الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها
صلاة الجماعة شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وقد دل الكتاب والسنة على وجوبها على الرجال. النبي صلى الله عليه وسلم حث عليها وبين فضلها وعظيم أجرها.
يتناول أحكام صلاة الجماعة مثل شروط خروج المرأة، وأهمية حضور الجماعة في المسجد، وحكم إعادة الصلاة مع جماعة أخرى. يشرح تفاصيل هذه الأحكام بالاستناد إلى الأحاديث والآثار.
يتناول الأعذار التي تبيح ترك صلاة الجماعة مثل المرض، الخوف من المرض، والأذى بسبب المطر أو البرد الشديد. يُشرح كل عذر مع الاستدلال بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، الباب السابع في صلاة الجماعة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: فضل صلاة الجماعة وحكمها. أولاً: فضل صلاة الجماعة في المساجد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، واتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أعظم الطاعات. فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة، منها الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف. وأعظم الاجتماعات وأهمها الاجتماع بعرفة، الذي يشير إلى وحدة الأمة الإسلامية في عقائدها وعباداتها وشعائر دينها. وشرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام لأجل مصالح المسلمين، ففيها التواصل بينهم، وتفقد بعضهم أحوال بعض، وغير ذلك مما يهم الأمة الإسلامية على اختلاف شعوبها وقبائلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. هذا من فضلها، أن الله جل وعلا شرع الجمعة والجماعات لأجل أن يحصل الترابط بين أهل الإسلام، بحيث يتفقد الأخ أخاه، ويتعلم الأخ من أخيه. وهكذا تحصل بين المسلمين من العلاقات والربائط والروابط الدينية، وكذلك الدنيوية، ويستفيد بعضهم من بعض، ويتثقف بعضهم على بعض، ويتعلم بعضهم من بعض أخلاقاً، وكذلك ديناً، وكذلك أموراً كثيرة، بفضل الله جل وعلا أولاً وآخراً، ثم بشرعه سبحانه وتعالى لنا هذه الاجتماعات العظيمة. فهذه بعض فضائلها، وفيها معنى من معاني حكمة الله جل وعلا في شرعه ودينه، وأن الله جل وعلا لا يأمر بشيء إلا لحكمة عظيمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. قال: وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وبين فضلها وعظيم أجرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ -يعني الفرد- بسبع وعشرين درجة». والحديث -كما ذكر- متفق عليه، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاة في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً». وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه. ثانياً: حكمها: صلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. قالوا: والأمر للوجوب. وإذا كان ذلك مع الخوف، فمع الأمن أولى. وهذه الآية ظاهرة في الدلالة على وجوب صلاة الجماعة على الصحيح من أقوال أهل العلم. قالوا: ومن السنة حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً. ولقد هممت أن آمر بصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». قالوا: فدل الحديث على وجوب صلاة الجماعة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أولاً وصف المتخلفين عنها بالنفاق، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقاً، فدل على أنهم تخلفوا عن واجب. وهذا دلالته كذلك واضحة على الوجوب. ثانياً: أنه هم بعقوبتهم على التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب. وإنما منعه من تنفيذ العقوبة أنه لا يعاقب بالنار إلا الله عز وجل. وقيل: منعه من ذلك من في البيوت من النساء والذرية، الذين لا تجب عليهم صلاة الجماعة. قالوا: ومنها أن رجلاً كفيف البصر، ليس له قائد، استأذاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته. فقال: «تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «أجب، لا أجد لك رخصة». أي: أن هذا الرجل الأعمى جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض الروايات أنه ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه. فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم بادئ الأمر، ثم دعاه، فقال له: «أتسمع النداء؟» قال: نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أجب، لا أجد لك رخصة». فإذا كان هذا الأمر بوجوب حضور الجماعة لمن كان أعمى، وهو من أهل الأعذار، فكيف بمن كان سليماً؟! فهذا كذلك دليل واضح على وجوب صلاة الجماعة. