما سبق: البصيرة تكون بماذا؟ البصيرة تكون بالقلب، كما أن البصر يكون بالعين. فهذه البصيرة تجعله ماذا؟ يفرق في درجات هذه المحبوبات، فيقدم الأحب على ما يحب، كلاهما محبوب لكن يقدم ما هو أحب إليه، وهكذا بالنسبة للمكروه: في ماذا يتخلص من المكروه الأعظم ولو بدفعه بالمكروه الأدنى؟ قال: "فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما". قال: "وهذه خاصة العقل وخلاصته، فلا توجد إلا كذلك، ولا يعد عاقلًا من كان بضد ذلك". لهذا يا إخوان، أنكر ربنا عز وجل وذم اليهود حين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، بالذي هو خير. أعطاهم الله المن والسلوى، ماذا يبغون بعد هذا؟ رزق، رزق عظيم، طعام لذيذ، لذيذ، ويأتيهم من غير كلفة. قالوا ماذا؟ قالوا: ﴿أَلَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. انظر. قال الله عز وجل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، تبغون بصلًا ثومًا وعدسًا وبقلًا وغيره بالذي هو خير؟ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾، وضرب الله عليهم الذلة والمسكنة. لاحظ: هذا هو طبعهم إلى قيام الساعة، أذل وعندهم مسكنة، لكن إذا وجدوا في أهل الإسلام ضعفًا فإنهم يظهرون الشجاعة كما يفعل اليهود اليوم في فلسطين، يظهرون للعالم أنهم أقوياء وأنهم شجعان، وهم ليسوا كذلك يا إخوان، ليسوا كذلك. لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى. فلا يوجد هؤلاء في مجتمع إلا وهم أذل صاغرين، أه، ماذا؟ حقيرين. قال رحمه الله تعالى: قال: "ولا يعد عاقلًا من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالًا منه". قال: "الثاني: قال: قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك". قال: "فكثيرًا ما يعرف الرجل ما... يعرف الرجل قدر التفاوت، يعرف أن هذا أفضل من هذا، لكن بسبب ضعف العزيمة وبسبب قلة الصبر تجده يأخذ... يأخذ الأدنى ويترك الأعلى، مع أنه يعرف أن هذا أفضل، هذا أفضل". قال: "يعرف الرجل قدر التفاوت، ولكن يأبى له ضعف نفسه وقوته وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع، من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته". قال: "ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره، وهذا هو الغالب على أكثر هذا الخلق، على أكثر هذا الخلق". قال: "وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين". إذا الإمامة في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين، ومن فقد الصبر واليقين يحرم إمامة الدين. قال: ﴿فَقَالَ تَعَالَى﴾، وبقوله يهتدي المهتدون: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾، وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا، متى؟ قال: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وكانوا بآياتنا يوقنون. و... أه، ماذا؟ وهذا يدل على ما سبق على أهمية الصبر واليقين، وأنهما سببان لإمامة الدين. قال: "فمن كان من أهل الصبر واليقين انتفع بعلمه ونفع به الناس، وضده لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره". ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره. قال: "فالأول: من الأول الذي ينتفع هو بعلمه، وهكذا ينتفع به الناس". قال: "فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس معه في نوره"، أي يستنيرون بهذا النور. "والثاني: أي الثاني الذي لا ينتفع بعلمه، وهكذا وهكذا لا ينتفع الناس كذلك أيضًا بعلمه". قال: "والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات، فهو يمشي في الظلمات، ومن تبعه في ظلمته". "والثالث: الذي هو ينتفع بعلمه فقط ولا ينتفع الآخرون بعلمه، علمه قاصر على نفسه". قال: "والثالث يمشي في نوره وحده". قال: "والله أعلم". وهنا يا إخوان، هذا من الأمور التي... التي تشهد الهمم، لأن... لأن يسعى المسلم إلى طلب... إلى طلب ما يكون سببًا في الإمامة، وذلك بالصبر واليقين. فمن دعاء المؤمنين الصادقين وعباد الرحمن المتقين: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، والذين يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. قال: قال بعض السلف: أي "اجعلنا مؤتمين بالمتقين"، نقتدي بهم، وماذا؟ نقتدي بهم. قال رحمه الله تعالى: "وهذا هو الأمر الثاني الذي هو يعتبر ماذا؟ يعتبر من أسباب علاج العشق قبل أن يقع، قبل أن يقع: غض البصر، والأمر الثاني: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه". فلا ينشغل بالتفكير في هذه المعاصي أو هذه الفواحش، ولا كذلك أيضًا يذهب يتابع أفلامًا وسلسلات، يسمع أغاني، أو يذهب ويجالس الأحداث والمردان الذين لربما فتن بهم، أو غيرها مما قد يشغل القلب فيصده عما فيه الخير والفائدة له. وإنما يشغل قلبه بالقرآن العظيم الذي جعله الله عز وجل هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور. وماذا في الصدور يا إخوان إلا هذه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. ينشغل يا إخوان بذكر الله عز وجل، فذكر الله تبارك وتعالى له أثر عظيم على صلاح القلوب. ربنا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ينشغل بمجالس العلم وحلق الذكر، فكم في مجالس العلم وحلق الذكر من صلاح القلوب! يسمع كلمة يا إخوان، كلمة فتقر في قلبه، فماذا تؤثر عليه؟ فيصلح حاله. يسمع كلمة نصيحة، موعظة، خطبة، يسمع درسًا، محاضرة، يتلقى نصيحة، فينتفع بذلك. الأعمال الصالحة هي من أسباب إصلاح القلوب، و... ماذا؟ وطهارتها، وكذلك أيضًا ماذا؟ نقائها من هذه الأمراض وهذه الأوساخ وهذه القاذورات. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا، وأن يصلح ظاهرنا وباطننا، وسرنا وعلانيتنا، وأن يصلح قلوبنا وجوارحنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة اشتركوا في القناة