التعليقات على كتاب الأدب المفرد 81

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 81، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من المدح المبالغ فيه وآثاره

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإطراء المبالغ فيه في مدح الأشخاص خشية أن يؤدي ذلك إلى إهلاكهم، وأمر بكف المادح حتى لا يكون سببا في إهلاك غيره. جاء ذلك في سياق أحاديث نبوية تحذر من المدح الزائد.

تطبيق الصحابة لتحذير النبي من المداحين

طبق الصحابة تحذير النبي عليه الصلاة والسلام بخصوص المداحين، حيث أمر بطرح التراب في وجوههم، ويعتبر اتباعهم للنبي دليلاً على أهمية تطبيق سنته وتجنب المدح المبالغ فيه.

فضل المدينة ومكانة العبادة المستمرة

أوضح النبي صلى الله عليه وسلم فضل المدينة ومحاصرة الدجال لها، كما أكد على أهمية الاستمرار في العبادة، حيث أن القليل المستمر خير من الكثير المنقطع، وهذا يتوافق مع طبيعة الدين الإسلامي القائم على اليسر.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الهدي المفرد، قال: باب يحثى في وجوه المداحين، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد، هو الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، قال: قام رجل يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثي في وجه التراب، وقال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثي في وجوه المداحين التراب. وجاء في رواية أن الأمير هو عثمان رضي الله عنه. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد، عن علي بن الحكم، عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلا كان يمدح رجلا عند ابن عمر، فجعل ابن عمر يحثو التراب نحو فيه، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب». واقع الحديثين صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، والأول في صحيح الإمام مسلم. وفي هذين الحديثين أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يحثى في وجوه المداحين التراب. قال بعض أهل العلم: المراد بذلك أن يخيبوا، أي قولوا لهم: خيبوهم ولا تعطوهم شيئا، فإذا مدحوا فذكروهم أنهم من تراب، فذكروهم أنهم من تراب، أي تواضعوا ودعوا هذا المدح والثناء. لكن هذا القول ضعيف، والصحيح أن الحديث على ظاهره، أن من سمع شخصا يثني عليه ويمدحه فإنه يحثي في وجهه التراب، كما فعل هؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. المقداد لما سمع هذا الرجل يثني على هذا الأمير أخذ التراب ورمى به في وجهه، وقال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثي في وجوه المداحين التراب. وهكذا كذلك فعل ابن عمر حين مدح رجل رجلا، أخذ التراب رضي الله تعالى عنه ورمى به نحو فيه، واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم المداحين فحثوا في وجوههم التراب». فهذا هي السنة، وفيه كذلك اتباع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. سمعوا هذا الحديث، فلما سمعوا من يمدح قاموا وأخذوا التراب وألقوه عليه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون حريصا على العمل بما سمع وعلم من النبي عليه الصلاة والسلام والتطبيقه والحرص على سنته، إلا إذا خشي من ذلك فتنة، إذا خشي من أن يفعل ذلك ويترتب عليه أمر أعظم منه فيتركه، فدفع المفاسد أولى من جلب المصالح. والمراد من ذلك هو قطع هذا المدح والثناء وعدم استمراره، لأن ذلك مهلك لصاحبه كما مر معنا في الأحاديث الماضية: «أهلكتم الرجل أو قطعتم عنق الرجل». فلما كان المدح سببا للهلاك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بكف المادح وقطعه عن المدح والثناء حتى لا يكون سببا في إهلاك غيره. قال: وحدثنا محمد، قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن رجاء أبي رجاء -وهو مجهول- وعن محجن الأسلمي، قال رجاء: أقبلت مع محجن ذات يوم حتى انتهينا إلى مسجد أهل البصرة، فإذا بريدة الأسلمي على باب من أبواب المسجد جالس، قال: وكان في المسجد رجل يقال له سكبة يطيل الصلاة. فلما انتهينا إلى باب المسجد وعليه بردة، وكان بريدة صاحب مزاحات -يعني يحب المزاح- فقال: يا محجن، أتصلي كما يصلي سكبة؟ فلم يرد عليه محجن ورجع، قال: قال محجن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي، فانطلقنا نمشي حتى صعدنا أحدا، فأشرف على المدينة، فقال: «ويل أمها من قرية يتركها أهلها كأعمر ما تكون، يأتيها الدجال فيجد على كل باب من أبوابها ملكا فلا يدخلها». ثم انحدر حتى إذا كنا في المسجد، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي ويسجد ويركع، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» فأخذت أطريه، فقلت: يا رسول الله، هذا فلان وهذا، فقال: «أمسك، لا تسمعه فتهلكه». قال: فانطلق يمشي حتى إذا كان عند حجرته، لكنه نفض يديه، ثم قال: «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره» ثلاثا. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله بشواهده كما في الصحيحة. وفيه إخبار رجاء أبي رجاء -وهو تابعي- أنه أقبل مع محجن الأسلمي -وهو صحابي- حتى انتهوا إلى مسجد أهل البصرة، فإذا بريدة على باب من أبواب المسجد جالس، قال: وكان في المسجد رجل يقال له سكبة يطيل الصلاة -يعني كان إذا صلى أطال الصلاة-. فلما انتهينا إلى باب المسجد وعليه بردة، وكان بريدة صاحب مزاحات، قال: يا محجن، أتصلي كما يصلي سكبة؟ -يعني هل تطيل كما يطيل سكبة الذي إذا صلى أطال الصلاة- قال: فلم يرد عليه محجن ورجع، ثم قال محجن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي -أي بيد محجن- قال: فانطلقنا نمشي حتى صعدنا أحدا -أي جبل أحد- قال: فأشرف على المدينة، فقال: «ويل أمها من قرية يتركها أهلها كأعمر ما تكون» -أي أنهم يخرجون من المدينة ويتركونها، وذلك قبل قيام الساعة كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، يتركون المدينة والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون- قال: «يأتيها الدجال فيجد على كل باب من أبوابها ملكا فلا يدخلها». وفي هذا دليل على خروج الدجال، وأن الدجال يخرج في آخر الزمان وخروجه من علامات الساعة الكبرى كما صح ذلك في الكتاب والسنة في أحاديث كثيرة. وهذا فيه رد على المعتزلة ومن نحا نحوهم من العقلانيين الذين ردوا هذه الأحاديث بعقولهم وأنكروها وكذبوا بها. قال: «يأتي الدجال فيجد على كل باب من أبوابها ملكا» -أي من أبواب المدينة- «فلا يدخلها» -أي لا يستطيع أن يدخل المدينة- فالله جل وعلا عصم مكة والمدينة من دخول الدجال. وجاء في الصحيحين حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ﴿ما من بلد إلا سيطأه الدجال إلا مكة والمدينة﴾ فإنه إذا أتاها وجد على كل باب من أبوابها ملكا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج الله منها كل كافر ومنافق». وهذا دليل على فضل المدينة، فإن من فضائلها العظيمة والكثيرة أن الدجال لا يدخلها. قال: ثم انحدر حتى إذا كنا في المسجد، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي ويسجد ويركع، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» فأخذت أطريه -يعني أمدحه وأثني عليه- فقلت: هذا فلان وهذا، له عند كذا وكذا من الأعمال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أمسك، لا تسمعه فتهلكه» -يعني لا تمدحه وتثني عليه فيسمعه فيهلك، فيهلك فيغتر بهذا المدح والثناء فيكون ذلك سببا في هلاكه- فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يمسك عن المدح. قال: فانطلق يمشي حتى إذا كان عند حجرته، لكنه نفض يديه، ثم قال: «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره» ثلاثا -أي أن خير الدين اليسر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الدين يسر، ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه، فقاربوا وسددوا»- أي أنه لا ينبغي للمسلم أن يكلف نفسه فوق طاقتها فيكون ذلك سببا في تركه لهذه العبادة والطاعة. ربما يشد على نفسه وما هي إلا أيام ثم يمل ويعجز عن القيام بهذه الطاعة فيتركها، بل الذي ينبغي أن يستمر على العمل وإن كان يسيرا، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان أحب الأعمال إلى النبي عليه الصلاة والسلام أدومه وإن قل»، قليل مع استمرار خير من كثير مع انقطاع. وفي ذلك كذلك تخفيف على نفسه وتيسير، وهذا الدين قائم على اليسر لا على العسر والشدة.