التعليقات على كتاب الأدب المفرد 1

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بر الوالدين وأهميته في الإسلام

يتناول أهمية بر الوالدين في الإسلام والإحسان إليهما، ويشمل ذلك طاعتهما وخدمتهما. كما يبين أن بر الوالدين هو ثاني أحب الأعمال إلى الله بعد الصلاة على وقتها.

فضل الصلاة وبر الوالدين والجهاد

يشرح أهمية الصلاة على وقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله، حيث تعتبر من أحب الأعمال إلى الله. كما يحذر من تضييع الصلاة بسبب اتباع الشهوات ويوضح أنواع الجهاد.

تفضيل الأعمال الصالحة حسب الظروف

يُوضح أن تفضيل الأعمال يعتمد على الظروف، فمثلًا الصدقة تكون أفضل في أوقات الحاجة. يُستدل على ذلك من أحاديث مختلفة تُظهر اختلاف الأولويات حسب الأوقات والظروف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا ومحمدنا، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله في كتاب الإمام البخاري "الأدب المفرد"، وهو كتاب جمع فيه الإمام البخاري رحمه الله جملة من الأدب، وذكر ما يتعلق به من الأحاديث. وباب الأدب من الأبواب المهمة التي ينبغي أن يهتم بها المسلم، وخاصة طالب العلم. فإن الأدب باب عظيم، إذا تعلمه قالوا: إنه سبب لدخول العلم، فإن العلم لا بد له من الأدب. ومن أخذ العلم ولم يكن عنده أدب، ربما ذهب هذا العلم ولم يبق له أثر. وكما قال بعض السلف: "علم بلا أدب كنار بلا حطب". النهار إذا تركتها بلا حطب تنطفئ، وهكذا العلم إذا لم يكن صاحب العلم متأدبًا بالعلم ذهب عنه هذا العلم. بسم الله الرحمن الرحيم. باب قول الله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾. والمؤلف ذكر في هذا الباب كل جملة من أدب، في بر الوالدين، وفي حسن الجوار، وفي آداب الأكل والشرب واللباس، وغير ذلك من أبواب كثيرة. وبدأ رحمه الله بما يتعلق بالوالدين، فقال: "أبواب قول الله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾". فذكر في هذا التبويب هذه الآية: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾. أن الله جل وعلا أوصى الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما. ومن إحسان الوالدين أن يطيعهما في طاعة الله عز وجل، وفي غير معصية. وكذلك أن يقوم بخدمتهما، وخاصة إذا كان كبيرًا في السن. وهكذا ينفق عليهما إذا كان فقيرًا، فيقوم بالنفقة عليهما. وهكذا لا يرفع صوته عليهما، كما قال عز وجل: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾. والنهي عن أن يقول لهما "أف"، فكيف إذا كان أعظم من ذلك؟ كيف بالسب أو الشتم أو اللعن؟ كيف إذا كان بالضرب، كما يفعل بعض الأبناء مع آبائهم؟ فهذا من أعظم العقوق، ومن أعظم الإساءة. وهكذا الصبر عليهما، هذا من الإحسان، وخاصة إذا كبر في السن. فإن الإنسان إذا كبر في السن صارت شكايته مثل الصغير، مثل الصبي، لهذا يحتاج من الإنفاق إلى رعاية أكثر وأعظم. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿فإن بلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾. لأن في حال الكبر تكثر الأوامر، تكثر الطلبات من الأبوين. فإذا كان كبير السن كثير الطلبات، كثير الأوامر، فيحتاج من الابن أن يصبر ويتحمل إذا أمر بشيء أو أراد شيئًا، أن يتحمله. قال: حدثنا أبو الوليد، وهو الطيالسي، عن هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا شعبة، وابن جريج، وأمير المؤمنين في الحديث، قال: قال الوليد: إني سمعت أبا عمر الشيباني، وهو سعد بن إياس، يقول: حدثنا صاحب هذه الدار -وأومأ بيده إلى دار عبد الله- قال: قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله". قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. ففيه أن أبا عمر الشيباني أخبر أنه حدثه عبد الله بن مسعود، وقوله: "سمعت صاحب هذه الدار" وأشار إلى دار عبد الله، يعني ابن مسعود. وهذا من باب التأكيد أنه سمع هذا الخبر من عبد الله بن مسعود. فأشار إلى داره، ثم أخبر أن عبد الله سأل النبي عليه الصلاة والسلام: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: "الصلاة على وقتها". ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله". فهذا الحديث فيه أن من الأعمال التي هي أحب إلى الله عز وجل الصلاة على وقتها. فالصلاة التي هي الركن الثاني من أركان هذا الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة". فإقام الصلاة ركن من أركان هذا الدين، ولها وقت معين، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾. فإقامة هذه الصلاة في وقتها هذا من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، أن تؤدى الصلاة على وقتها. وقد جاء في الشرع ما يدل على أوقات الصلاة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. فإذا دخل وقت الصلاة، فإن على العبد المسارعة في أداء هذه الصلاة في وقتها، ولا يتأخر عن وقتها إلا معذور، إذا كان مريضًا أو مسافرًا، أنه لا بأس إذا أخر الصلاة حتى يجمعها مع الصلاة بعدها بسبب هذا العذر. أما