الدرس في كتاب الصلاة 41، ألقاها
يشرح آداب دفن الميت وتجهيز القبر بما في ذلك تعميق القبر وتوسيعه وإعداد لحد ووضع الميت على شقه الأيمن مستقبل القبلة. يتم تسديد فتحة اللحد باللبن والطين أو ما يقوم مقامهما.
يتناول أحكام القبور وضرورة رفعها عن الأرض قدر شبر وتسنيمها، مع نهي النبي عن البناء عليها وتجصيصها والجلوس عليها وكتابة الكتابات عليها إلا للضرورة. يُحذر من أن هذه الأفعال قد تؤدي إلى الشرك.
يُحرم البناء على القبور وتجصيصها والجلوس عليها وكتابة العبارات عليها؛ لما في ذلك من تعظيم وغلو وافتخار، ولما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. الأصل في النهي التحريم ولا دليل على صرفه إلى الكراهة.
أنهى الشيخ درسه بعبارة تشير إلى الاكتفاء بما تم شرحه حتى الآن، ثم ختم بالدعاء والاستغفار. جاء ذلك بعد استعراض الأحكام المتعلقة بالقبور والآداب المرعية في التعامل مع الموتى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الثامنة: دفن الميت، وصفة القبر، وما يسن فيه. قال: ويسن أن يعمق القبر، وأن يوسع، وأن يلحد له فيه، وهو أن يحفر في قاع القبر حفرة في جانبه إلى جهة القبلة، فإن تعذر اللحد فلا بأس بالشق، وهو أن يحفر للميت في وسط القبر. لكن اللحد أفضل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللحد لنا، والشق لغيرنا». والحديث رواه الترمذي وغيره، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بإسناد حسن. وقوله رحمه الله تعالى: ويسن أن يعمق القبر، وأن يوسع له؛ كما جاءت في ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، منها أنه وقف على قبر، فجعل يقول: أوسع له من جهة رأسه، أوسع له من هاهنا. وأن يلحد له، وكما ذكر اللحد: أن يوضع، أو أن يجعل شق في القبر إلى جهة القبلة إن أمكن، أي: إن كان التراب يسمح بذلك، إن كان من نوع المتماسك. أما إذا كان في أرض غير متماسكة، لا يستطاع فيها أن يعمل اللحد، فيكتفى في ذلك بالشق، أي: بحفرة دون أن يكون فيها لحد. أو تكون الأرض صلبة، في مكان صخري، وما شابه ذلك، فيتق الإنسان ربه ما استطاع. وكلا الأمرين جائز، لكن اللحد أفضل. قالوا: ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة، وتسد فتحة اللحد باللبن والطين. وهذا كما جاءت كذلك الأحاديث والآثار في ذلك، وأن الميت يستقبل به القبلة؛ كما جاء في الحديث: «قبلتكم أحياء وأموات». قالوا: وتسد فتحة اللحد باللبن والطين، أي: إن أمكن، ووجد اللبن، وكذا الطين. فإن لم يكن اللبن، فيعمل ما يسد به اللحد من حجارة، أو صخور، أو نحوها؛ يعمل شيء الذي به يسد اللحد في حالة عدم وجود اللبن. قالوا: ثم يهال عليه التراب، أي: بعد أن يسد اللحد. ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، مسنمًا. ومسألة اللبن، وما شابه ذلك، مما جاءت الأحاديث في ذلك، أنه فعل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنمًا، أي: على هيئة السنام؛ لثبوت ذلك في صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه. أي: يكون فيها شيء من التسنيم، تكون مسنمة. وبعضهم ذكر السبب في ذلك؛ قال: لأنها لا تكون سببًا يعني لا ينهال التراب، وتنتثر يمينًا وشمالًا. قالوا: ليعلم أنه قبر، فلا يهان، ولا بأس بوضع أحجار، أو غيرها على أطرافه؛ لبيان حدوده، ومعرفته. وهذا أيضًا قد جاءت فيه بعض الأحاديث، كما في «أحكام