الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 209، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة عن استعاذته من أمور أربعة، مع بيان صحة الحديث وروايته. يشمل ذلك تعليقات العلماء مثل الحافظ ابن حجر والألباني.
يفصل هذا الجزء معاني الأمور الأربعة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها: جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، موضحا معانيها وأهميتها في حياة المسلم.
يتناول هذا الجزء أهمية الاستعاذة بالله من سوء القضاء وشماتة الأعداء، كما يبين حكم السجع في الدعاء، مشيرا إلى جواز السجع غير المتكلف ونهي النبي عن السجع المتكلف الذي قد يُستخدم لدفع الحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا علي، وهو ابن عبد الله، من المدينة، كان يلقب بحية الوادي؛ لسعة علمه بعلم العلل، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، قال: حدثنا سمي، وهو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح، وهو ذكوان السمان، عن أبي هريرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. قال سفيان: في الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن، والحديث صحيح، هو في الصحيحين. وقوله: زدت واحدة، ليس المراد أنه زادها من عنده، وإنما وردت في حديث آخر، فذكرها مع ذكر هذه الثلاث في هذا الحديث، وهي شماتة الأعداء. وقد أشار إلى ذلك الحافظ رحمه الله في الفتح. ونقل هنا شيخ الألباني رحمه الله في تعليقه أن التي زادها هي شماتة الأعداء، كما جاء في مستخرج الإسماعيلي. وأشار الشيخ رحمه الله إلى أن الاستعاذة من شماتة الأعداء قد ثبتت في حديث آخر، من رواية عبد الله بن عمر، مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بلفظ «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء». وصححه رحمه الله في الصحيحة. إذا فليس المقصود في قولي زدت واحدة أنه زادها من عنده، وإنما هي ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله عز وجل من هذه الأمور الأربعة. قال أبو هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ، يعني يستعيذ بالله سبحانه وتعالى، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك» أو «أعوذ من هذه الأمور»، فيذكرها: من جهد البلاء. والجهد هو المشقة، وكذلك أيضا بذل الطاقة. والمراد به ما يصيب الإنسان من شدة المشقة وشدة الحال، والبلاء الذي لا يطيقه. فكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من جهد البلاء، أن يبتلى بما لا طاقة له به، وأن يصاب بما فيه مشقة عليه. قال: ودرك الشقاء، كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من درك الشقاء، يعني إدراك المشقة في الأمور، المشقة في أمور الدنيا، في المعيشة، وفي المأكل مثلا، والمسكن، وغير ذلك من أمور الحياة. قال: وسوء القضاء، كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من سوء القضاء، يعني أن يصيبه ما قضاه الله سبحانه وتعالى. والمراد من سوء القضاء أي المقضي، وأما قضاء الله سبحانه وتعالى فكله حسن، ليس فيه سوء. لكن مما يقضيه الله سبحانه وتعالى مما يقع على العبد، فإنك تستعيذ بالله جل وعلا من سوء ذلك، سواء كان في الدين أو كان كذلك في أمور الدنيا، في المال، وفي الأهل، وفي البدن، وغير ذلك مما قد يصيب الإنسان من السوء. فأنت تستعيذ بالله عز وجل من سوء القضاء. قال: وشماتة الأعداء، كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من شماتة الأعداء. والشماتة هو أن يبتلى الإنسان بشيء مما يفرح به الأعداء، مما يفرح به الأعداء من إصابة الناس ببلاء، أو تسلط عدو عليهم، أو نحو ذلك مما يشمت به الأعداء، أو حصول تفرق واختلاف بينهم. فإن هذا مما يفرح به الأعداء، ويكون من شماتة الأعداء بأهل الحق وأهل الإسلام، وغير ذلك. فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من ذلك، من شماتة الأعداء بأهل الإسلام وبأهل الحق. فهذه الأمور كان يستعيذ منها النبي عليه الصلاة والسلام، فينبغي على المسلم أن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى منها: من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. وفي الحديث جواز السجع إذا لم يكن فيه تكلف، إذا لم يكن فيه تكلف أو ردا للحق، كما في هذا الحديث، كل هذه الجمل تنتهي آخرها بالهمزة، فيدل ذلك على الجواز. وما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام في ذاك الرجل الذي سجع، فقال: «إن هذا من إخوان الكهان»، بسبب السجع الذي سجعه، فهذا كما قال أهل العلم: أنه قاله عليه الصلاة والسلام لأنه أراد به دفع الحق، أراد به دفع الحق. فكره النبي عليه الصلاة والسلام سجعه، وكذلك أيضا تكلفه. فأما إن لم يكن فيه تكلف، كان يكون الرجل فصيحا ذا بلاغة، فيأتي بالكلمات من غير تكلف على قافية واحدة، فهذا ليس فيه شيء، كما في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث الكثيرة التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام. إلهنا، والله تعالى أعلم.