التعليق على كتاب الداء والدواء 109

التعليق على كتاب الداء والدواء 109

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 109، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الفائدة السابعة: ثبات القلب وشجاعته

ذكر ابن القيم أن غض البصر يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة، جامعاً بين سلطاني البصيرة والحجة وسلطاني القدرة والقوة. واستدل بأثر مالك بن دينار أن من يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله، بينما من اتبع هواه تسلطت عليه الشياطين وذلّت نفسه.

ذل المعصية وعز الطاعة وحفظ البصر

أشار الحسن البصري إلى أن المعصية تلزم صاحبها الذل حتى مع القوة والجاه، بينما العزة الحقيقية تابعة لطاعة الله وذكره. وبيّن أن غض البصر يسد مداخل الشيطان إلى القلب، إذ تدخل النظرة أسرع من السم في الجسد.

تزيين الشيطان للصور المحرمة وعاقبة النظر

يشرح كيف يزين الشيطان الصور المحرمة لتستحسنها القلوب فتعكف عليها، مستشهداً بالآية والحديث عن المرأة عورة. ويصف النار التي تشتعل في القلب من الشهوات فتُظلم أرجاؤه وتسد طرق التوفيق، مع الإشارة إلى عقوبة أصحاب الشهوات في البرزخ كنار متنورة.

