التعليقات على كتاب الأدب المفرد 65

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الغنى في الإسلام والقناعة

يشرح الحديث النبوي أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس والقناعة بما أعطاه الله. الإنسان يكون غنيًا إذا استغنى بما عنده، حتى لو كان فقيرًا ماليا.

صفات النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه الحسن

كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا ولم يتأفف من خدمة أنس له، كما كان يفي بوعوده ويتعامل برحمة مع الناس. يظهر ذلك في تعامله مع الأعرابي وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

كرم النبي صلى الله عليه وسلم وسخاؤه في التعامل

كان النبي صلى الله عليه وسلم كريمًا وسخيًا في التعامل مع الناس، حيث كان يعد من يأتيه بحاجة ويفي بوعده إن كان عنده شيء. كما يبرز تواضعه في التعامل مع الأعراب وتلبية حاجاتهم.

أحكام الصلاة على الجنازة بعد الصلاة المكتوبة

يجوز الصلاة على الجنازة بعد الصلاة المكتوبة دون مشقة على المصلين، وإلا فيؤجل أو ينيب غيره لقضاء حاجته. يراعى في ذلك عدم المشقة على الناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب سخاوة النفس، قال: حدثنا يحيى بن آدم أبو كريب، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، ومحمد بن عقيل، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، وهو ذكوان السمّان، كان يلقى بالزيات؛ لأنه يبيع الزيت ويجلبه من الكوفة أو إلى الكوفة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الغنى ليس عن كثرة العرض، والمراد بالعرض: أي ما ينتفع به من متاع الدنيا، وحظ الإنسان منها، كما قال جل وعلا: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، وكما قال: ﴿وَآتَاهُمْ عَرَضًا﴾ مثله يأخذوه، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الغنى ليس عن كثرة العرض، يعني: لا يكون الغنى بكثرة متاع الدنيا، فلا يظن الإنسان أن حقيقة الغنى هو كثرة المال وكثرة متاع الدنيا، فمن كان ذا مال كثير فهو الغني، ومن كان ذا مال قليل فهو الفقير، فهذا ليس بصحيح؛ ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، لكن الغنى غنى النفس، فتكون غنيًا باستغنائك بما عندك، وبالقناعة بما أتاك الله سبحانه وتعالى، ولو كنت فقيرًا، ولو كنت قليل المال، فأنت الغني حقيقة إذا كنت مستغنيًا بما أتاك الله سبحانه وتعالى. وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة، قال عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما أتاه»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الفلاح لمن أسلم، ورزق كفافًا، أي: رزق ما يكفيه، وقنعه الله بما أتاه، أي: جعل عنده القناعة، فهو مقتنع بما أتاه الله سبحانه وتعالى، ولو كان شيئًا يسيرًا، فهذا في الحقيقة هو الغني؛ ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، أي: أن تكون غنيًا بما أتاك الله جل وعلا، وإلا فإذا كانت في يدك الأموال، وفي يدك متاع الدنيا، ولكنك لم تقنع بما في يدك، وتريد الزيادة، وترى أنه لا شيء معك، فأنت في الحقيقة فقير، ولو كنت تملك ما تملك من الأموال؛ لأنك لم تقنع بما أعطاك الله سبحانه وتعالى. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف قط، وما قال لي لشيء لم أفعله: ألا كنت فعلته؟ ولا لشيء فعلته: لما فعلته؟ الحديث صحيح، وهو كذلك في الصحيحين. وفيه إخبار أنس رضي الله تعالى عنه بعظيم خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وجاء في رواية في مسلم أنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وجمع أهل العلم بين الروايتين بأن أنسًا خدم النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين وأشهر، خدمه تسع سنين وأشهر، ففي هذه الرواية جبر هذا الكسر، فقال: عشر سنين، جبر الكسر، فقال: عشر سنين، وفي تلك الرواية التي قال فيها: تسع سنين، لم يعتبر بالكسر، وهذا شيء معروف في اللغة؛ أنك إذا ذكرت عددًا، فإن كان فيه كسر، إما أن تجبر هذا الكسر، أو تحذفه. فأخبر رضي الله تعالى عنه أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، قال: فما قال لي: أف قط، يعني: لم يتأفف النبي عليه الصلاة والسلام بفعل فعله أنس رضي الله تعالى عنه، وأف: هي اسم فعل مضارع، بمعنى أتضجر، وتطلق على كل مستقذر، على كل مستقذر من وسخ أو نحوه، وكذلك أيضًا عند التكره إذا كره الإنسان شيئًا فيقول: أف، فأخبر أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال له: أف قط، وهو