الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 113، الدرس الثالث عشر بعد المائة:من( وأما الفاسق الملي الذي يرتكب بعض الكبائر مع اعتقاده حرمتها ... فدل على أن كلاً منهما أخص مما قبله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أهل السنة لا يسلبون الفاسق الإيمان بالكلية بل يعتبرونه مؤمنا ناقص الإيمان، ويختلفون في تفاصيل ذلك. يرفضون آراء المرجئة والخوارج والمعتزلة في هذا الشأن.
يفسر العلماء الحديث بأن الإيمان ينقص حال المعصية، وقد قدم شيخ الإسلام ابن تيمية ثلاثة تفسيرات ترتبط بغلبة الشهوة أو الاضطراب العقائدي أو الغفلة عن الله.
الإيمان والإسلام متلازمان، ويمكن أن يستغني بذكر أحدهما عن الآخر، والإيمان المطلق أخص من الإسلام ويشير إلى الإيمان الكامل.
يلخص المقطع ما جاء في متن المؤلف وشرح الشارح، ويشير إلى انتهاء الشرح بعبارة 'لهنا والله تعالى أعلم'.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما الفاسق الملي الذي يرتكب بعض الكبائر مع اعتقاده حرمتها، فأهل السنة والجماعة لا يسلبون عنه اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة والخوارج. وقد مر معنا أن المعتزلة والخوارج اتفقوا في خصلتين واختلفوا في خصلتين، ومن ذلك أنهم اتفقوا في القول بخلود الفاسق الملي في النار. قال: بل هو عندهم مؤمن ناقص الإيمان، يعني عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان، خلافا للوعيدية في طرف والمرجئة في طرف آخر. المرجئة الذين زعموا أنه مؤمن لم ينقص من إيمانه شيء، والوعيدية الذين زعموا أنه ليس بمؤمن وأنه مخلد في النار. وكلا الطائفتين على خطأ وضلال، وسبب الضلال هو سوء الفهم. فإن سوء الفهم كان السبب الأول في ضلال من ضل من أهل البدع. وأول هؤلاء الخوارج، فإنهم فهموا القرآن على خلاف ما فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهذا حال من قرأ القرآن بغير علم وغير عمل، فإنه يكون حجة عليه، ليس حجة له. ولهذا ظلموا وكفروا، والعياذ بالله، الصحابة فضلا عن من بعدهم. فكان من قاعدتهم أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر. وعلى هذه القاعدة كفروا من كفروا من الصحابة، بل وربما حكموا بالخلود في النار، واستحلوا أشياء من الدماء والأعراض وغير ذلك. ثم صار على كل من خالفهم في ذلك، وعين ذلك في أناس بأعيانهم. قال رحمه الله: بل هو عندهم مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر معصيته، أو هو مؤمن فاسق. فلا يعطونه اسم الإيمان المطلق، ولا يسلبونه مطلق الإيمان. وكما مر معنا أن هذا هو تعبير جمهور أهل السنة، وبعض أهل السنة في بعض المعاصي خاصة يأبون مثل هذا التفصيل. وذلك لأن بعض الأحاديث دلت على نزع مسمى الإيمان، ولكن هذا النزع ليس معناه وقوع الكفر. مثل الذي مر معنا حديث أبي هريرة: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن» إلى آخره. فإنه جاء ببعض الروايات عند أبي داود والحاكم بإسناد صحيح، وذكره العلامة الألباني في الصحيحة من حديث أبي هريرة: «إذا زن العبد خرج منه الإيمان، وكان كالظلة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان»، يعني انقطع من الزنا رجع إليه الإيمان. وعلى هذه الروايات أبى من أبى من أهل العلم، كالإمام أحمد والثوري ومن وافقهما، هذا التقييد بأن يقال: مؤمن ناقص الإيمان. بل يقولون على ظاهر الحديث: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن». لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن. أولا: موافقة للحديث. وثانيا: كذلك ردا على المرجئة الذين ينفون نقصان الإيمان حال المعصية. حال المعصية فإن الأدلة تدل على نقصانه. وفسره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأحد تفاسير ثلاثة، كما ذكر ذلك في مواضع من الفتاوى وغيرها. ففسره بأنه اضطراب في العقيدة، يعني لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، هذا بسبب اضطراب في عقيدته، فغلب الرجاء. فبسبب تغليب الرجاء صار هو في ذلك الوقت ليس بمؤمن، ولكن ليس معناه أنه ليس بمؤمن صار كافرا. وإنما نفس الإيمان المفرق بينه وبين الكافر لم يحرمه، وإنما رفع عنه مسمى الإيمان مع بقاء أصله. فيرفع منه مسمى الإيمان الذي يساويه بإخوانه المؤمنين. وفرق بين المسألتين. وهكذا فسره بتفسير آخر، قال: هو بغلبة الشهوة. غلب الإيمان فيصير كالعقل عند النائم والسكران. النائم والسكران نقول: ماذا؟ هل هو مجنون؟ الجواب: لا. وهل هو عاقل كحال من هو في صحوه؟ الجواب: لا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة، ومنهم النائم حتى يستيقظ». وهكذا كذلك السكران الثمل، فإنه حال سكره وهو ثمل ليس بمجنون، وفي نفس الوقت ليس بعاقل. فالعقل أصل العقل موجود، ولكنه حال السكر غير موجود. كما أن أصل العقل عند النائم موجود، ولكنه حال النوم غير موجود. ولكن لا يعني ذلك أنه يلحق بالكفار كما مر معنا، بل أصل الإيمان الذي يميزه عن الكافر موجود. كما هنا، والتفسير الثالث فسره بأنه بغلبة الغفلة والذهول عن عظمة الرب سبحانه وتعالى، وشدة بأسه. صار ليس بمؤمن بسبب شدة الشهوة، صار بغفلة وذهول عن عظمة الرب وشدة بأسه. فذاك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، يعني بسبب غفلته وذهوله عن عظمة الرب سبحانه وتعالى. وكل التفاسير الثلاثة لو تأملتها فهي لا تخرج هذا الزاني والسارق والشارب والمنتهب عن أصل الإيمان. لا ينتزع منه أصل الإيمان، فأصل الإيمان موجود. وكذلك هو في الأحوال كلها، ليس هو كالمؤمن الذي لم يزني ولم يسرق ولم يشرب ولم ينتهب. هذا معنى كلامه رحمه الله على وجه الاختصار. قال رحمه الله تعالى: بل هو عندهم مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر معصيته، أو هو مؤمن فاسق. فلا يعطونه اسم الإيمان المطلق، يعني الكامل، ولا يسلبونه مطلق الإيمان، يعني مسمى الإيمان. على تفصيل في بعض المسميات خاصة التي ورد فيها الدليل كما سمعنا. فإن بعض أهل العلم لهم وجهة نظر هم بهذه الوجهة لا يخرجون عن قول أهل السنة، ولا يستدل بقولهم أحد، ولا يصح من الوعيدية. قال: وأدلة الكتاب والسنة دالة على ما ذكره المؤلف رحمه الله من ثبوت مطلق الإيمان مع المعصية، يعني مسمى الإيمان مع وجود المعصية. وفي هذا رد على الطائفتين: المرجئة والطائفة الأخرى، وهم الخوارج. قال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، فناداهم باسم الإيمان مع وجود المعصية، وهي موالات الكفار. قال: وهي موالات الكفار منهم إلى آخره، يعني والمعنى أن هذا النداء بالإيمان أثبت لهم أصل الإيمان، وأنه عن اتخاذ ولاية العدو هذا إثبات المعصية، فهم مؤمنون ناقصوا الإيمان إذا فعلوا هذه المعصية. ومثله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخره، فإنه فيه النداء باسم الإيمان، ومع ذلك التحذير من هذه المعصية. فإذا لا ينافي أصل الإيمان وجود شرب الخمر والتعامل بالميسر، لأن هذا ينقص الإيمان ولا يذهبه بالكلية. ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا يقال في نظائر ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها النداء بمسمى الإيمان مع التحذير من بعض المعاصي. قال رحمه الله: فائدة الإيمان والإسلام الشرعيان متلازمان في الوجود، فلا يوجد أحدهما بدون الآخر. بل كلما وجد إيمان صحيح معتد به وجد معه إسلام، وكذلك العكس. ولهذا قد يستغني بذكر أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما إذا أفرد بالذكر دخل فيه الآخر. وأما إذا ذكر معا مقترنين، أريد بالإيمان التصديق والاعتقاد، وأريد بالإسلام الانقياد الظاهري من الإقرار باللسان وعمل الجوارح. قال: ولكن هذا بالنسبة لمطلق الإيمان. أما الإيمان المطلق فهو أخص مطلقا من الإسلام. ومعنى أخص مطلقا، يعني أخص لفظا من الإسلام، لأن الإيمان المطلق المقصود به الإيمان الكامل. وليس هذا يرادفه الإسلام، وليس هذا يرادفه الإسلام. قال: وقد يوجد الإسلام بدونه، يعني بدون الإيمان الكامل، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فدل على أن الإسلام لا يرادف الإيمان بهذا الاعتبار. أما باعتبار مطلق الإيمان فهذا يرادف، فهذا يرادف. قال: فأخبر بإسلامهم معنى في الإيمان عنهم. قال: وفي حديث جبريل ذكر المراتب الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، فدل على أن كل منها أخص مما قبله. وهذا ظاهر وواضح، وتحت هذا مباحث كثيرة. وهذا خلاصة ما أشار إليه المؤلف في متنه، وهكذا كذلك الشارح في شرحه. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.