الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
العبادة هي أعظم الأوامر التي أمر الله بها ولأجلها خلق الله الجن والإنس. تشمل العبادة أعمال الظاهر والباطن.
الشرك يحبط الأعمال ويخرج من الإسلام ويخلد صاحبه في نار جهنم. يجب الحذر من الشرك الأكبر والأصغر.
النبي حذر من الشرك ورد على من ينفي وجوده في الأمة مستدلاً بأحاديث نبوية. هذه الأحاديث تحذر من الشرك وتدل على قوة إيمان الصحابة.
بعض الناس يستخدمون أحاديث نبوية لإثبات عدم وقوع الشرك بينما هي في الحقيقة تُستخدم لإضلال الناس. هذه الأحاديث تحذر من الوقوع في الشرك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا بالأمس عند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وذكرنا شيئاً مما يتعلق بعبادة الله سبحانه وتعالى، وأمر العبادة من أعظم الأوامر والواجبات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾، فهو أول واجب يجب على الإنسان أن يعلمه، ويجب على الإنسان أن يعمل به. أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد، إذ هو من كل الأوامر أعظم، فهو أعظم الأوامر التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، لأجله خلق الله جل وعلا الجن والإنس، ولأجله أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل، وأنزل الكتب. ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن نعبد الله واجتنب الطاغوت، وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. ما أرسل الله جل وعلا رسولا إلا يأمره بعبادة الله سبحانه، ويأمر قومه بأن يوحيدوا الله عز وجل. وهذا هو معنى العبادة، هو توحيد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، توحيد الله عز وجل في أفعاله، وفي ربوبيته، وفي أسماءه وصفاته. والله جل وعلا يرضى لنا أن نعبده ولا نشرك به شيئا. وكما قلنا بالأمس، ليست العبادة فقط هي الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج، بل هي أعم من ذلك. فكل عمل أو قول يحبه الله ويرضافه، وعبادة الصلاة والصيام والحج والصدقة، هذه عبادات. وهكذا الخوف والرجاء والخشية والإنابة والخضوع إلى آخر ذلك من أعمال القلوب، فهي كذلك عبادة، لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. قال: «لا تشركوا به شيئا»، أي أن الله سبحانه وتعالى نهانا عن الشرك، لأن الشرك مما ينافي العبادة، وإذا وجد الشرك في العبادة أبطلها، كالحدث إذا وجد في الطهارة، إذا وجد الحدث في الطهارة أبطلها. وكذلك الشرك إذا وجد في العبادة فإنه يبطلها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وكما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال الله عز وجل مخاطبا أنبياء ورسله: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكُوا لَيَحْبَطَنَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يخبر ربنا سبحانه وتعالى أن لو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين أرسلهم وبعثهم لحبطت أعمالهم. فإذا كان هذا في حال الأنبياء، وهم أحب الخلق إلى الله عز وجل، ممن اصطفاهم الله واختارهم للرسالة والنبوة، إذا أشركوا حبطت أعمالهم، فكيف بمن هو دونهم؟ فإن ذلك أولى وأولى أن يكون على حذر عظيم من الشرك، لأن الشرك محبط للأعمال. قال: «ولا تشركوا به شيئا»، وشيئا نكر في سياق النهي، تفيد العموم، أي لا تشركوا بالله سبحانه وتعالى أي شيء، لا تشركوا بالله سبحانه وتعالى أي شيء، لا تشركوا به بصرف العبادة لملك أو لنبي أو لولي أو لجن أو لإنس أو لحجر أو لشجر أو لغير ذلك. احذروا من الشرك، سواء كان ذلك من الشرك الأكبر، أو كان من الشرك الأصغر، من صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، مما كان من الشرك الأكبر، من ذبح لغير الله، أو استغاثة بغير الله، أو دعاء لغير الله فيما لا يقضي عليه إلا الله، أو كذلك من سجود لغير الله، أو اعتقاد النفع والضر في غير الله سبحانه وتعالى، أو هكذا أيضا اعتقاد