الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 241، ألقاها
يشرح هذا الفصل جواز تكرار كلام الشخص عند معاتبته إذا كان بغرض التأديب أو التعليم، مستندا إلى حديث أبي عقرب الكناني مع النبي صلى الله عليه وسلم. يُبين أن هذا الفعل لا ينافي الأدب إذا كانت نيته حسنة.
يظهر هذا الفصل حرص الصحابة على العبادات وسؤالهم النبي عن تفاصيلها، مثل صيام التطوع. يُوضح أن النبي كان يراعي أحوال السائلين في إجابته، مشجعا على الاستمرار في العبادة بقدر الإمكان.
يُناقش هذا الفصل أهمية المداومة على الطاعة والعبادة، ولو كانت قليلة. يُشجع على الأخذ بما يمكن الاستمرار عليه من العبادات، مستندا إلى توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من حكى كلام الرجل عند العتاب. قال حدثنا عبد الله، من أبي بكر، ومسلم نحوه، قال حدثنا الأسود، من شيبان، وهو السدوس، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، وهو الكناني، قيل اسمه أسلم، وقيل عمر، أن أباه، وهو أبو عقرب البكري الكناني، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم، فقال: «صم يوما من كل شهر»، قلت: بأبي أنت وأمي زدني، قال: «زدني زدني»، صم يومين من كل شهر، قلت: بأبي أنت وأمي زدني، قال: فإني أجدني قويا، فقال: «إني أجدني قويا إني أجدني قويا»، فأفحم حتى ظننت أنه لن يزيدني -يعني سكت- قال ثم قال: «صم ثلاثة من كل شهر». الحديث صحيح، قد صححه شيخ الألباني رحمه الله. أورد الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب -باب من حكى كلام الرجل عند العتاب- يعني من كرر كلام الآخر عند المعاتبة، يعني أن ذلك يجوز ولا ينافي الأدب، لا ينافي الأدب أن يكرر الرجل كلام من يخاطبه عند معاتبته. وذكر حديث بعقرب أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الصوم، فقال: «صم يوما من كل شهر»، قال قلت: بأبي أنت وأمي -يعني أفديك بأبي وأمي- زدني، قال: «زدني زدني»، كرر كلامه، وهكذا أيضا عندما قال: أجدني قويا، قال: «إني أجدني قويا إني أجدني قويا»، فحكى كلامه عليه الصلاة والسلام عند معاتبته، فدل ذلك على جوازه، وأن ذلك كذلك لا يكون من الغيبة، أو كذلك أيضا مما ينافي الأدب إذا كان على وجه المعاتبة. ومثل قول -مثلا- الأب لابنه إذا أمره بشيء أو سأله عن شيء، أي الإبن سأل أباه، فردد كلامه من باب المعاتبة، فليس فيه شيء، أو كذلك الشيخ مع تلميذه، لأن في مثل هذه المواضع -مواضع تأديب وتعليم- فتكرير وحكاية الكلام على هذا الوجه -وجه العتاب- ليس فيه شيء. والنبي عليه الصلاة والسلام قد كره حكاية فعل الرجل أو قوله، قد قال عليه الصلاة والسلام: «ولو يحب أني حكيت فلانا» -يعني كلام فلان أو فعل فلان- وهنا حكى كلام الرجل على وجه المعاتبة، على وجه العتاب. أما إذا كان على وجه السخرية فهذا لا يجوز، يعني يكرر الإنسان كلام آخر على وجه السخرية هذا لا يجوز، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، السخرية لا تجوز محرمة، فإذا كرر كلامه على وجه السخرية فهذا لا يجوز، أما إذا كان تكريره على مثل هذا الوجه -وجه العتاب- فهذا جائز. ولذلك أورده رحمه الله في كتاب الأدب، وأبوب عليه هذا الباب -باب من حكى كلام الرجل عند العتاب- كأنه يشير أنه إذا كان على غير وجه العتاب -كعلى وجه السخرية ونحو ذلك- فهذا لا يجوز. وفي هذا الحديث أن أبا عقرب رضي الله عنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الصوم، وفي هذا حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العبادات والطاعات وما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الصوم -يعني ما الذي يصومه، ما الأيام التي يصومها، وكيف يكون صيامه- سأل النبي عليه الصلاة والسلام حتى يرشده. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «صوم يوما من كل شهر»، أرشده عليه الصلاة والسلام أن يصوم يوما من كل شهر، قلت: بأبي أنت وأمي زدني -يعني أريد أكثر من ذلك، اليوم من كل شهر قليل- فأراد زيادة، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «زدني زدني»، لماذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام معاتبته بذلك؟ لأنه يريده عليه الصلاة والسلام أن يعمل الطاعة والعبادة وإن كانت قليلا، لكن يستمر عليها ويداوم عليها، فذلك خير له من أن يكثر من فعل الطاعة والعبادة التي تنقطع ولا تستمر. ولذلك كان أحب العمل النبي عليه الصلاة والسلام أدومه وإن قل، عمل يداوم عليه الإنسان ويستمر ولو كان قليل خير من كثير لا يستمر، فليس المقصود من فعل الطاعة والعبادة أن يكثر منها ثم ينقطع، بل الذي ينبغي أن يستمر على العبادة وإن كانت قليلا لكن باستمرار، فلو كان يصوم من كل شهر يوما وهو مستمر هذا أفضل من أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ثم ينقطع، يصوم شهر أو شهرين ثم ينقطع عن الصيام، فاستمراره بيوم أفضل من أن يكثر من الصيام ثم ينقطع عن هذه العبادة. لأجل ذلك عاتب النبي عليه الصلاة والسلام بتكرير كلامه، فلما أراد الزيادة زاده النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «صم يومين من كل شهر»، وفيه كذلك جواز صيام يومين من كل شهر إذا أراد الإنسان أن يصوم فله أن يصوم كذلك يومين من كل شهر. ثم طلب الزيادة قال: إني أجدني قويا، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم كلامه وسكت حتى ظن أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يزيده، والنبي صلى الله عليه وسلم يريد منه أن يعمل العمل القليل ويستمر عليه، ثم قال: «صم ثلاثة من كل شهر»، فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوم ثلاثة من كل شهر. ولعل النبي عليه الصلاة والسلام رأى منه أن الأفضل له أن يصوم يوما من كل شهر، وهذا لا ينافي وصية النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة وأبي الدرداء أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وهنا أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر أن يصوم يوما، فلعل النبي عليه الصلاة والسلام رأى أن الأفضل في حقه أنه يصوم يوما من كل شهر، ولذلك أوصاه بذلك، وفي حق أبي هريرة وأبي الدرداء أوصاهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لأن ذلك هو الأفضل في حقهم. والنبي صلى الله عليه وسلم قد يخاطب الرجل بشيء ويأمره بشيء يأمر غيره بخلافه، وهذا كثير في الأحاديث، كثير في الأحاديث تجعل النبي صلى الله عليه وسلم يأمر شخصا بشيء وفي حديث آخر يأمر غيره بشيء آخر، وذلك لاختلاف أحوال السائلين، فيجيب كل سائل بما هو مناسب له، ولا تنافي بين تلك الأحاديث، ومن هذا الحديث أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر أن يصوم يوما، ثم لما طلبت زيادة قال: صوم يومين، فلما طلبت زيادة قال: «صوم ثلاثة من كل شهر». فإذا كان الإنسان يعلم من نفسه أنه يطيق أن يصوم -مثلا- ثلاثة أيام من كل شهر ويستمر عليه، فهنا لا بأس أن يصوم ثلاثة أيام، وأما إن كان يعلم أنه لن يستطيع الاستمرار لكثرة مشاغله وأعماله، فهذا أفضل له أن يصوم يوما ويستمر، فهذا خير له. وهكذا ينظر كل شخص في حاله، وكذلك قدرته على الاستمرار على الطاعة والعبادة، فيأخذ منها ما يستطيع أن يداوم عليه ويستمر ولو كان قليلا، فخير الطاعة والعبادة والعمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل، هذا ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى أعلم.