قدام عشر سنين، ما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: أف. قال: حدثنا محمد بن أبي الأسود، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا سحامة بن عبد الرحمن، عن الأصم، وسحامة بن عبد الرحمن، عن الأصم، روى عنه جماعة، ولم يوثق إلا من حبان، فهو مجهول، وقال الحافظ في التقريب: مقبول، قال: سمعت أنا سهل بن مالك، يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيمًا، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده، وأنجز له إن كان عنده، ووقيمت الصلاة، وجاء أعرابي فأخذ بثوبه، فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أنساها، فقام معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبل فصلى. والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا. والحديث في الصحيحين. ففي هذا الحديث الأول إخبار جابر رضي الله عنه بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان رحيمًا، أي: كان من صفته وخلقه عليه الصلاة والسلام أنه رحيم، وهذا كما وصفه الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، كما قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنَتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان رحيمًا، فكانت معاملته عليه الصلاة والسلام لجابر ولغيره في غاية من الرحمة، وفي غاية من الرحمة وعدم الشدة والغلظة والقساوة. قال: وكان لا يأتيه أحد إلا وعده، وأنجز له إن كان عنده، يعني: إذا أتاه أحد طالبًا لحاجة وعده، وعده إن جاء شيء أن يعطيه، قال: وأنجز له إن كان عنده، يعني: إذا كان عنده شيء أعطاه، لم يبخل بما عنده عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على عظيم كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده، وكما في حديث جابر: «ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط فقال: لا»، ما سأله أحد شيء من متاع الدنيا إلا أعطاه، حتى جاء في الصحيح: «إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليعطي الرجل الغنم بين الجبلين»، غنم بين جبلين، فيعطيها لرجل حتى يسلم، فيأتي إلى قومه فيقول: «يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر»، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان الرجل يسلم لا يريد إلا الدنيا، قال: «وما هي إلا أيام حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها»، كان النبي عليه الصلاة والسلام على غاية من الكرم. وهكذا وعد جابرًا رضي الله تعالى عنه أنه إذا جاء مال البحرين أعطاه ثلاثة أقفزة، أي: قال له: سأعطيك هكذا وهكذا وهكذا، فما جاء مال البحرين حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: من كان له شيء عند النبي صلى الله عليه وسلم فليأتنا، فأتى فأخبره، فحثى له حثية، فعدها، فإذا هي خمسمائة، قال: خذ مثليها، فأخذ ألفًا وخمسمائة، فالنبي عليه الصلاة والسلام وعده أن يعطيه، ولم يكن عنده شيء، فلما جاء هذا المال أوفى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بما وعد النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام السخاوة والكرم، وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب: سخاوة النفس. كان لا يأتيه أحد إلا وعده، وأنجز له إن كان عنده، وهكذا مرة أخرى تلقاه الأعراب وهو قادم من غزوة من غزوات، فأخذوا رداءه وطلبوا منه شيئًا، فقال: ما عندي، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لو كان عندي مثل هذه العضاة نعما، فقسمتها بينكم، ولم تجدوني بخيلا ولا كذابًا ولا جبانًا»، قال: وقيمت الصلاة، وجاءه أعرابي فأخذ بثوبه، فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أنساها، فقام معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبل فصلى، وهذا يدل على تواضع النبي عليه الصلاة والسلام وعظيم خلقه. أقيمت الصلاة، فجاءه الأعرابي فأخذ بثوبه، أخذ بثوب النبي عليه الصلاة والسلام، وطلب منه أن يقضي حاجته، وذهب معه النبي عليه الصلاة والسلام، وما عنفه ولا عاملة بقسوة، بل ذهب معه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على عظيم خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الإنسان أو الإمام إذا جاءته حاجة فلا بأس أن يقضيها إذا كانت يسيرة، ولو بعد إقامة الصلاة، ولم يكن في ذلك مشقة على المصلين، خاصة إذا كان ممن له منزلة كإمام المسلمين أو عالم من العلماء، وأما إن كان عليهم مشقة، فإما أن يؤجلها بعد الصلاة، وإما أن ينيب غيره في قضاء حاجته، ولا يشق على الناس.