الجنائز» للعلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهو من أحسن الكتب التي اعتنت بالأحاديث الثابتة في أحكام الجنائز. قال: ويحرم البناء على القبور، وتجصيصها، والجلوس عليها، كما يكره الكتابة عليها إلا بقدر الحاجة للإعلام؛ لحديث جابر رضي الله عنه، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. زاد الترمذي: «وأن يكتب عليها». قالوا: لأن هذا من وسائل الشرك، والتعلق بالأضرحة، وهذا مما يغتر به الجهال، ويتعلقون به. والقول في تحريم البناء على القبور، وتجصيصها: هو كما قيل. والبناء معلوم: أن يبنى على القبور، ومنه نعلم جهل كثير من الناس ممن خالفوا هذا النهي، فتجدهم يبنون على القبور، بل ويبالغون في البناء، بل ويشيدون عليها القباب كهيئة المساجد، ثم يكون ذلك سببًا لعبادة تلك القبور، والغلو في تلك القبور بسبب هذا الأمر، وبسبب مخالفة ذلك النهي منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فنهى عن البناء على القبور لأمور، ومنها: حتى لا يقع الجهال في الغلو في القبور، ثم يتخذونها مساجد تعبد، أو يعبد عندها. والأمر، أو كلا الأمرين، قد حصل منهم من لا يجد الراحة إلا بأن يتعبد الله جل وعلا عند القبور، يتلو القرآن، ويذبح الذبائح، ويُنذر النذور، وما شابه ذلك عند تلك القبور، متقربًا بها إلى الله. فإن فعل ذلك، فهذه من البدع، ومن الشرك الأصغر. وأما إن ذبح لأصحاب القبور تقربًا لهم، أو نذر لهم، أو استغاث بهم، أو ما شابه ذلك، فهذا من قبيل الشرك الأكبر. وكل الأمرين قد وقع. فتحريم البناء على القبور لأجل أمور عظيمة، منها حماية التوحيد، وصيانته من أن يقع فيه شيء مما هو ليس منه. وتجصيصها: والتجصيص مأخوذ من الجص، وهو معروف، تقصيص بأن يعمل عليها الجص، وهو كذلك نوع من الزينة لها. والجلوس عليها: الأول النهي فيه لأجل خشية التعظيم، والغلو. والبناء، والتجصيص، والنوع الثالث: الجلوس عليها، حذرا أو تحذيرا من امتهان القبور، فلا إفراط ولا تفريط. قالوا: كما يكره الكتابة عليها إلا بقدر الحاجة للإعلام. ومعنى بقدر الحاجة للإعلام: أي للإعلام بأن هذا القبر للشخص الفلاني، بأن يذكر القبر: هذا قبر فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان. وهذه الصورة خاصة جوزها بعض أهل العلم مع الكراهة. قالوا: وإنما المنهي عنه هو ما كان يفعله أهل الجاهلية من الكتابة على قبور الأموات بذكر فضائلهم، ومناقبهم، وما شابه ذلك؛ على سبيل العجب، والافتخار. قالوا: فنهى الشرع لأجل هذا المعنى عن الكتابة على القبور. ومن أهل العلم من رأى أن النهي للتحريم، وهو يتناول الأول والثاني، أي: سواء كان للإعلام أو لغيره. وهذا هو الأظهر؛ لعموم الحديث، لعموم النهي في الحديث. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه». والأصل في النهي أنه للتحريم، ولا قرينة صارفة لهذا النهي عن هذا الأصل، فيبقى على أصله. وهذا الذي رجحه الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتاب «نيل الأوطار». فالصحيح في الكتابة أنها محرمة؛ سواء كانت للإعلام أو لغيره؛ وذلك بهذا الحديث. والأمر الثاني: أنه لم يعلم أنه كتب على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على قبر أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا أحد من الصحابة. وإنما هو فعل محدث. والله أعلم. قد جاء الوقت، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.