أن في الكون من يصرف هذا الكون مع الله سبحانه وتعالى، فهذا من الشرك الأكبر. أو كان من الشرك الأصغر، كالحلف بغير الله من غير تعظيم، وهكذا ما يقع في كلام الإنسان من التشريك، لولا الله وفلان، ما شاء الله وشئت، وهكذا كذلك يسير الرياء، وهكذا غير ذلك من أنواع الشرك الأصغر، فكله مما نهى عنه ربنا سبحانه وتعالى، ونهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. «ولا تشركوا به شيئا»، احذر من الشرك، لأن الشرك إذا كان شرك أكبر فإنه يحبط جميع الأعمال، ويخرج العبد به من دائرة الإسلام، ويصير في حكم الكافرين. إذا وقع في الشرك الأكبر فإنه يكون حكم حكم الكافرين، لا يكون معصوم الدم والمال، وإذا مات عليه فهو مخلد في نار جهنم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾. وهكذا لا يغفر الله سبحانه وتعالى له، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهكذا حبوط جميع الأعمال كما سمعنا في الآيات السابقة، فلهذا ينبغي المسلم أن يحذر من الشرك. وتحذير النبي عليه الصلاة والسلام من الشرك لأن الشرك واقع في هذه الأمة، وقول من يقول من دعاة التصوف والقبورية الذين يقولون إنه لا يوجد شرك في هذه الأمة، لماذا؟ قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني لا أخاف عليكم بعدي أن تشركوا، ولكن أخاف عليكم أن تفتح لكم أبواب الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم». وكذلك قالوا: قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في المسلم: «إن الشيطان قد يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم». قالوا: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، إذا ما أحد يعبد الشيطان، إذا ليس هناك شرك، إنما تحريش فقط، يحرش بين المسلمين. وهذا فهم سقيم وضلال بعيد عما أخبر الله سبحانه وتعالى به، وأخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام. لو كان الشرك غير واقع لما حذر الله سبحانه وتعالى في الآيات الكثيرة التي فيها التحذير من الشرك، وهكذا أيضا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الشرك ووسائله، وهو في آخر حياته، وهو يقول عليه الصلاة والسلام حين أخبر بما فعل اليهود والنصارى من تعظيمهم لقبور أنبيائهم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وهكذا أيضا في الأحاديث الكثيرة حذر فيها النبي عليه الصلاة والسلام من الشرك ووسائله، كل ذلك يدل على وقوع الشرك. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا أخاف عليكم بعد أن تشركوا»، هذا الخطاب للصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين علم النبي عليه الصلاة والسلام منهم قوة إيمانهم، وقوة كذلك توحيدهم لله سبحانه وتعالى، وأنهم يحذرون من الشرك ويعلمون الشرك ووسائله، فلم يخاف عليه الصلاة والسلام منهم أن يشركوا، وإنما خاف منهم الدنيا والافتتان بها. وليس في هذا نفي وقوع الشرك، وهكذا يضم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، ليس في هذا نفي وقوع الشرك، وإنما فيه الإخبار بأن الشيطان يأس من أن يعبده المصلون، ومن هؤلاء المصلون؟ قال بعض العلماء: المراد بالمصلين هنا هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومنهم من قال: المراد بالمصلين هم أهل التوحيد الذين عرفوا التوحيد وعلموا الشرك ووسائله، فإن هؤلاء يأس الشيطان أن يعبدوه لأنهم يعرفون الشيطان وسبله وطرقه. فليس في هذه الأحاديث نفي لوقوع الشرك، ولكن هؤلاء لما غرقوا في باب الشرك، غرقوا في الشرك وصاروا يتوغلون في الشرك، أرادوا أن ينفوا وقوعه، فاستدلوا بهذه الأحاديث التي ظنوها أدلة، وهي شبه يضعونها في آذان الجهال من الناس الذين لا يفقهون دين الله سبحانه وتعالى، فيضحكون عليهم حتى يغرروهم ويوقعوهم في الشرك باسم محبة الصالحين ومحبة الأولياء إلى آخر ذلك من وسائل الشرك بالله سبحانه وتعالى. نقف إن شاء الله هنا، ونكمل درس في درس سابق أو قادم، والله تعالى أعلم.