التعليقات على كتاب الأدب المفرد 33

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية حسن الجوار وآدابه

يشرح هذا الفصل أهمية حسن الجوار وعدم إيذاء الجار، ويبين ضرورة التواضع وتبادل الهدايا. كما يشير إلى خطورة إيذاء الجار وعواقبه.

تحريم أذية الجار وآثارها السلبية

يتناول هذا الفصل تحريم أذية الجار ووجوب تحمل الصبر على جاره السيئ، ويستدل ببعض الأحاديث النبوية التي تدل على عظم أذية الجار.

عقوبة إيذاء الجار وتحريم الهجر

يشرح هذا الفصل عقوبة إيذاء الجار ويبين خطورة هجر المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاثة أيام، ويستشهد بأحاديث نبوية تشير إلى خطورة هذا الفعل وعواقبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم طيب، قبل أن نبدأ، سأل أحد إخوائنا: لماذا لم يكن كتاب الأدب المفرد نظم صحيح البخاري؟ الجواب أن الإمام البخاري رحمه الله اشترط في صحيحه شروطا، اشترط ألا يدخل في كتابه الصحيح إلا ما صح. ومن شروطه أن يكون الراوي لقي شيخه، أن يكون عصره، ثبت لقاؤه بشيخه. وأن كتابه الأدب المفرد فإنه لم يَشترط فيه الصحة، فلذلك ذكر فيه ما هو صحيح وما هو ضعيف كذلك. قال لنا أبو خيثمة رحمه الله في كتابه: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر النجاد، قال: حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي لا يأمن جاره بوائقه لا يدخل الجنة. والمراد بالبوائق: يعني الشرور، الذي لا يأمن جاره من يتضرر به ويتأذى منه. أخبر عليه الصلاة والسلام أنه لا يدخل الجنة. ومعنى ذلك عند أهل السنة والجماعة أنه إما أن يقوم ارتكابه لهذه الأذية لجاره مستحلا لها، فإنه يكفر بذلك، والكافر لا يدخل الجنة. وإما أن يكون المراد: لا يدخل الجنة دخولا أوليا، يعني: إن الفائزون المتقون يدخلون إلى الجنة أولا، فإن صاحب الكبيرة لا يدخل معهم، بل هو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه، وإن شاء عفا عنه. وهذا لأنه من عقيدة أهل السنة والجماعة أن أصحاب الكبائر تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم. وكل ما جاء من الحديث فيها نحو هذا اللفظ: «لا يدخل الجنة نمام»، ونحو ذلك، فهي على هذا المعنى. وأشير من هذا الحديث إلى بيان عظم أذية الجار، وأنها سبب للعقوبة وحرمان دخول الجنة. قال: باب لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة. قال: حدثنا إسماعيل، عن أبي واصل، قال: حدثني مالك بن أنس، وأم زيد، عن أسلم، أم عمر، عن معاذ الأشهلي، عن جدته أنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المؤمنات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو كراع شاة محرق». وهذا السند فيه ضعف، لكنه صحيح لما بعده. قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المسلمات، يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». وهذا صحيح، وهو في الصحيحين. والمرأة بفرسن الشاة، أي: بظلف الشاة. وإن كان الفرسن يطلق في الأصل على البعير، يطلق على البعير، لكن قد يستعار للشاة. والمراد بفرسن الشاة أنه ينبغي للمرأة للمرأة ألا تستحقر شيئا تعطيه لجارتها، لا تستحقر شيئا تعطيه لجارتها ولو فرسن شاة، يعني ولو بظلف الشاة تعطيها إياه، فلا تستحقر ذلك. لا تستحقر أن جارة لجارتها، فعليها أن تعطي جارتها ما تيسر، لو كان شيئا حقيرا أو شيئا يسيرا، تكون في ذلك حصول المحبة والمودة والمؤاساة. فهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». فتوضي لجارتها ما تيسر، لو كان شيئا حقيرا أو يسيرا، فلا تستحقر ذلك. وهذا أيضا إذا أهديت إذا أهدي لها شيئا من مثل ذلك لما هو حقير أو شيئا يسير، فإنها تقبل ذلك. وهذا من باب التواضع وحصول كذلك الألفة والمودة. