الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 161، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع الأول بتوضيح خطورة التعرب بعد الهجرة وكيف أنه يعتبر من كبائر الذنوب، مشيراً إلى أن هذا يشمل العودة إلى البادية بعد الهجرة أو السفر إلى بلاد الكفر. يربط هذا بالحديث عن الكبائر السبع.
يتم تعريف الكبائر بأنها الذنوب التي رتب عليها عقاب أو حد في الدنيا أو الآخرة، مع ذكر أمثلة عليها مثل الإشراك بالله وقتل النفس بغير حق، ويوضح العقاب المترتب على هذه الأفعال.
يناقش هذا الجزء تحريم قتل النفس المعصومة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة معاهدة أو مستأمنة، كما يتناول تحريم رمي المحصنات والقذف ووجوب إقامة حد القذف على من يفعل ذلك بدون بينة.
يعود الحديث مرة أخرى إلى موضوع الأعرابية بعد الهجرة، موضحاً أنها تعني الرجوع إلى البادية بعد الهجرة وكان ذلك يعد من كبائر الذنوب التي تحبط الأعمال، ويذكر تحذير السلف من هذا الفعل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب الأعرابية، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: الكبائر سبع، أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس، ورمي المحصنات، والأعرابية بعد الهجرة. وهذا الأثر صحيح، وهو في حكم المرفوع، وقد روي مرفوعا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهكذا أيضا من حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث أبي سعيد، وفيها ضعف، لكن يشد بعضها بعضا، فصحح الشيخ الألباني رحمه الله مرفوعا كما في الصحيحة. ويدل عليه كذلك ما جاء في الصحيحين أن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه لما دخل على الحجاج، قال له: ارتدت على عقبيك، تعربت. فقال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو. وفي هذا الحديث ما أراد أن يسدل به الإمام البخاري رحمه الله على خطورة التعرب بعد الهجرة، وأن ذلك من كبائر الذنوب. ومعنى الأعرابية بعد الهجرة، كما قال ابن الأثير رحمه الله: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا. وكانوا يعدون من رجع إلى موضعه الذي هاجر منه كمن ارتد ووقع في الردة، يعني يرونه أمرا عظيما. ومثله، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله، التغرب والسفر إلى بلد الكفر وترك بلاد الإسلام، إلا لضرورة، فإن ذلك مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. كما قال: «بريء ممن يقيم بين ظهراني المشركين». فالتغرب، وكذلك سكن بلاد الكفر وترك بلاد الإسلام، هذا كذلك مما نهى عنه الشرع، وهو يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب. وفي هذا الحديث، وهو قول أبي هريرة رضي الله تعالى عن الكبائر سبع، يشهد له ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة نفسه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، أي المهلكات. وهل الكبائر محصورة في هذه السبع؟ الجواب: لا. ومفهوم العدد لا يفهم منه الحصر، فلا يلزم من ذكر أن الكبائر سبع ألا تكون هناك كبائر غير هذه السبع، لكن يكون المقصود أن هذه من أعظم الكبائر أو من أهم الكبائر التي ينبغي اجتنابها والتنبه لها. والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة اختلف العلماء في تعريفها على أقوال، ومن أحسنها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه كل ذنب رتب عليه عقاب أو حد في الدنيا، أو عقوبة في الآخرة، أو لعنة، أو غضب، فهي كبيرة. فذكر رضي الله تعالى عنه من أول هذه الكبائر الإشراك بالله، فالشرك بالله عز وجل من أعظم الكبائر وأعظم الذنوب على الإطلاق. والشرك أن تجعل مع الله سبحانه وتعالى شريكا ومثيلا ونظيرا، تصرف له من العبادة ما هو لله سبحانه وتعالى. كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وكذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقال: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾، وهذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، يحذره الله عز وجل من الشرك. إذا كان هذا خطابا للنبي عليه الصلاة والسلام أنه إن أشرك حبط عمله وصار من الخاسرين، فكيف بمن دون النبي عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا قال الله عز وجل عن أنبيائه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وكذلك أخبر الله عز وجل أنهم إن أشركوا حبطت أعمالهم. قال وقتل النفس كذلك أيضا من الكبائر، قتل النفس أي إزهاق النفس بقتلها وإراقة دمها وإزهاق روحها، فهذا من كبائر الذنوب. وفي رواية الصحيحين: «قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق». فالتي تقتل بغير حق فهذه هي التي تعد من كبائر الذنوب. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. ثم قال في آخر هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول، كما في الصحيحين، حيث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فالأصل أن نفس المسلم محرمة ومعصومة من الاعتداء عليها. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». فقتل النفس محرم، لا يجوز إلا إذا ارتكب ما يوجب قتله، من قتل العمد العدوان الذي يوجب القصاص، أو إذا وقع في الزنا وهو ثيب، أو كذلك إذا فارق دينه وترك دين الإسلام وارتد، فإن هنا يقتل، لكن هذا إلى ولي الأمر، هو الذي يقيم هذه الحدود. والأنفس المعصومة أربعة: نفس المسلم، ونفس الكافر الذمي والمعاهد والمستامن. هذه أربعة أنفس لا يجوز الاعتداء عليها. فالكافر الذمي الذي يدفع الجزية ويبقى تحت حكم الإسلام لا يجوز الاعتداء عليه، أو المعاهد الذي بينه وبين المسلمين عهد، فكذلك لا يجوز أن يعتدى عليه، أو المستامن الذي يدخل بلاد الإسلام بأمان، فكذلك لا يجوز الاعتداء عليه. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأم هانية: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانية». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». قال ورمي المحصنات كذلك أيضا من الكبائر، رمي المحصنات أي رمي المحصنة وهي العفيفة ترمى بزنا أو بلواط أو بغير ذلك من الفواحش، فهو كبير من كبائر الذنوب. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهذا بيان لعظم خطورة هذا الأمر، وهو قذف المحصنة المؤمنة العفيفة. وفي رواية الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات». فالمحصنة العفيفة الغافلة عما رميت به، المؤمنة بالله عز وجل ورسوله. وهذا ليس له حكم خاص بالنساء، بل هو عام للنساء والرجال. وهذا بجمع أهل العلم أن قذف المحصن، فمن قذف محصنا بزنا أو بذلك من فواحش، فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب التي توجب غضب الله سبحانه وتعالى وعقابه. ولذلك أمر الشرع بإقامة الحد على هذا القاذف الذي يقذف محصنا بغير حق ولا بينة، فإنهم إما أن يأتوا بالبينة على ما قالوا، أو يجلدوا حد القذف ثمانين جلدة. والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، عقوبة لهم بسبب ما فعلوا من تدنيس أعراض إخوانهم المسلمين والاعتداء عليها بهذا القذف. وهو كذلك أيضا حماية لأعراض المسلمين أن يعتدى عليها، فإن الأصل في عرض المسلم الحرمة، لا يجوز الاعتداء على عرض المسلم بأي نوع من أنواع الاعتداء، ومن ذلك القذف. والأعرابية بعد الهجرة، كما علمنا، هو الرجوع إلى البادية بعد أن كان مهاجرا، فإن ذلك مما كانوا يعدونه من كبائر الذنوب، وأنه من الأمور الخطيرة التي تحبط بها الأعمال. نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في درس قادم. والله تعالى أعلم.