الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 136، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يختم المؤلف باب جحد الأسماء والصفات بذكر ثلاثة أسباب نزول لآية ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ تتعلق بإنكار قريش اسم الرحمن، مبيناً أنها لم تصح. ثم يستخلص ست مسائل منها كفر من جحد اسماً أو صفة، وتفسير الآية، والنهي عن مخاطبة الناس بما لا يفهمون، والتمسك بأثر علي بن أبي طالب، وعلة النهي، وتقرير ابن عباس في هلاك من استنكر إثبات الصفات الشرعية.
يشرح المقطع الباب التاسع من كتاب التوحيد الخاص بالمناهي اللفظية والشركية، مبيناً أن نسبة النعم إلى غير الله تُعد كفراً بالنعمة وتقع تحت الشرك الأصغر أو الأكبر حسب القصد. ويستعرض تفسير السلف للآية ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ مع التفريق بين الإخبار الواقعي والنسبة القلبية المنافية للتوحيد.
يحرم نسبة النعم إلى غير الله بقول "لولا فلان" لأن ذلك ينافي توحيد الربوبية والألوهية، فالنعمة ابتلاء من الله ويجب شكرها بنسبتها إليه قولاً واعتقاداً وعملاً. جوز العلماء ذكر السبب على سبيل الإخبار الصادق مع تعظيم الله في القلب، لكن الأفضل قول "لولا الله ثم فلان".
أشار العلماء إلى الأفضلية في قول: "لولا الله ثم فلان" بدلاً من نسبة الفعل للخلق وحدهم. واختتم الدرس بالدعاء بالنفع والتوفيق، على أن يكمل في مجلس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ففي ختام باب "من جحد شيئاً من الأسماء والصفات"، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾". وهذه الآية أورد المفسرون فيها ثلاثة من أسباب النزول: أولها: ما ذكره المؤلف رحمه الله، أن قريشاً لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن ويثبته اسماً لله عز وجل أنكروا ذلك، فأخبر الله عز وجل أنهم يكفرون بالرحمن. فالشاهد من هذه الآية أن إنكار أسماء الله سبحانه وتعالى كفر. وورد فيها أيضاً سبب آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر قريشاً أن يسجدوا للرحمن، فإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ فأبوا أن يسجدوا، وقالوا: لا نعرف الرحمن، فنزلت هذه الآية: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. والسبب الثالث: قيل أنها نزلت في قريش لما أنكر بعضهم أن يكتب النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال: اكتب "باسمك اللهم"، فقالوا: ما نعرف الرحمن، فنزلت هذه الآية. وكل هذه الأسباب لم تصح، ولذلك لم يذكر منها شيئاً شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول". قال: "المسائل"، وقلنا: المسائل يذكرها المؤلف بعد كل باب، كالمُلخص لذلكم الباب، وكالتلخيص له. قال: الأولى: عدم الإيمان بشيء من الأسماء والصفات، أي: انتفاء الإيمان لمن لم يؤمن بهذه الأسماء والصفات. الثانية: تفسير آية الرعد: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، وأخذ هذا التفسير من ذكره لسبب النزول، فإن من أعظم فوائد سبب النزول معرفة تفسير الآية. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع، فيحدثهم بطريقة وأسلوب يكون سبباً في تبليغهم وفي فهمهم للمراد، فلا يحدثهم بأشياء أكبر من عقولهم. الرابعة: ويشير إلى ما تقدم معنا من أثر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون". الخامسة: ذكر العلة، أنه يفضي إلى تكذيب الله. يعني: لماذا ترك التحديث بما لا يفهم السامع؟ ما هي العلة؟ ما هو السبب في ذلك؟ قال: لأنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، فيفهم السامع فهماً خاطئاً غير المراد، ولا شك أن هذا يؤدي إلى الخلل في الاعتقاد ونحوه، قال: "ولو لم يتعمد المنكر، ولو لم يتعمد التكذيب، لكنه قد يقع في التكذيب بسبب سوء فهمه، بسبب سوء فهمه". السادسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئاً من ذلك، وأنه أهلك، بمعنى أن المؤمن يؤمن بما ورد في الكتاب والسنة من إثبات الأسماء والصفات، ولا يستعظم إثبات ذلك كما يدعي ذلك بعض المبتدعة. لما تقول له: أنا سني أثبت أن الله عز وجل يتكلم، وأن الله عز وجل له يدان، يقول: أستغفر الله، جعلت لله يدين! ويستعظم ذلك، يستعظم ذلك، ولجهله يظن أن إثبات الصفات لله يؤدي إلى التشبيه. فهذا ليس المراد، وإنما إثبات الصفات لما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فهؤلاء هلكوا ووقعوا في البدع لأنهم أولاً نزهوا، ثم عطلوا: نزهوا بحجة أن هذا يتنزه عنه الله عز وجل، ثم أوقعهم هذا التنزيه في تعطيل الصفات وإنكارها، في تعطيل الصفات وإنكارها. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ الآية". قال: "من الشرك كفر النعمة". أورد المؤلف هذا الباب بعد الباب الذي قبله، لأن الباب الذي قبله فيه تنقص للربوبية، بإنكار ما يجب لله سبحانه وتعالى، وكذلك في هذا الباب، فإن الذي يضيف النعم إلى غير الله عز وجل سبحانه وتعالى فقد تنقص الرب سبحانه وتعالى في ربوبيته، وكأنه جعل وجود هذه النعم ليست لله وإنما لغير الله. فلذلك قال المؤلف هنا: "باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾". وهذا هو الباب التاسع، الذي هو في المناهي اللفظية والشركية، ستة وعشرون باباً. ما سيأتي بعد هذا كلها في المناهي اللفظية، يعني: ألفاظ لربما يتساهل فيها الإنسان ويتكلم بها، وهي من الشرك، سواء كان الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في خلال دراستنا لهذه المناهي اللفظية والشركية. فمن ذلك، من هذه المناهي اللفظية: نسبة النعم إلى غير الله، نسبة النعم إلى غير الله، هذه من المناهي اللفظية، فهي دائرة بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، كما سيأتي تفصيله. قال: "هذا أطول قسم في الكتاب، لأن من عادة المؤلف الإجمال ثم التفصيل، وهي المناهي اللفظية، فيها ستة وعشرون باباً، وذكر في هذا القسم المناهي اللفظية والألفاظ الشركية وبعض الشركيات، وركز على الشرك الأصغر لأنه خفي، لربما يقع فيه من يحب التوحيد ومن يريد التوحيد، لكن لجهله يقع في بعض هذه المناهي اللفظية أو الشركية، وركز كذلك على كفر النعمة لأنه كثير". فإذن معنى الآية: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، هذه الآية في سورة ماذا؟ في سورة النحل. وهذه السورة يسميها المفسرون والعلماء بسورة النعم، بسورة ماذا؟ النعم، لأن هذه السورة ذكر الله عز وجل فيها كثيراً من النعم الدينية والدنيوية، فبدأها بنعمة الرسالة ونعمة كذلك الإيمان وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر بالنعم، ذكر بالنعم على وجه الإجمال، ثم قال: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾. وذكر المؤلف الآثار عن السلف في تفسير هذه الآية: كيف يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها؟ قال مجاهد: ما معناه هو قول الرجل: "هذا مالي ورثته عن آبائي"، فنسب هذا المال إلى ماذا؟ إلى آبائه، وأنه ورثه منهم. ومن الذي أورثه؟ إنه الله عز وجل. لكن هذا من كفر النعمة، وهذا سيأتي معنا أن فيه تفصيل: هذا القول إذا قاله القائل وقصد نسبة هذه النعمة إلى غير الله سبحانه وتعالى، فهذا هو الذي من الشرك، أما إذا كان على وجه الإخبار، والإخبار هذا موافق ومطابق للواقع، فهذا لا شيء فيه، كما ذكر ذلك العلماء، وكما ذكر ذلك أيضاً فيما سيأتي من كلام الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. فإذا عرف أن هذا المال مال الله فنسبه إلى غير الله، نسبه إلى غير الله، فهذا من الشرك. وسيأتي معنا أن نسبة أو إضافة النعمة أقسام: منها ما هو شرك أصغر، ومنه ما هو شرك أكبر، كما سيأتي معنا. وأيضاً ذكر من الآثار عند تفسير هذه الآية قول عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا، لولا فلان لم يكن كذا"، فينسب ما منى الله عز وجل به من نعمة، نعمة صحة، أو نعمة نجاة من عدو، أو نعمة رزق، أو نحو ذلك، ينسبها إلى غير الله، فيقول: لولا فلان، فيقول: لولا فلان، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز. لكن له أن يقول: لولا الله ثم فلان، لولا الله ثم فلان لما صار كذا وكذا. حتى على سبيل الإخبار، مع أن العلماء جوزوا ذلك، أن تقول على سبيل الإخبار، ليس على سبيل نسبة هذه النعمة إلى غير مسديها ومنعمها، وإنما على سبيل الإخبار تقول: لولا فلان لم يكن كذا وكذا. فالأفضل والأكمل أن تقول: لولا الله ثم فلان لم يكن كذا وكذا. وأيضاً ذكر قول ابن قتيبة: "يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا"، وهذا أشد، أشد الأقوال، ولا يصدر من مسلم، لأنه شرك أكبر، فالشفاعة لا تكون بغير الله سبحانه وتعالى، تُطلب من الله: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾، ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾. يقول ابن عثيمين: "النعمة ابتلاء، والدليل: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾". فمن أوتي نعماً، فإذا نسبها إلى نفسه، أو إلى ذكائه، أو إلى علمه، أو إلى حرصه، أو إلى شجاعته، أو إلى قوته، أو نحو ذلك، فهذا افتتن بهذه النعمة، افتتن بهذه النعمة. انظروا إلى قارون: قال: ﴿إنما أوتيتها على علم عندي﴾، افتتن بهذه النعمة. لكن أهل الإيمان وأهل كذلك العقيدة الصحيحة، فإنهم يحذرون كل الحذر من أن تكون النعم فتنة لهم. فهذا نبي الله سليمان، لما رأى عرش ملكة سبأ ماثلاً أمامه، قال: ﴿ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾. هذا ابتلاء، نعمة عظيمة من الله عز وجل بها على هذا النبي الكريم والرسول الأمين، ومع هذا يقول: ﴿ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾. فالنعم ابتلاء، فالواجب على المسلم أن يشكرها، ومن تمام شكرها أن ينسبها إلى منعمها قولاً واعتقاداً وعملاً، كما سيأتي معنا. قال: "إضافة نعمة الخالق إلى غيره إخلال بتوحيد الربوبية، لأنه أضافها إلى السبب على أنه الفاعل، على أنه فاعل، وليس السبب هو الفاعل، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذه النعمة وأعطاك إياها، وأعطاك إياها". وثانياً: إضافة نعمة الخالق إلى غيره إخلال بتوحيد العبادة، يعني: توحيد الألوهية، من أي وجه؟ لأنه ترك القيام بالشكر، والشكر من أجل العبادات، الشكر من أجل العبادات، فهو شكر غير الله، شكر غير المنعم عليه بهذه النعمة، فهذا فيه إخلال بتوحيد الألوهية، بتوحيد العبادة. فإذن: نسبة النعمة إلى غير الله عز وجل فيه إخلال بتوحيد الربوبية، وإخلال كذلك بتوحيد الربوبية. يقول: "قالوا: لولا فلان لم يكن كذا". قال: "إن أراد به الخير، إن أراد به الخبر، إن أراد به الخبر، وكان الخبر صدقاً مطابقاً للواقع، فلا بأس، ما أراد نسبتها إلى غير الله، وإنما أراد أن يخبر: وقعت في أمر ما، جاء أحد وأعانك على التخلص من هذه الشدة، وهو قادر، حي، قادر، فهنا لك أن تخبر: لولا فلان لا وقع كذا وكذا، لكن هذا على سبيل الإخبار، وفي قلبك التعظيم، وفي قلبك الشكر لله عز وجل، وكذلك الاعتراف بفضله ومنته عليك، فهذا لا بأس به". لكن مع هذا قال العلماء: "الأفضل أن لا تقول ذلك، الأفضل أن تقول: لولا الله ثم فلان لم يكن كذا وكذا، لم يكن كذا وكذا". طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلومهم، وأن كذلك يوفقنا لما فيه الخير لنا ولكم، والحمد لله رب العالمين.