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت». وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام. قال: وفي النور الأول: «ولو كراع شاة». والكراع هو ما دون الساق، أو ما دون الركبة من الساق، وهو معروف. ولا يزال الناس في بعض البلاد اليوم يستعملونه، يصنعون منه المرق، كراع يقول: الكراع. هكذا لا يستحقر الجار جاره أن يهدي له كراعا ولو كان شيئا حقيرا، لا يستحقر ذلك. وربما كان هذا لحاجة الصحابة والناس في ذلك الوقت، ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يستحقر شيئا أن يهديه لجاره، ولو كان كراعا. وينبغي كذلك للجار أن يقبله إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله يقول: «أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت». لو دعي إلى طعام، وهذا الطعام كراع، لا يمتنع، ما تكبر، هذا صغير، كراع، ما فيه لحم في السود، لا يمتنع من ذلك. قال: باب شكاية الجار. قال: حدثنا علي بن المبارك، قال: حدثنا صفوان بن عمرو المعيص، قال: حدثنا محمد بن زياد الألهاني، قال: حدثنا أبي، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارا يؤذيني. فقال: «انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق». فانطلق فأخرج متاعه، فاجتمع الناس عليه، فقالوا: ما شأنك؟ قال: لي جار يؤذيني، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق». فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم خذه. فبلغه، فأتاه، فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا آذيك. والحديث حسن. وعلامة الباني رحمه الله قال: وحدثنا علي بن حكيم، عن الأوزاعي، قال: حدثنا شريك، عن أبي عمر، عن أبي جحيفة، قال: شكى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاره، فقال: «احمل متاعك، فضعه على الطريق، فمن مر به يلعنه». فجعل كل من مر به يلعنه. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لقيت من الناس؟ فقال: «إن لعنة الله فوق لعنتهم». ثم قال للذي شكى: «كفيت أذاه أو نحوه». وهو أيضا حسن. وفيه شكاية الجار إلى من كان يستطيع إزالة أو إجابته لإزالة هذه الأذية التي يشتكي منها الجار. وهذا يدل على عظم أذية الجار، وأنه إذا آذى جاره فللجار أن يشتكي هذا الجار، وأنه يتكلم في عرضه، أنه يتكلم فيه ويخبر من يرى أنه يستطيع دفع شره أو تقليل شره. فهذا الصحابي الذي تأذى من هذا الجار أتى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره أن جاره يؤذيه، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يخرج متاعه في الطريق، وذلك حتى يرتدع هذا الجار الذي يؤذي جاره. فلما مر الناس ونظروا إلى متاعه وهو خارج البيت، جعلوا يسبونه ويلعنونه. فلما سمع ذلك الجار لعن الناس له ورجع، وأمر جاره أن يرجع متاعه إلى البيت، وأخبره أنه لا يذيقه، أنه لا يذيقه بما يضطره إلى فعل مثل ذلك. وفيه كذلك أيضا الحذر من أذية الجار، لأنها موجبة لسب الله سبحانه وتعالى، وموجبة للعنة الله عز وجل، إن لعنة الله فوق لعنتهم. فينبغي للجار أن يحذر من أذيته لجاره. وسيأتي كذلك أن أذية الجار لجاره حتى يتحول ويخرج من منزله أمر عظيم، أمر عظيم، وهو سبب لهلاك هذا الجار الذي يؤذي جاره. وهذا الحديث: جواز لعن المعين. الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز لعن المعين، أن يطول أن يقال: فلان ملعون. فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك، وقال: «لعن المؤمن كقتله». كما في الصحيحين، وهي ثابتة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن اللاعنين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». كما في مسلم. حديثه في السنن، وجائز في مسلم، حيث أبي هريرة: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا». وغلظ ذلك من الحديث التي فيها التحذير من اللعن. وأن لعن المؤمن كقتله، أي: في الإثم. وما ورد في هذا الحديث يحمل على ما قاله بعض أهل العلم: أنه يجوز لعن فاعل الكبائر، واستدلوا بحديث الغار، الذي فيه ذكر اللعن: «لعن الله من لعن والديه، لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله السارق يسرق البيضة، وتبقى يده، يسرق