الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 129، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بذكر اهتمام السلف بالعلم وحرصهم على حضور مجالس العلماء، ثم ينتقل إلى تفسير بعض آيات القرآن الكريم مثل آية النحل وآية التقوى وآية الزمر.
يناقش المقطع عظيم عفو الله تعالى وتوبته على عباده، ويبين تحريم الظلم في الإسلام من خلال حديث قدسي يدلل على ذلك.
يؤكد المقطع على عفو الله تعالى حتى على المشركين والكافرين إذا تابوا، ويشدد على تحريم الظلم وأنه ظلمات يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا سليمان بن حرب أبو خيثمة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي الضحى، قال: اجتمع مسروق وشتير بن شكل في المسجد، فتفوض إليهما حلق المسجد -يعني تفرقت واجتمعت عندهما، أي التفى الناس حولهم- قال: فقال مسروق: لا أرى هؤلاء يجتمعون إلينا إلا ليستمعوا منا خيرا، فإما أن تحدث عن عبد الله فأصدقك -يعني عن عبد الله بن مسعود- وإما أن أحدث عن عبد الله فتصدقني. قال: فحدث أبا عائشة -يعني مسروقا-، قال: هل سمعت عبد الله يقول: «العينان يزنيان واليدان يزنيان والرجلان يزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه؟» قال: نعم -يعني سمعت عبد الله يقول ذلك- قال: وأنا سمعته. قال: فهل سمعت عبد الله يقول: ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ الآية؟ قال: نعم، وأنا قد سمعته. قال: فهل سمعت عبد الله يقول: ما في القرآن آية أسرع فرجا من قوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾؟ قال: نعم، قال: وأنا قد سمعته. قال: فهل سمعت عبد الله يقول: ما في القرآن آية أشد تفويضا من قوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾؟ قال: نعم، قال: وأنا سمعته. وهذا الأثر حسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وقد جاء عند الطبراني بزيادة في أوله، وهو قوله: «هل سمعته يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾». وفي هذا الأثر اهتمام السلف رحمهم الله بطلب العلم والالتفاف حول العلماء، انظروا لما دخل مسروق وشتير بن شكل في المسجد، تفوض إليهما حلق المسجد -يعني توجه الناس إليهما واجتمعوا عندهما حتى يسمعوا من كلامهما وينتفعوا بنصائحهما- وهكذا ينبغي أن يكون المسلم حريصا على العلم وعلى حضور مجالس العلم والاستفادة من أهل العلم، فإن ذلك مما ينفعه في دنياه وفي آخرته. وهكذا كانت مجالس السلف مجالس علم، قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال السلف، ما كانت مجالس لهو ولعب ولغط، بل كانت مجالس مليئة بالعلم. ثم ذكر مسروق رحمه الله ما سمعه من عبد الله بن مسعود وصدقه على ذلك صاحبه وهو شتير بن شكل، فذكر أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: «العينان يزنيان واليدان يزنيان والرجلان يزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»، وهذا قد جاء مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كُتب على ابن آدم حظه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما الخطى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»، أو قال: «والنفس تهوى وتتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». فتفسير زنا العينين كما جاء في حديث أبي هريرة: زناهما النظر -يعني النظر إلى الحرام إلى ما لا يحل من نظر إلى النساء الأجانب أو النظر كذلك إلى المردان، ومنه كذلك أيضا ولو كان النظر إلى بعض المحارم بشهوة، فهو كذلك داخل في هذا الحديث- فهذا من زنا العينين أن تنظر إلى الحرام. واليدان يزنيان وزناهما البطش -يعني اللمس، لمس ما لا يحل فهو من الزنا، فهو من زنا اليد، لمس المرأة أو غيرها مما لا يحل-. والرجلان يزنيان وزناهما الخطى -يعني المشي إلى الحرام، فالمشي إلى مواضع الفواحش فهو من زنا القدمين-. قال: فالفرج يصدق ذلك أو يكذبه -يعني يحقق هذا الزنا حقيقة بأن يقع الإيلاج في الفرج وهو حقيقة الزنا، أو يكذبه بأن لا يقع ذلك، فيكون قد وقع في معصية لكن هي دون الزنا-. قال: فهل سمعت عبد الله يقول: ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾، هذه الآية أجمع آية في الحلال والحرام والأمر والنهي؛ لأنها دلت على أن كل ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الأوامر فهو من العدل والإحسان، وأن كل ما حرمه الله سبحانه وتعالى ونهى عنه فهو من الفحشاء والمنكر، فتدل هذه الآية على أن جميع أوامر الله سبحانه وتعالى فيها مصالح عظيمة للعباد، إما مصالح خالصة وإما مصالح راجحة، وهكذا جميع النواهي التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها ورسوله، فهي إما نهي عن مفسدة خالصة كالشرك مثلا والزنا وهكذا، وإما يكون كذلك نهي عن مفسدة راجحة. وبهذا يُعلم أن هذه الآية هي من أجمع الآيات في الحلال والحرام والأمر والنهي. ثم قال: هل سمعت عبد الله يقول: ما في القرآن آية أسرع فرجا من قوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾، قال: نعم -يعني أن هذه الآية من أسرع الآيات التي فيها بيان حصول الفرج من الله سبحانه وتعالى، وذلك بتحقيق تقوى الله عز وجل- ﴿ومن يتق الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه يجعل له مخرجا﴾، قال: من ابن عباس: يجعل له مخرجا من كل ضيق في الدنيا والآخرة، يجعل له مخرجا من كل ضيق في الدنيا