إذا لم يكن له عذر، فلا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها، أو يضيع الصلاة بسبب عمل من الأعمال. ولا يباري بوقت الصلاة حتى يخرج وقتها، فهذا ما يعود من الله جل وعلا بالخسارة. يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وكما قال جل وعلا: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾. فالله عز وجل توعد من أضاع الصلاة بسبب اتباع الشهوات. بسبب اتباع الشهوات، يضيع الصلاة من أجل العمل، ويضيع الصلاة من أجل النظر إلى الأفلام والمسلسلات، يجلس إلى الليل يقلب القنوات، ثم ينام في آخر الليل، وما يستيقظ للفجر، رغم أن الشمس قد طلعت. هذا خاسر. وهكذا من يضيع الصلاة من أجل اللعب، يجلس يلعب طول الليل في الورق أو الدومينو أو الكيرم وغيرها من هذه اللعب، فيصبح وتضيع الصلاة. أو غير ذلك من الشهوات التي تكون سببًا في تضييع الصلاة على وقتها، فهذا محروم وخاسر. أما من يسارع في أداء هذه الصلاة في أول وقتها، فهذا هو المسلم. والآن شرع الله الصلاة في الجماعة، تؤدى في بيوت الله سبحانه وتعالى. ومن يضيع الصلاة في الجماعة، فهذا سبب لأن تؤدى هذه العبادة في وقتها. إنها تكون مربوطة بالجماعة، فإنها تجمع كل ما يكون في يدك من أجل أن تؤدي هذه العبادة، فتكون ذلك سببًا في أدائك لهذه الصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى. قلت: ثم قال: "ثم بر الوالدين" أيضًا من أحب الأعمال إلى الله عز وجل. بر الوالدين: الإحسان إليهما بالقول وبالفعل وبالمال وبغير ذلك مما فيه معنى الإحسان والبر. فهذا من أحب الأعمال إلى الله عز وجل. وبالعكس، الإساءة إليهما بالقول أو بالفعل، فإن ذلك من أبغض الأعمال إلى الله عز وجل. قلت: ثم قال: "ثم الجهاد في سبيل الله". يعني كذلك من الأعمال التي هي أحب إلى الله عز وجل الجهاد في سبيل الله. وقد وردت أدلة كثيرة جدًا في الكتاب والسنة في فضل الجهاد في سبيل الله عز وجل، فهو من الأعمال الفاضلة. كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وأكد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. لكن هذا إذا كان الجهاد الشرعي الذي أخبرت به شروطه الشرعية التي ذكرها أهل العلم. أما جهاد الفوضى وجهاد الفتن الذي يقوم به بعض من ينتسب إلى الإسلام من إقامة عمليات التفجير أو الانتحارات وإثارة الفتن في أوساط المسلمين، وكذلك قتل الأبرياء والمستأمنين من المسلمين، هذا ليس من الجهاد، بل هذا من القتال. والجهاد في سبيل الله هو ما كان في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله جل وعلا، لإعلاء كلمة التوحيد. هذا الجهاد الذي تنفر عليه أدلة الشرع بشروطه وضوابطه. ويكون كذلك في الجهاد في سبيل الله العلم، فالجهاد على نوعين، كما كان يقول رحمه الله وغيره: ما العلم؟ جهاد بالسيف والصدام، وجهاد بالحجة والقرآن. فمن الجهاد في سبيل الله العلم ونشره، العلم فهذا من الجهاد. ولهذا كان يقول يحيى بن يحيى رحمه الله وغيره: "طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله". طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله. فقد يكون في بعض الأزمان الجهاد بالسيف والسيمان هو الأفضل، وهو المقدم، كما كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يكون في بعض الأزمان الجهاد بالعلم وبالحجة والقرآن هو المقدم، كما في هذه الأزمان. فإن الجهاد في هذه الأزمان بالحجة والقرآن، لأن الجهاد بالسيف لا يوجد عند المسلمين القدرة والاستطاعة لذلك، فعليهم أن يعتنوا بالعلم، وأن ينشروا العلم. قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. يعني لو أني سألت النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة على ذلك لزادني. لكن غفرًا منه للنبي عليه الصلاة والسلام، وشفقًا عليه، لم يكثر عليهم من المسائل، لم يكثر عليهم من المسائل. وهذا الحديث استشكل بعض أهل العلم، قال: كيف ذكر في هذا الحديث أحد الأعمال التي هي أحب إلى الله عز وجل الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله؟ وقد جاء في بعض الأحاديث أن أفضل الأعمال إلى الله عز وجل الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله. فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إن حصول الاختلاف في هذا الحديث يحمل على أمور، منها: أنه لاختلاف أحوال السائلين. فعلم من حال هذا السائل أن الأفضل في حقه المواظبة على الصلاة وأداء الصلاة في وقتها. وعلم من حال الآخر أن الأفضل في حقه الجهاد في سبيل الله، فقدمه. وهكذا استُدل على تقديم هذه الأعمال باستدلال أحوال السائلين. قال: وقيل: إن الاستدلال الحاصل هو باستدلال الأوقات. ففي بعض الأوقات يكون هذا العمل أفضل من ذلك العمل. فمثلًا الجهاد في سبيل الله من الأعمال القادحة، لكن إذا جاء هم وحصار واحتاج من الصدقة، فالصدقة في هذا الموضع أفضل. فالصدقة في هذا الموضع أفضل. فيكون الاستدلال في هذه الأحاديث على اختلاف أوقاتها. وقيل: المراد بالفضل المطلق، لا الفضل المقيد. مطلق الفضل.