الحبل وتبقى يده، لعن الله الواصلة والمستوصلة، لعن الله كذلك الراشي والمرتشي». وهكذا نحو ذلك من أحاديث التي فيها ذكر اللعن. أو يكون ذلك من باب اللعن العام، ما يتكلم نحو هذه الأوصاف وهذه الكبائر، وليس فيه لعن معين لذاته. ويقول: لعن هؤلاء من هذا الباب، أي: اللعن بالوصف، لعن من فعل هذا الفعل، أن من آذى جاره حتى اضطره إلى إخراج متاعه أو إخراجه من البيت، وهو منكر، فيكون من باب لعن أصحاب الكبائر بهذا الوصف، هذا الوصف. وأنه إن يلعن شخصا بعينه، فهذا لا يجوز، ما تقول لشخص: لعنة الله عليك، أو لعن الله لأن اللعن من الله طرد وإبعاد من رحمته، وهذا لا يجوز للمسلم أن يقوله لأخيه المسلم. قال: حدثنا مقدام، عن مالك، قال: حدثنا أبو الزبير عبد الرحمن بن مغير، قال: حدثنا الفضل يعني المشرقي، قال: سمعت جابرا يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعديه على جاره، يعني يشكو عدوان جاره عليه. فبينما هو قاعد بين الركن والمقام، إذا أقبل النبي صلى الله عليه وسلم ورآه الرجل وهو قائم عند الركن عليه إزار بيض، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، من الرجل الذي رأيت معك قائما عليه إزار بيض؟» قال: «أقد رأيته؟» قال: نعم. قال: «رأيت خيرا كثيرا، ذاك جبريل صلى الله عليه وسلم رسول ربي، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيجعل له ميراثا». وهذا الحديث بهذا السند الضعيف، فالقبل هذا ضعيف، لكن معناه صحيح. وقد مر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». قال: باب من آذى جاره حتى يخرج. قال: حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا أرطاة، عن يزيد بن أبي مريم، قال: سمعته يعني أبا عامر الحمصي، قال: كان ثوبان يقول: «ما من رجلين يتصارمان فوق ثلاثة أيام فيهلك أحدهما فماتا وهما على ذلك من المصارمة إلا هلكا جميعا، وما من جار يظلم جاره ويقهره حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله إلا هلك». والحديث صححه الباني رحمه الله. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام، أو إخبار ثوبان. فهذا الحديث موقوف على ثوبان، لكن جاء معناه مرفوعا عن عزة من الصحابة، قضي الله تعالى عنهم، في ذكر هجر أخا فوق ثلاث: «ما من رجلين يتصارمان فوق ثلاثة أيام فيهلك أحدهما فماتا وهما على ذلك من المصارمة إلا هلكا جميعا». يعني إذا التزما المقاطعة يا أخا فوق ثلاثة أيام، لا يكلمه ولا يسلم عليه، فهذا موعود بالوعيد الشديد. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الأعمال ترفع كل اثنين وخميس، فيغفر الله سبحانه وتعالى لكل أحد إلا رجلين بينهما خصومة، فيقال: «انظرهما حتى يصطلحا». وجاء في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هجر المسلم كسفك دمه». والحديث في ذلك كثيرة في المنع من ذلك والتحذير من ذلك. وهذا إذا كان الهجر في أي دنيا يجرها فوق ثلاث، إما لأجل مال أو أرض أو ذلك من أمور الدنيا، فهذا محرم، لا يجوز. وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأن إذا كان الهجر من أجل الدين، فإن هذا يجوز لو استمر أعواما، كما هجر ابن عمر ابنه، وهجر عبد الله بن المبارك بعض أقاربه حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، فهذا لا يدخل في هذه الأحاديث التي فيها التحذير من الهجر فوق ثلاث. قال: ولم يذكر الإمام البزار رحمه الله في تفسير حينها، ساق هذه الأحاديث التي فيها التحذير من هجر المسلم فوق ثلاث، بعد أن انتهى منها، قال: إذا كان هذا إذا كان من أجل الدين، فليس في هذا من شيء، يعني إذا كان الهجر من أجل الدين، ليس من أجل الدنيا. قالت: فهي لا تدخل في هذه الأحاديث التي فيها التحذير من هجر المسلم فوق ثلاث. وكذا أيضا إذا ظلم الجار جاره وقهره وآذاه حتى حمله على أن يخرج من منزله بسبب الأذية، فإن ذلك سبب لهلاك هذا الجار الذي يؤذي جاره. طيب، ننتقل إلى درس آخر، آله الله تعالى. اشتركوا في القناة.