التعليقات على كتاب الأدب المفرد 177

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 177، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث قدسي عن حسن الظن بالله

يبدأ الشرح بحديث قدسي للنبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى، حيث يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني». يُفسر الحديث بأن الله يتعامل مع عبده بناءً على ظنه به.

الموازنة بين الرجاء والخوف من الله

ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، ولا يغلب جانب على الآخر حتى لا يقع في اليأس أو الأمن من مكر الله. عند الموت، يغلب جانب الرجاء ويحسن ظنه بالله.

معنى المعية الإلهية وآثارها في الدعاء واستجابته

المعية الإلهية تشمل معية العلم والإحاطة ومعية التأييد والنصر والهداية، ويجب على المسلم أن يوقن بإجابة الله لدعائه عند الدعاء بخشوع وتضرع، مع الإخلاص والتذلل بين يدي الله وحسن الظن به سبحانه وتعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا خليفة بن خياط، وهو خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العصفوري، أبو عمر البصري، قال حافظ في التغريب: صدوق ربما أخطأ. وكان عالمًا بالأخبار. وجده خليفة بن خياط، قال الحافظ رحمه الله في التقريب: مقبول. قال: حدثنا كثير بن هشام، وهو ابن برقان الكلابي، أبو عبد الله الجزري، وهو ثقة إلا في روايته عن الزهري، فإنه يضعف، كما قال ذلك الإمام أحمد، ابن معين، والدارقطني، وغيرهم. وذكر عنه أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب. كان لا يقرأ ولا يكتب، وهو كذلك ثقة في الحديث، وذلك لحفظه وإتقانه للحفظ. قال: حدثنا جعفر بن برقان. كثير بن هشام هو الكلابي، كذلك، لكن كنيته أبو سهل الرقي. أبو سهل الرقي واثقه ابن معين وأبو حاتم. جعفر هو ابن برقان الكلابي، أبو عبد الله الجزري. طيف هو لي ذكر أنه كان أميا جعفر بن برقان، وليس كثير بن هشام. قال: عن يزيد بن الأصم، وهو ابن عوف أو أبو عوف البكري، وهو ثقة. وثقه النسائي وأبو زرعة. عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني». وهذا الحديث حديث حسن، وهو صحيح بشواهده وطرقه. وأصل الحديث في الصحيحين، وهذا اللفظ لفظ الإمام مسلم. ففي هذا الحديث، وهو من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا دعاني﴾. قال العلماء: ومعنى قولي عز وجل: «أنا عند ظن عبدي»، أي: قيل: إن الله سبحانه وتعالى قادر أن يفعل بعبده ما ظن أن الله سبحانه وتعالى عامل به. ومعنى هذا أنه ينبغي أن يحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، فيكون راجيا لرحمة الله وعفوه ومغفرته. وقيل: إن هذا إنما يكون عند الموت، يعني تغليب جانب الرجاء. ينبغي للمسلم أن يغلب جانب الرجاء عند الموت، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى»، كما في مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وأما في حال الصحة، فإنه ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء. ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، لا يغلب جانب الرجاء حتى ربما يقع في الإرجاء. كحال بعض المسلمين -هداهم الله- من ربما يفعل المعاصي، فإذا نصح، قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، ويصر على فعل المعصية. هذا في الحقيقة أنه جاهل، ويعتبر هذا سفه منه. فالله سبحانه وتعالى غفور رحيم، وهو كذلك عز وجل شديد العقاب. نبع عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم. فكما أن الله عز وجل غفور رحيم، فهو كذلك شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، وهو غفور الرحيم سبحانه وتعالى لمن استغفره وتاب إليه. فكون الإنسان يفعل المعصية ويصر عليها، ثم يقول ويستدل بمغفرة الله سبحانه وتعالى، فهذا جهل منه. وإنما تسأل من الله عز وجل العفو والمغفرة مع أخذك بأسبابها، تستغفر إلى الله سبحانه وتعالى من الذنوب والمعاصي، وترجو رحمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا بالعكس، لا يغلب جانب الخوف، لأنه ربما يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله، وهو كبير من كبائر الذنوب. لا يأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وإنما يكون بين الخوف والرجاء، يفعل العبادات والطاعات، ويرجو من الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها منه، فيرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله. كما قال الله سبحانه وتعالى مادحا أنبياءه ورسله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. هذا وحال المؤمن أنه يعبد الله سبحانه وتعالى مع الخوف والرجاء، رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب والنعيم، ورهبة خوفا من عقاب الله سبحانه وتعالى. هكذا ينبغي أن يكون المؤمن. فإذا كان عند الموت، فإنه يغلب جانب الرجاء ويحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، أن الله عز وجل يغفر له ويرحمه ويعفو عنه ويثيبه إلى آخر ذلك. وقيل: المراد بقوله: «أنا عند ظن عبدي»، أي: أنه ينبغي إذا دعاه أنه يظن بالله سبحانه وتعالى أن يستجيب لدعائه. وهذا فيه معنى أن يدعو مع تيقن إجابة الدعاء، وهو ما قاله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». فيدعو الله سبحانه وتعالى وهو يوقن أن الله عز وجل يستجيب لدعائه، ويستغفره وهو كذلك يظن أن الله عز وجل يغفر له. وهكذا يطلب من الله الرحمة وهو يظن ويوقن أن الله عز وجل سيرحمه. فيكون هذا معنى قوله: «أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا دعاني». فالله عز وجل مع عبده إذا دعاه ورجاه، أقبل على ربه سبحانه وتعالى. فليعلم أن الله عز وجل معه. وهذه المعية معية خاصة، بمعنى الرحمة والتأييد، وكذلك النصر وغير ذلك من معاني تأييد الله سبحانه وتعالى لعبده. وليست هذه المعية كالمعية بقول الله عز وجل: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾. فإن هذه المعية معية عامة، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى مع عباده يعلم ما يفعلون، فهي معية علم وإحاطة. فالله عز وجل يحيط ويعلم بأحوال عباده. وهذه المعية معية خاصة، بمعنى التأييد والنصر والهداية والتوفيق، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إني معكما أسمع وأرى﴾. فهذه معية معية خاصة، وهي كذلك في هذا الموضع: «وأنا معه إذا دعاني». فهذا معنى المعية في مثل هذا الموضع، وفي غيره. كون الله عز وجل مع العبد، أي: بعلمه عز وجل وإحاطته وتأييده وتوفيقه وهدايته ونصره. ليس معنى أن الله عز وجل مع عبده بذاته، تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا. كما يقول أهل الحلول والاتحاد وغلات المتصوفة، الذين يعتقدون أن الله عز وجل معهم أو أنه في كل مكان، وهذا قول باطل. فالله سبحانه وتعالى في علوه، مستوى على عرشه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. فالله سبحانه وتعالى مستوى على عرشه، وهو سبحانه وتعالى بائن من خلقه، ولا ينافي قربه سبحانه وتعالى علوه. فهو قريب من عباده، وهو كذلك عز وجل في علوه. فهو في علوه حقيقة، وهو كذلك مع عبده وعبادي حقيقة، بعلمه وإحاطته وتأييده إلى آخر ذلك. قال: ومثله، يعني: لا يلزم من المعية الاختلاط والمماسة، كما قد يظن البعض. ما يلزم منه ذلك. فأنت تقول: أسير والقمر معنا، نسير والقمر معنا. هل القمر ملامس لك ومحيط أو مجانب لك؟ الجواب: لا. القمر في محله في علوه، وهو معك حقيقة، لأنك تستضيء بضوءه وبنوره. ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى. فإذا كان مثل هذا جائز في المخلوقات، فالخالق سبحانه وتعالى من باب أولى. فقوله: «أنا معه إذا دعاني»، أي: إذا دعوت الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل معك، يسمع دعاءك، وهو عز وجل القادر على أن يكشف عنك الضر وأن يستجيب لدعائك. وهو القائل سبحانه: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. وهو القائل عز وجل: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾. فينبغي للمسلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى، وأن يقبل إلى الله عز وجل بالدعاء وتضرع له بين يديه، ويعلم أن الله سبحانه وتعالى يستجيب له وينصره ويؤيده ويرحمه، ويحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى. وذكر الإمام البخاري رحمه الله لهذا الحديث في هذا الباب، وهو باب رفع اليدين في الدعاء، مع أنه ليس في هذا الحديث شاهد على ذلك. فلعله أراد رحمه الله ذكر معنى ما قد مر من أنه ينبغي لمن دعا أن يدعو الله سبحانه وتعالى وهو موقن بالإجابة. فالعبرة بدعاء العبد هو ما يصدر من قلبه بإخلاصه للدعاء، وشدة تضرعه وتذلله بين يدي الله سبحانه وتعالى، وأنه يحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى. فإن ذلك من أسباب استجابة الدعاء.