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر». وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجة، وغيرهم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وبعض أهل العلم يحسن الحديث مرفوعاً، وبعضهم يحسنه موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما. قالوا: ولقول ابن مسعود رضي الله عنه: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». وهذه الأدل بمجموعها تدلنا دلالة واضحة على وجوب صلاة الجماعة. والأدل -كما رأيتم- من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يذكره ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عن أحوال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق. قالوا: وهي واجبة على الرجال دون النساء والصبيان غير البالغين، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء: «وبيوتهن خير لهن». أي: أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها خير لها من صلاتها في المسجد. فأشهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد. وهذا من الأمور المجمع عليها بين أهل العلم، بأن المرأة لا تجب عليها صلاة الجماعة، ولا الجمعة. وإنما يشرع لها -مع أن المستحب أن تصلي في بيتها- أن تصلي في المسجد، إلا لمعنى، كما في صلاة التراويح ونحوها. فمثل هذا إن كان في حقها أنشط للعبادة، وكذلك لتدبر القرآن، إن لم تكن من حفظة القرآن، ولتمر على سماع القرآن، وما شابه ذلك، فلعله بهذا الاعتبار إن صلت في المسجد حسن. والله تعالى أعلى وأعلم. قال: فعلى كل إن هو أمر مشروع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنع إماء الله مساجد الله». كما في حديث ابن عمر في الصحيحين. أما الوجوب فلا. وكذا الأطفال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم: وعن الصبي حتى يحتلم». وفي الرواية: «حتى يبلغ». قالوا: أول مانع من حضور النساء الجماعة في المسجد، مع التستر والصيانة، وأمن الفتنة، بإذن الزوج، هذه شروط في خروج المرأة لصلاة الجماعة. أن تكون متسترة محتشمة محتجبة. ثانياً: الصيانة، أن تكون كذلك صينة دينة، لا تخرج وهي متزينة، ولا وهي متطيبة، أو متبخرة، هذا لا يجوز، حرام. فيجب على من أرادت أن تخرج إلى المسجد -بل من أرادت أن تخرج من بيتها إلى أي مكان- هذه الأمور المذكورة هاهنا، أن تكون متسترة، وأن تكون كذلك صينة، وأن تأمن الفتنة. وكذلك أن يكون بإذن الزوج. والزوج إن أذنت أو استأذنت، إن استأذنت في الخروج إلى المساجد مع توفر الشروط، فلا يمنعها. لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «لا تمنع إماء الله مساجد الله». أما إذا كان هناك فتنة يخشى عليها، إما بسببها، وإما بسبب أن في الطريق من لا يؤتمنون عليها، أهل سوء، فهاهنا تمنع. فهاهنا تمنع لهذا المعنى، لا لأنه يمنعها من المساجد، لكن يمنعها خشية الفتنة التي قد تحصل بها من غيرها، أو بها لغيرها. وعلى كلا الأمرين يكون المعنى الذي لأجله له أن يمنعها. وقد قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم حال النساء اليوم -هذا في زمن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، في زمن السلامة- قالت: «لمنعهن». ولما أذن لهن، أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. وهذا -كما سمعتم- يقول بالاعتبار الثاني: إن ظهر شيء من الفتنة، إما أن تكون نساء يعني ترخصن، أو توسعن في عدم التستر والتحجب والصيانة، ونحو ذلك، فهاهنا للزوج أو للولي أن يمنعها -كما سمعتم- إما للفتنة عليها، وإما للفتنة بها. قال: وتجب الجماعة في المسجد على من تلزمه، على الصحيح. وسأت من تلزمه. قال: ومن ترك الجماعة وصل وحده بلا عذر، صح صلاته، لكنه آثم لترك الواجب. بمعنى أن من صلى في بيته لغير ما عذر، فما حكم صلاته؟ صلاة صحيحة، لكن هل مع السلامة؟ الجواب: لا. صلاة صحيحة، وهو آثم لتركه الواجب من حضور الجماعة لغير عذر. المسألة الثانية: قالوا: إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى، هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها؟ أولاً: يعني مثال ذلك رجل صلى في مسجد صلاة العشاء، ثم جاء إلى مسجد آخر، فوجد الناس يصلون العشاء، هل يجب عليه أن يصلي مع الناس؟ قالوا: هاهنا لا تجب عليه إعادتها مع الجماعة، أي: لا يجب عليه إعادة الصلاة الأولى التي صلاها. قالوا: وإنما يسن له ذلك. أي: يسن له أن يصلي مع الناس. قالوا: والأولى فرض، والثانية نافلة. أي: الأولى تكون فرضاً؛ لأنه أداها على وجهها، والثانية تكون نافلة؛ لأنه قد أدى الفرض. قالوا: لحديث أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلي الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلي، فإنها لك نافلة». والحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهو نص في المسألة. وإذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل. ففي التنصيص على أن الأولى تكون هي الفرض، والثانية تكون نافلة، خلاف لمن قال غير ذلك. قالوا: ولقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين الذين اعتزلا صلاة الجماعة في المسجد: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة». طيب: الحديث أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الألباني رحمه الله تعالى. وأصله في الصحيحين، أصله في الصحيحين، من حديث عمارة بن حسين رضي الله عنهم وأرضاه. المسألة الثالثة: قالوا: ما تنعقد به الجماعة؟ قالوا: أقل الجماعة اثنان، بلا خلاف. بمعنى أن إذا كان اثنان في قرية، ليس فيها إلا رجلان، الباقون مثل نساء أو صبيان، هل تجب عليهم الجماعة؟ الجواب: نعم، تجب عليهم الجماعة. إن كانوا أقل من رجلين، ما هاهنا، فإلا رجل واحد هاهنا لا تجب عليه الجماعة. لأن الباقين ليسوا من أهل الجماعة، النساء والصبيان ليسوا من أهل الجماعة. والدليل على أنها تكون باثنين، قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، وليأمكما أكبركما». وهذا نص في المسألة. وليأمكما أكبركما. فكان اثنان، كان اثنين في سفر، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصليا صلاة الجماعة، وأمرهم بالأذان، وأمرهم كذلك بأن يأمهم الأكبر. المسألة الرابعة: بما تدرك الجماعة؟ قالوا: تدرك الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة. ومن أدرك الركوع غير شاك، أدرك الركعة، واطمأن ثم تابع. أولاً: قوله: تدرك الصلاة بإدراك ركعة من الصلاة، هذا يدل عليه ما جاء في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة». من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة. هذا نص في المسألة. بقي المسألة الأخرى، وهي: ومن أدرك الركوع غير شاك، أدرك الركعة، واطمأن ثم تابع. بمعنى أن من أدرك الإمام -من أدرك الإمام وهو راكع- دخل المسجد، والإمام مثلاً في صلاة العشاء في الركعة الرابعة، وهو راكع، هل يدرك الركعة أو قل: هل يدرك الصلاة أم لا؟ فالجواب: أنه -كما ذكر- قالوا: إذا أدرك -ومن أدرك الركوع غير شاك- ليس شاك هل أدرك أو الإمام رفع، اطمأن أم لم يطمئن؟ الجواب: أنه إذا أدرك الإمام راكعاً، وهو أدركه وركع واطمأن، وركع واطمأن خلفه، ثم رفع الإمام ورفع معه، هاهنا يكون قد أدرك الركعة. أما إذا دخل والإمام راكع، فكبر للركوع، وكبر وركع، أو الإمام رفع، هو كبر للركوع، والإمام رفع من الركوع، أو شك هل أدرك الإمام أم لم يدرك الإمام في ركوعه؟ هاهنا القاعدة أنه ماذا يطرح الشك، ويبني على ما استيقن. ما هو الذي استيقنه؟ عدم الإدراك، والإدراك ماذا؟ مشكوك فيه. فيدع الشك لليقين الذي عنده. وفي هذه الحال يكون لم يدرك صلاة الجماعة. فإذا صلى الإمام أو سلم الإمام، قام فصلى أربع ركعات، إذا كان من الصلوات رباعية. واضح هذا يا أخوة. قالوا: من أدرك الركوع غير شاك، أدرك الركعة، واطمأن ثم تابع، لحديث أبي هريرة: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- قال: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوا شيئاً. ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة». ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة. وكذلك يعني حديثه هنا -كما ذكر- رواه أبو داود وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. ويدل عليه كذلك ما جاء في صحيح البخاري، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، حينما دخل المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، قال: فركع دون الصف، ودب حتى دخل في الصف. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: «من الراكع خلف الصف؟» فقال أبو بكرة رضي الله عنه: «أنا يا رسول الله». قال: «زادك الله حرصاً، ولا تعود». قال: العلماء: أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يعود في الفعل السابق. وأما الركعة، فأقره عليها، ولم يقل له: وأعد الركعة. ولم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: وأعد الركعة. فسد الله بهذا الأمر على هذه المسألة أيضاً، إلى جانب ما ذكرناه قبل مما جاء من حديث -من قول- عبد الله بن الزبير، نحو هذا الذي حصل من أبي بكرة. وقال: «إنه السنة». المسألة الخامسة: من يُعذر بترك الجماعة؟ قال: يُعذر المسلم بترك الجماعة في الأحوال التالية: واحد: المريض مرضاً يلحقه منه مشقة، لو ذهب إلى الجماعة. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾. ولأنه صلى الله عليه وسلم لما مرض، تخلف عن المسجد، وقال: «مر أبا بكر فليصل بالناس». ولقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عَلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ». والحديث الأول متفق عليه، والحديث الثاني في مسلم -كما تقدم-. وكذلك الخائف حدوث المرض؛ لأنه في معنى أن من كان مريضاً، فيخشى أنه إذا خرج إلى المسجد يشتد به المرض. أو كان في خروجه إلى المسجد مشقة عظيمة، بحيث يشق عليه الصلاة على تلك الحالة، فإنه معذور. وكذلك ممن خشي على نفسه إن خرج إلى المسجد أن يصيبه مرض -يعني هذا قد يتصور في بعض المناطق الباردة- يتصور في بعض المناطق الباردة إذا اغتسل الإنسان قبل الفجر، إذا اغتسل الإنسان من الجنابة قبل الفجر، فلو خرج إلى المسجد ربما مرض، بل قد يتأكد أنه يمرض. لأسخف ما في المناطق الباردة. فمثل هذا لو خشي على نفسه المرض، فمثل هذا يكون عذراً من أعذار حضور الجماعة. والأعمال بالنيات. والأعمال بالنيات. ثانياً: المدافع أحد الأخبثين، أو من بحضرة طعام محتاج إليه. لحديث عائشة مرفوعاً: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين». وتقدم الكلام على هذه المسألة، وعلى التفصيل فيها: أنه قد يكون عدم الحضور واجباً، وقد يكون ماذا؟ وقد يكون مكروهاً. أي: إذا كان نفسه متعلق بالطعام شيئاً يسيراً. وأما إذا كان الطعام ليس بحاضر بعد، أو مدافعة الأخبثين ليست بتلك -شيء يسير- فيحضر الصلاة. يحضر الصلاة -كما تقدم الكلام على هذه المسألة فيما مضى-. ثالثاً: من له ضائع يرجوه. يعني إنسان ضاع عليه -إما ولد- إما مال -إما يعني كذلك بعض الدواب- فذهب يطلبه ويرجو حصوله. يعني متى انفرج عليه عنز أو إبل، فذهب يتبعه، وحضرت صلاة الجماعة، هل يترك متابعة ذلك ويحضر جماعة؟ إن كان يرجوه -بمعنى أنه إذا تابعه يستطيع أن يتوصل إليه- فلهم أن يتوصل إلى حاجته، ولو ترك الجماعة؛ لأنه إذا حضر الجماعة سيكون قلبه معلقاً بذلك الشيء الفائت. فيكون حاله أشد من حال من حضر الطعام بين يديه. يكون حاله أشد من حال من حضر الطعام بين يديه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضرة طعام» -كما تقدم-. قال: أو يخاف ضياع ماله. كذلك إنسان عنده مال مثلاً -كما ترون أحياناً في بعض الأسواق- تكون مفروشات في الشارع، إذا خرج يذهب المسجد، ممكن ما يقضي شيء إذا رجع إليه. فمثل هذا لا بد أن ينوب -يعني يكون إنسان يصلي، وآخر ينوبه-. فإن تخلف أحدهم لأجل حفاظ عن المال -لأجل هذا المعنى- هذا كذلك من الأعذار؛ لأن فيه كذلك معنى من معنى شغل القلب بماله، وخشية كذلك ضياع ذلك المال. وقد جاءت شريعة بالحفاظ على الضروريات الخمس، ومنها المال. قالوا: أو يخاف ضياع ماله، أو قوته، أو ضرراً فيه، إما بسرقة، وإما بإحراق، أو غير ذلك. قالوا: لحديث ابن عباس مرفوعاً: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر». قالوا: فما العذر يا رسول الله؟ قال: «خوف أو مرض». لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى. والحيث -كما تقدم- صححه العلامة الألباني. وبعض العلماء يحكم عليه بالوقف. والمعلق هاهنا يقول: رواه أبو داود، وهو ضعيف بهذا اللفظ، لكنه صحيح بالأثر: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر». طيب: وعلى صحة الحديث مرفوعاً، معنى «لا صلاة له إلا من عذر»: أي لا صلاة كاملة. لا صلاة كاملة. وليس معنى «لا صلاة له» صلاة صحيحة -يكون من صلى في بيته أن الصلاة باطلة-. بني الصواب على صحة الحديث: أنه لا صلاة له كاملة. جمعاً بينه وبين غيره من الأدلة -كقول النبي صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في بيته -أو سوقه- أو صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاة في بيته أو سوقه بخمس. وفي رواية: بسبع وعشرين درجة. أو لو تفضل يدل على صحتها. ولكن الأخرى أفضل، وأجل، وأوجب. بل هي الواجبة -كما سمعتم-. قالوا: رابعاً: حصول أذى بمطر، ووحل، وسلج، وجليد، أو ريح باردة شديدة، بليلة مظلمة. يعني حصول الأذى بمطر، ووحل، وسلج، وجليد، أو ريح باردة شديدة، بليلة مظلمة. لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: ألا صل في الرحال. ألا صل في الرحال». بمعنى أن هذه رخصة من الرخص التي رخص بها لأهل الإسلام، عند شدة الخوف، عند شدة البرد، عند شدة المطر، أو عند حصول المطر، وما شابه ذلك. والحديث متفق عليه. خامساً: حصول المشقة بتطويل الإمام؛ لأن رجلاً صلى مع معاذ، ثم انفرد فصلى وحده؛ لما طول معاذ، فلم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم حين أخبره. ولكن ما هو الضابط في المشقة؟ يعني الضابط في المشقة: أن يطول إطالة طويلة -كما حصل من معاذ رضي الله عنه وأرضاه- إذ أنه قرأ بسورة البقرة. جاء في بعض الرواية: أنه صلى بهم بصلاة بسورة البقرة. فبعض الناس قد يكون عنده بعض الأشغال، يدخل المسجد، يقول: سأصلي وسأخرج، أتابع عمالي وأشغالي. فيسمع الإمام يدخل في سورة البقرة، يقول: الآن يركع، الآن يركع، الآن يركع. والرجل يمشي يمشي. فمثل هذا قال العلماء: ورخص العلماء: إن كانوا حاجة، أو كان قلبه معلقاً بحاجة -يعني كما جاء في قصة هذا الرجل- أنه كان له إبل. كان له إبل. فإذا كان لهذا المعنى، له أن ينفرد ويصلي -أن ينفصل عن الإمام ويتم صلاته ثم يسلم ويذهب إلى أمره وحاجته-؛ لأن هذا عذر بسبب التطويل الزائد من الإمام. وليس كل تطويل ما يأتي إنسان يسمع الإمام يقرأ بسورة من سور -كما يقال- يعني سور مفصل. فيقول: هذا أطال علي فيخرج. ويقول: عندي عذر. قرأه معاذ بسورة البقرة. والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في صحيح البخاري، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة بهم المغرب بسورة الأعراف. بسورة الأعراف. فالحاصلة: أن هذا يحمل على أحوال -يحمل على أحوال-. سادساً: خوف فوات الرفقة. خوف فوات الرفقة في السفر؛ لما في ذلك من انشغال قلبه. إذا انتظر الجماعة، أو دخل فيها مخافة ضياع وفوات رفقته. هذا كذلك في معنى من معنى انشغال القلب. فيدخل بالقياس في معنى من حضر الطعام، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام». انشغال قلبه. وهذا كذلك انشغال قلبه بفوات الرفقة. يكون الرفقة عنده باص -صلوا- وقصة انتظر جماعة، دخل في الجماعة، وإمام بدأ يصلي. فمثل هذا أيضاً عذر. يعني له أن يترخص، فلا ينتظر الجماعة، يصلي منفرداً وينطلق مع أصحابه، حتى لا يفوته أصحابه. سابعاً: الخوف من موت قريبه، وهو غير حاضر معه. كأن يكون قريبه في سياق الموت، وأحب أن يكون معه، يلقنه الشهادة، ونحو ذلك. فيعذر بترك الجماعة لأجل ذلك. وهذا كذلك في معنى من معنى انشغال -انشغال القلب-. ثامناً: ملازمة غريم له، ولا شيء معه يقضيه. فلو ترك الجماعة لما يلحقه من الأذية بمطالبة الغريم، وملازمة إياه. أي: كله غريم عنده دين، أو ما شابه ذلك. فرأى في يد الغريم مالاً، يقول: سأتابعك اليوم، سأمشي معك، أعطني مالاً. يقول له: تعال نذهب له هنا، نرجع إلى فلان مالي عنده فلان. وقامت الصلاة. يخشى أنه إن ترك الغريم لا يجده، يخرج أو يسافر. فمثل هذا كذلك في معنى من معنى شغل القلب بطلب ماله الذي عند الغريم. فهذا كذلك في معنى من معنى الرخصة لترك الجماعة. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.