والآخرة -يعني فيما يصيبه من مصائب الدنيا يجعل الله سبحانه وتعالى له مخرجا، إما في ابتلاء أو في فقر أو مرض أو غير ذلك، يجعل الله سبحانه وتعالى له مخرجا، وهكذا في الآخرة يجعل الله سبحانه وتعالى له مخرجا بأن ينجو من أهوال يوم القيامة بما معه من تقوى الله سبحانه وتعالى-. وهكذا في الدنيا أيضا كذلك ينجو من فتن الشهوات والشبهات بتقوى الله سبحانه وتعالى، وكما قال الله عز وجل: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾، يجعل لكم فرقانا تفرقون به بين الحق والباطل، فإن أعظم ما ينجو به الإنسان من الفتن بتقوى الله عز وجل والصدق مع الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يجعل له مخرجا. قال: فهل سمعت عبد الله يقول: ما في القرآن آية أشد تفويضا من قوله: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾، فهذه الآية هي أشد آية فيها تفويض -يعني بيان لسعة رحمة الله سبحانه وتعالى- وما ينبغي عليه أن يكون المرء في رجاء عفو الله عز وجل. فالله عز وجل خاطب عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾، لم يرتكبوا بعض المعاصي أو وقعت منهم بعض الزلات، بل أسرفوا -يعني أكثر من المعاصي والذنوب- خاطبهم الله عز وجل بهذا الخطاب ودعاهم إلى التوبة وإلى الإقبال على الله عز وجل، ووعدهم الله سبحانه وتعالى بالعفو والصفح: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ -يعني لا يصيبكم القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى مما ترون من ارتكابكم لهذه الذنوب والمعاصي، فتظنون أن الله عز وجل لا يغفر لكم ولا يكفر عنكم سيئاتكم، بل إن رحمة الله سبحانه وتعالى واسعة- ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾. وهذه الآية سبب نزولها ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إن ناسا من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا محمد، إن الذي تدعو إليه لحسن، لو أخبرتنا أن لما فعلنا كفارة -يعني أن لنا كفارة بما وقع منا من زنا وقتل-» قال: «فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية»، وكذلك أنزل قوله عز وجل: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامه يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾. وهذه الآيات تدل على عظيم عفو الله عز وجل، وهو القائل سبحانه: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. وكذلك أخبر الله سبحانه وتعالى عن المنافقين الذين مصيرهم في الدرك الأسفل من النار أنهم لو تابوا لتاب الله سبحانه وتعالى عليهم: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا﴾ -أي لو تابوا لتاب الله عز وجل عليهم-، بل حتى الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم لو تابوا ورجعوا إلى الله سبحانه وتعالى لغفر الله عز وجل لهم. والله سبحانه وتعالى يقول عن النصارى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة فإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفليتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾، انظروا إلى عظيم عفو الله سبحانه وتعالى مع كفرهم بالله عز وجل وادعائهم أن الله عز وجل ثالث ثلاثة، وما في ذلك من اعتداء والتنقص لله عز وجل، ومع ذلك أخبر الله عز وجل أنهم لو تابوا لتاب الله عز وجل عليهم. فكيف بالمسلم؟ كيف بالمؤمن الذي آمن بالله عز وجل ثم زلت قدمه ووقع في معصية؟ فإنه إذا تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى فإن الله عز وجل يغفر له ذنوبه وسيئاته. وهذه الآية تدل كذلك أن المشرك -حتى المشرك الذي أشرك بالله عز وجل وارتكب أعظم ذنب- لو تاب -يعني قبل الموت في حال الحياة- فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه، فإن الله عز وجل يتوب عليه لعموم هذه الآية، فإن من أعظم الذنوب التي يرتكبها العبد ويسرف فيها هو الشرك بالله عز وجل، فإذا تاب تاب الله سبحانه وتعالى عليه، لكن إذا مات قبل التوبة فإنه لا توبة له: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ -يعني يغفر سبحانه وتعالى دون ذلك -يعني دون الشرك- من المعاصي والذنوب التي فعلها الإنسان ومات من غير توبة، فهو تحت مشيئة الله عز وجل، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الأعلى عن المسعر، أو بلغني عنه، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن الله تبارك وتعالى قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا، يا عبادي إنكم الذين تقترفون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب عبد منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئا، ولو اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة»، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه. كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه، وهذا الحديث صحيح وهو في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث قدسي ذكره الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب ليستدل به على تحريم الظلم وأن الظلم ظلمات يوم القيامة، ففي هذا الحديث إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن الله عز وجل بأن الله سبحانه وتعالى حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بين العباد ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم.