الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي مسلم أحاديث ابن عباس ومعاذ بن جبل عن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة وغزوة تبوك دون عذر من خوف أو مطر، مبيناً أن الحكمة التخفيف على الأمة ورفع الحرج.
يناقش المقطع رواية ابن عباس عن جمع النبي صلى الله عليه وسلم من غير خوف ولا سفر ولا مطر، ويستعرض تأويلات العلماء المختلفة للحديث كصلاة الظهر في غيم ثم تبين دخول وقت العصر، ودلالته على جواز الجمع في السفر والخوف والمطر.
يستعرض المقطع آراء العلماء في جواز الجمع الحقيقي للسنة وفعل ابن عباس للحاجة العامة كإطفاء حريق أو المرض في الحضر دون عادة، مستدلين بقول ابن عباس: "أراد ألا يحرج أمته"، ويختم المتحدث بالقول الراجح بجواز الجمع عند الحرج والمشقة مع الشكر والدعاء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشير، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر. قال: وحدثنا أحمد بن يونس، وعون بن سلام، جميعًا عن زهير. قال ابن يونس: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: لما فعل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد ألا يحرج أحدًا من أمته. قال: وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال: حدثنا خالد، يعني ابن الحارث، قال: حدثنا قرة، قال: حدثنا أبو الزبير، قال: حدثنا سعيد بن جبير، قال: حدثنا ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو الزبير، عن أبي الطفيل عامر، عن معاذ، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا. قال: حدثنا يحيى بن حبيب، قال: حدثنا خالد، يعني ابن الحارث، قال: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا أبو الزبير، قال: حدثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد ألا يحرج أمته. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدثنا معاوية، وحدثنا أبو كريب، وأبو سعيد الأشج، واللفظ لأبي كريب، قال: حدثنا وكيع، كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع: قال: قلت لابن عباس: لما فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية: قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانيًا جميعًا، يعني الظهر والعصر، وسبعًا جميعًا، أي المغرب والعشاء. قال: قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك أو ذاك. قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: وحدثني أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد، عن الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا يثني: الصلاة، الصلاة. قال: ثم قال: لا أم لك، أتعلمني بالسنة؟ لا أم لك. وهذه كلمة تقولها العرب تريد بها الزجر والإنكار، لا يراد بها حقيقتها وظاهرها. قال: ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال: قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، يعني من الشك. قال: فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته، يعني صدق ما ذكر ابن عباس. قال: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة. فسكت. ثم قال: الصلاة. فسكت. ثم قال: الصلاة. فسكت. ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا حديث ابن عباس برواياته، وحديث معاذ بن جبل، إلا أن حديث ابن عباس يعني في جمع النبي عليه الصلاة والسلام في غير السفر، وأما في حديث معاذ فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في غزوة تبوك، وذلك كان في السفر. فحديث ابن عباس أخبر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين، يعني الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر، ورواية الأخرى: ولا مطر. فأولًا: في هذا دلالة على أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر، وقد مضى معنا ذلك. وأيضًا فيه دلالة على جواز الجمع بين الصلاتين في الخوف، لقوله: من غير خوف، معناه: عند الخوف يشرع الجمع بين الصلاتين. وهكذا قوله: ولا مطر، معناه: أنه كذلك يشرع الجمع بين الصلاتين عند نزول المطر. وقوله: جمع النبي صلى الله عليه وسلم من غير خوف ولا مطر، معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين الصلاتين عند نزول المطر، ويدل هذا على مشروعية الجمع بين الصلاتين عند نزول المطر، وسواء كان ذلك على القول الراجح بين الظهر والعصر، أو كذلك أيضًا بين المغرب والعشاء. فيبقى هنا: ما المراد بقوله: من غير خوف ولا سفر، ومن غير خوف ولا مطر؟ فبعض أهل العلم تأول هذا الحديث، حديث ابن عباس، يعني فسروه بتفسيرات. منهم من قال: إن المراد بقول ابن عباس: من غير خوف ولا سفر، أراد بذلك نزول المطر، من غير خوف ولا سفر، يعني لأجل المطر. لكن هذا، كما ذكر رحمه الله، يرده رواية: ولا مطر. رواية: ولا مطر، إذن هذا التأويل ضعيف. ومنهم من قال: أن المراد من غير خوف ولا سفر ولا مطر، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، وكان هناك غيوم، فلما تجلت، ظهر أن وقت العصر قد دخل، فصلى العصر في ذلك الوقت، فكان قد جمع بين الظهر والعصر. وهذا أيضًا كذلك تأويل ضعيف، لأن الأحاديث صريحة في أن النبي عليه الصلاة والسلام أخر الصلاة، وجمع بين الصلاتين جمعًا حقيقيًا، وكذلك فعل ابن عباس، أنه أخر صلاة المغرب حتى ظهرت النجوم، وغاب الشفق، يعني خرج وقت صلاة المغرب، ودخل وقت العشاء. ومنهم من قال: المراد بهذا الجمع، الجمع الصوري، لا الجمع الحقيقي، كما ذكر أبو الشعثاء، أنه أخر الظهر، فصلاها في آخر وقتها، ثم صلى العصر في أول وقتها، صلى الظهر في آخر وقتها، فخرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، فصلى العصر في أول وقتها، فصارت كل صلاة في وقتها، وهي في الظاهر أنه قد جمع بينهما في الصورة، يعني أن هذا جمع صوري، لا جمع حقيقي. وهذا أيضًا ليس بصحيح، لأن الأحاديث صريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين جمعًا حقيقيًا، بتقديم إحدى الصلاتين في وقت الأولى أو الأخرى. وذهب جماعة من أهل العلم، وقول إمام محمد رحمه الله، وجماعة، أن المراد بذلك: من غير خوف ولا سفر ولا مطر، أن يجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل المرض. فالمريض يجوز له أن يجمع بين الصلاتين إذا شق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، فله أن يجمع بين الصلاتين، فيجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير. وهذا من حيث الحكم هو صحيح، أنه يجوز أن يجمع المريض بين الصلاتين. لكن ذهب بعض أهل العلم إلى معنى أعم من ذلك، إلى معنى أعم من ذلك، وهما ذهب إليه جماعة: الأشهب المالكية، وكذلك أيضًا أبو إسحاق الصفاريني، وحكاه عن جماعة من أهل الحديث، وأرجحه للمنذر، وهو قول أيضًا للمتأخرين، أنه يجوز الجمع بين الصلاتين للحاجة، للحاجة، إذا كان هناك حاجة وحرج إذا لم يجمع بين الصلاتين، فلا بأس بالجمع بين الصلاتين، ولو كان ذلك في الحضر، ما لم يتخذ ذلك عادة، ما لم يتخذ ذلك عادة، فإنه لا بأس بذلك، لعموم قول ابن عباس: أراد ألا يحرج أمته، أراد ألا يحرج أمته. يعني: إذا وجد الحرج، فيجوز الجمع بين الصلاتين. وهذا هو ظاهر هذا الحديث، وكذلك أيضًا ظاهر فعل ابن عباس. ابن عباس خطبهم من بعد العصر إلى أن غابت الشمس، وغاب الشفق، يعني خرج وقت المغرب، ودخل وقت العشاء. فلما نبهوا الصلاة، يعني صلاة المغرب، قال: تعلمني بالسنة، لا أم لك؟ ثم ذكر لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين، غير خوف ولا سفر، يعني في الحضر، وبين أن مثل ذلك يجوز عند الحاجة، فيشمل ذلك المرض وغير المرض. مثلاً: لو وقع حريق، لو وقع حريق قبيل المغرب، وقام الناس بإطفاء الحريق، ودخل وقت المغرب، وما زال الحريق يشتعل، لو ذهبوا يصلون لربما زادت النار التهابًا واشتعالًا، ولو بقوا يطفئون هذه النار لخرج وقت المغرب. ففي هذه الحال لا بأس، يستمرون في إطفائها، ثم يجمعون، يصلون المغرب والعشاء جمع تأخير، لأن هذه حاجة وحرج في ذهابهم، وإبقاء النار تلتهم، يعني ما وقعت عليه، في ذلك ضرر ومشقة، فلا بأس حينئذ أن أخروا الصلاة. وهكذا قس على ذلك كل ما فيه حرج، فإنه يجوز حينئذ الجمع بين الصلاتين، كما سمعتم، لعموم قول ابن عباس: أراد ألا يحرج أمته. وهذا القول، والله أعلم، هو الأرجح، أنه يجوز الجمع بين الصلاتين عند وقوع الحرج والمشقة، فلا بأس بالجمع بين الصلاتين، سواء الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء. طيب، إلى هنا. صلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة. شكرًا للمشاهدة.