التعليقات على كتاب الأدب المفرد 257

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 257، ألقاها

تحريم سب الدهر وآداب التسمية

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر لأن الله هو الذي يتصرف فيه، كما نهى عن تسمية العنب بالكرم. هذا يدل على أهمية انتقاء الألفاظ وتجنب ما قد يعتبر سبًا أو إساءة.

آداب المجالسة والتعامل بين المسلمين

يناقش المقطع آداب المجالسة والتعامل بين المسلمين، ويحذر من النظر إلى شخص غادر المجلس أو سؤال الآخرين عن أمورهم الشخصية. كما يشرح معنى بعض العبارات المستخدمة في التحذير والتنبيه.

أحكام الوضوء بعد تناول أنواع اللحوم

كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مسته النار في أول الإسلام، ثم نسخ هذا الحكم فيما عدا لحم الإبل. يتوضأ من أكل لحم الإبل فقط، ولا يتوضأ من أكل غيره من اللحوم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شرف الخلق المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي بكر بن يحيى الأنصاري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقول أحدكم: يا خيبة الدهر»، قال الله عز وجل: «أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضهما»، ولا يقولن للعنب: الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم. هذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وهذا الحقيقة ذكره رحمه الله في هذا الباب الذي بوب عليه بقوله: «باب لا تسب الدهر». والشاهد منه ظاهر في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقول أحدكم: يا خيبة الدهر»، قال الله عز وجل: «أنا الدهر، أرسل الليل والنهار»، وفي رواية: «أقلب الليل والنهار». ومعناه أن الله جل وعلا هو المتصرف في الدهر، وهو المسير له، فالساب للدهر ساب للمدبر له والمتصرف فيه، وهو الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز كما مر معنا للمسلم أن يسب الدهر. وكذلك فيه كراهة تسمية العنب الكرم، لا يقال للعنب: الكرم، والكرم بمعنى الكريم، وهو كثرة المنافع، وهذه الصفة أولى بها المسلم، لكثرة منافعه وكثرة خيره، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يقولن للعنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم»، أي: أولى من يسمى بذلك هو الرجل المسلم. قال: «باب لا يحد الرجل إلى أخيه النظر إذا ول». قال: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ليث، عن مجاهد، قال: يكره أن يحد الرجل إلى أخيه النظر، أو يتبعه بصره إذا ول، أو يسأله: من أين جئت؟ وأين تذهب؟ وهذا الأثر ضعيف لضعف ليث، وهو أبو سليم، وهو مختلط، لكن معناه صحيح. فقوله: «باب لا يحد الرجل إلى أخيه النظر إلى ول»، يعني: إذا كان جالسًا في المجلس، ثم قام من المجلس وذهب، فلا يحد أحد الحاضرين في المجلس النظر إلى أخيه الذي قد ذهب وقام، فينظر إليه ويتبعه نظره، لأن هذا مما يوقع البغضاء والعداوة في قلب أخيه، فيقول: لماذا ينظر إليه؟ ماذا فعلت له؟ هل قلت فيه شيء؟ هل أخطأت في حقه؟ فتدخل الوساوس، ويدخل الشيطان بينه وبين أخيه، فالأجل ذلك كان من الأدب أنك لا تتبع النظر إذا قام. وهكذا أيضًا لا يسأله: من أين جئت؟ وأين تذهب؟ هذا أيضًا خلاف الأدب، تقول له: أين ستذهب؟ أو من أين جئت؟ أو أين تريد؟ لأن هذا سؤال في شيء لا يعنيك، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فلئلا أن تكثر مثل هذه الأسئلة، فهذه تضيق على أخيك، وربما كره مجالستك بسبب مثل هذه الأسئلة، لأنه يرى أنك تتدخل في شؤونه وفي أحواله، وهذا مما لا ينبغي. فالأثر وإن كان ضعيفًا، لكن معناه صحيح، تدل عليه عموم الأدلة التي فيها سد الذرائع لكل ما يوصل إلى الوقوع في الشحناء بين الأخ وأخيه. قال: «باب قول الرجل للرجل: ويلك»، أي: ما حكم أن يقول الرجل للرجل: ويلك، وهي كلمة تطلق ولا يراد بها ظاهر هذه الكلمة، وإنما تجري على اللسان، ويقصد منها التنبيه والتحذير والتخويف. قال: حدثنا موسى وابن إسماعيل، قال: حدثنا همام وابن منبه، عن قتادة، وابن عون، أبو الخطاب السدوسي، عن أنس، وابن مالك، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: «اركبها»، فقال: إنها بدنة، قال: «اركبها»، قال: إنها بدنة، قال: «اركبها»، قال: إنها بدنة، قال: «اركبها ويلك». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يسوق بدنة، والبدنة ما أهدي إلى الحرم من إبل أو بقر لتذبح في الحرم وتوزع لفقراء الحرم، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يسوقها، فقال له: «اركبها»، أي: اصعد على ظهرها وانتفع بالركوب بها، فقال: إنها بدنة، فقال: «اركبها»، قال: إنها بدنة، يعني: كأنه يقول: إنها أهديت للحرم، ويظن أنه لا يجوز الانتفاع بها وركوبها، فقال: «اركبها ويلك»، يعني: اسمع لما أقول واركبها، فإن ذلك لا بأس به. فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة في هذا الحديث، وهي كما قلنا تستخدم للتنبيه والتذكير إلى أن هذا الأمر ليس فيه شيء. قال: وحدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا أبو عقيل، عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، قال: حدثني المسور بن رفاعة القرضي، قال: سمعت ابن عباس، ورجل يسأله، فقال: إني أكلت خبزًا ولحمًا، فهل أتوضأ؟ فقال: «ويحك، أتتوضأ من الطيبات؟» وهذا الأثر صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وشاهد فيه أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما استعمل هذه الكلمة، قوله: «ويحك»، فدل على أنه يجوز استعمال مثل هذه الكلمة، لأنه يراد منها كما قلنا التنبيه والتذكير أو التحذير، فقال له: «ويحك، أتتوضأ من الطيبات؟» سأله هذا الرجل: إني أكلت خبزًا ولحمًا، فهل أتوضأ؟ يعني: من أكلي للخبز واللحم، فقال له ابن عباس: «ويحك، أتتوضأ من الطيبات؟» يعني: هذه من المآكل الطيبة التي أحلها الله سبحانه وتعالى، فلا يحتاج أن تتوضأ منها. فلا يحتاج أن يتوضأ منها، سواء كان لحم غنم أو بقر أو سمك أو طير أو غيرها من اللحوم، فإنه لا يتوضأ منها. وقد كان في أول الأمر التوضؤ مما مسه النار، أمر النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام أن يتوضأ مما مسته النار، ثم نسخ هذا الحكم، ولم يؤمر بالتوضؤ مما مسته النار، إلا لحم الإبل، إلا لحم الإبل فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله، كما في حديث البراء، وفي حديث جابر المسمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «توضأوا من لحم الإبل، ولا توضأوا من لحم الغنم». فلحم الإبل خاصة إذا أكله الإنسان فإنه يتوضأ بعد أكله، وأما غيره من اللحوم فإنه لا يتوضأ بعد أكلها. وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من كتف شاه، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، كما في البخاري من حديث عمر بن أبي أمية. وإنما الوضوء من أكل لحم الإبل فقط. والله تعالى أعلم.

شاركنا على