الختام والدعاء بالخير

يختتم المتحدث بالدعاء والتوكل على الله مؤكداً أنه ولي الأمور والقادر عليها. ويصلي على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين مختتماً بالتأكيد على علم الله المطلق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فمر معنا في الدرس الماضي، ضمن «الداء والدواء» وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وقد ذكر رحمه الله تعالى في سياق حديثه حول الدواء الذي يعالج به هذا الداء، ألا وهو داء العشق، وأن هناك طريقين: الأول قبل حصول ووقوع الداء، فتحسم مادته قبل حصولها، والثاني: الطريقة الثانية التي تكون بعد نزول الداء والمرض، فهذه الطريقة تقتلع هذا الداء. قال: «وكلاهما يسير على من يسره الله عليه، ومتعذر على من لم يعنه الله ويهديه إليه، فإن أزمة الأمور بيديه». وذكر رحمه الله تعالى أول ما ذكر: الطريق المانع من حصول هذا الداء، وبيّن أن هناك أمرين يمنعان من حصول هذا الداء: الأول: غض البصر، والثاني: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك. أما بالنسبة لغض البصر، فذكر رحمه الله تعالى أن النظرة عبارة عن سهم مسموم من سهام إبليس، وأن من أطلق لحظاته -أي نظراته- دامت واستمرت حسراته. وذكر رحمه الله تعالى أن في غض البصر منافع عدة، وبيّن أن غض البصر يعتبر بعض أجزاء هذا الدواء النافع، ثم ذكر هذه الفوائد، وسبق معنا الكلام حول ست من هذه الفوائد. قال رحمه الله تعالى: «السابعة» -يعني الفائدة السابعة في غض البصر-: أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطاني البصيرة والحجة، وسلطاني القدرة والقوة، كما في الأثر: «من يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله» -أي: يخاف الشيطان من ظله-. وهذا الأثر جاء عن بعض السلف، منهم الإمام مالك بن دينار رحمه الله تعالى، كما في «الحلية» لأبي نعيم رحمه الله تعالى. قال مالك بن دينار: «قرأت في التوراة...» وذكر رحمه الله تعالى مما قرأه هذا الكلام، أي: «من غلب... الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله، يفرق الشيطان من ظله». وهكذا جاء عن وهب بن منبه: قال: «من جعل شهوته تحت قدميه فزع الشيطان من ظله» -فزع: أي خاف الشيطان من ظله-. وهكذا جاء عن بشر الحافي رحمه الله تعالى، كما عند الإمام ابن الجوزي رحمه الله في «ذم الهوى». وهكذا جاء عن غيرهم. والمعنى -يا إخوان- صحيح: الذي يخالف هواه، وهكذا لا تتحكم به شهوته، هذا الشيطان يخاف منه، ويفرق منه، ويفزع منه. وأما من كان متبعاً للهوى، وهكذا مقدماً لشهوة النفس، فهذا تتسلط عليه الشياطين. قال رحمه الله تعالى: «وضد هذا تجده في المتبع لهواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها، وخستها وحقارتها، ما جعله الله سبحانه في من عصاه». كما قال الحسن -ويعني به: الحسن بن أبي الحسن، الحسن البصري رحمه الله تعالى-: «كما قال الحسن: إنهم وإن تقطعت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه، أن يذل من عصاه». وقوله -أي قول الحسن رحمه الله تعالى- في هذا الأثر: «إنهم» -أي أرباب المعاصي وأصحاب الترف والشهوات- «قال: وإن تقطعت بهم البغال». ومعنى «تقطعت»: أي أنها تصدر أصواتاً بحوافرها على الأرض الصلبة. والبغال: جمع بغل. ما هو البغل؟ ما هو البغل يا أبا عبد الله؟ ما هو البغل؟ بين الحمار وبين الفرس. نعم، زواج الحمار بالفرس فينتج هذا البغل. والبغل حيوان قوي يصلح للركوب وحمل الأثقال. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8]. وقوله: «وهملجت بهم البراذين». والبراذين: هذا يطلق على غير العربي من الخيول، وهكذا من البغال، من الخيول ومن البغال. وجاء في وصفها أنها عظيمة الخلقة، خلقتها عظيمة، وهكذا غليظة الأعباء، وقوية الأرجل، وعظيمة الحوافر. ويركبها غالباً أهل السلطة وأهل الأموال والترف. فهؤلاء قال: «وإن ركبوا، فإن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه». قال: «وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته». فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]. قال: «والإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن». وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] -أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب-. قال: «أي: من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره، من الكلم الطيب والعمل الصالح». قال: «وفي دعاء القنوت -أي الدعاء الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي أن يقوله في القنوت، جاء في بعضها في قنوت الوتر-: (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، ولا يعز من عاديت)». وهذا جاء عند أبي داود والترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، كما في «صحيح أبي داود» وغيره. قال: «فمن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه، وله من العز بحسب طاعته، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه، وله من الذل بحسب معصيته». ولهذا -يا إخوان- ربنا عز وجل أخبر أن الرفعة هي لأهل الإيمان وأهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «الثامنة: أن غض البصر يسد على الشيطان مداخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة، وينفذ معها إلى القلب، أسرع من نفوذ السم في الذي -أي في الذي- يلدغه ثعبان أو نحوه. فالشيطان يدخل مع النظرات سريعاً إلى أين؟ إلى القلب، إلى القلب. قال: (أسرع من نفوذ السم في الذي، ومن نفوذ الهوى في المكان الخالي). قال: (فيمثل له صورة المنظور إليه، فيمثل له صورة المنظور إليه، ويزينها، ويجعلها صنماً يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه)». ما الذي يزين هذه الصور -يا إخوان-؟ يجعل القلوب ماذا تنجرف معها؟ الشيطان. -يا إخوان-: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» -أي: جعل الناس ينظرون إليها بأنها حسنة جميلة، ولو كان عندها من ذمامة الخلقة وقبح المنظر، فالشيطان يزينها، الشيطان يزينها-. ولهذا تجد بعض من انحرفت فطرهم، وضعفت عقولهم وإيمانهم، قد يترك زوجته، ويذهب إلى هذه الأوساخ وهذه البؤر من الفساد، ومنابع الشر، مع أن زوجته قد يكون -ماذا- رزقها الله من الجمال والحسن والبهاء الشيء الكثير، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير -بالذي هو هو خير-. فهو الذي يزين هذه المناظر وهذه الصور، فيجعل الإنسان يستحسنها ويعكف عليها، ثم يعده ويمنيه. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]. قال: «ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة. قال: فيصير القلب في لهيب وحريق ودخان، فتظلم أرجاؤه، وتسد عنه طرق التوفيق. قال: فمن ذلك اللهيب تنشأ تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات، وذلك أن القلب قد أحاطت به نيران الشهوات من كل جانب، فصار في وسطها كالشاة في وسط التنور». لاحظ: شاة في وسط التنور. القلب قد أحاطت به هذه النيران، وهذه كذلكم أيضاً اللهيب. قال: «ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة، أن جعل الله لهم في البرزخ تنوراً من نار، وأودعت أرواحهم فيه، إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في المنام، في الحديث المتفق على صحته». الحديث المتفق على صحته: يعني بذلك حديث سمرة رضي الله تعالى عنه. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم الزنا والزواني في مثل التنور، أسفله واسع وأعلاه ضيق، يأتيهم اللهب من أسفل فيضطرب -أي: يصدر أصواتاً ويرتفع إلى أعلى-، فإذا هدأت النار نزلوا، وهكذا يفعل بهم. قال: «التاسعة: طيب، نؤخر التاسعة إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى، مع الأمر الثاني الذي يعالج به داء -يعالج به داء العشق- وذلك قبل نزوله، وهو: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك». ولاحظوا -يا إخوان- كيف أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أجاد وأبدع وأفاد في بيان هذه المنافع لغض البصر، مما يشحذ الهمم، ويقوي العزائم على المضي قدماً في ماذا؟ في حفظ البصر، واستعمال هذه الجارحة فيما أباح الله عز وجل، وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. أسأل المولى جل في علاه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظ أبصارنا وأسماعنا وجوارحنا، وأن يجنبنا المعاصي والآثام، والفِتن ما ظهر منها وما بطن. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.