التعليقات على كتاب الأدب المفرد 431

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 431، ألقاها

خطورة الكلام الزائد وأهمية حفظ اللسان

يتناول هذا الفصل خطورة الكلام الزائد عن الحاجة وآثاره السلبية، ويشدد على أهمية التحكم في اللسان لتجنب الذنوب. كما يستشهد ببعض الأحاديث النبوية التي تحذر من خطورة اللسان.

أثر استقامة اللسان على سائر الجوارح

يُبين هذا الفصل أهمية استقامة اللسان وخطورة إطلاقه في الكلام الزائد، حيث يؤثر ذلك على استقامة الجوارح. كما يشير إلى أن كثرة الكلام تؤدي إلى الوقوع في الإثم.

تحذير النبي من سوء الخلق وكثرة الكلام

يناقش هذا الفصل تحذير النبي من كثرة الكلام بغير ضابط واعتباره من شرار الأمة، ويشير إلى أن خيار الأمة أحاسنهم أخلاقا. كما يوضح أن حسن الخلق يشمل بذل المعروف وكف الأذى.

فضل حسن الخلق وأثره في الدنيا والآخرة

يبرز هذا الفصل أهمية حسن الخلق وكونه سببًا لنيل الخير في الدنيا والآخرة، ويشدد على ضرورة سؤال الله العون على تحسين الخلق وحفظ اللسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب «أدب المفرد»، باب فضول الكلام: حدثنا مسدد، قال: حدثنا معتمر، عن ليث، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: لا خير في فضول الكلام. هذا الباب، باب فضول الكلام، أي الكلام الزائد عن قدر الحاجة. ففضول الكلام أيضا مما يوقع الإنسان في كثير من الشر، بما يتلفظ به ويتكلم به بلسانه، بسبب عدم الحاجة إلى مثل هذا الكلام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت»، إما أن تتكلم بخير، وإما أن تصمت وتسكت، وهذا خير لك. وإذا تكلمت ولم تبالي بما تتكلم به وتتحدث به، وقعت في المحظور، وفي الكلام الذي يأثم به صاحبه. وكثير من الذنوب والمعاصي يقع فيها العبد بسبب لسانه، بسبب إطلاقه من غير خطام ولا زمام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أيضا، مبينا خطر اللسان: «إن العبد لا يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا، تكون من سخط الله، يهوي بها في النار سبعين خريفا»، كلمة وما يتكلم بها لا يلقي لها بالا، يظنها كلمة هينة، وكلمة يسيرة، تكون من سخط الله، يهوي بها في النار سبعين خريفا، أي سبعين عاما. وهكذا أيضا في حديث معاذ، حين قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم»، يعني إلا بسبب ما اقترفته ألسنتهم، وما تكلموا به وتحدثوا به، فأوردهم ذلك دخول النار. إذن، إطلاق اللسان خطير على العبد، أن يطلق لسانه ولا يبالي بما يتكلم به. ولهذا الذي ينبغي أن يحفظ لسانه، وأن يعتني بما يتكلم به، وينظر إن كان خيرا تكلم، وإن لم يكن فيه خير أمسك. وهذا في الحقيقة أمر صعب، لكن الإنسان يجاهد نفسه، المسلم يجاهد نفسه في ذلك، أن يحفظ لسانه قدر المستطاع، يحفظ لسانه من الغيبة، ومن النميمة، ومن السب والشتم واللعن والطعن واللمز، وغير ذلك من آفات اللسان. وفي حديث أبي سعيد، عند الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». رواه الترمذي. الأعضاء كلها تكفر اللسان، يعني تذل وتخضع للسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، يعني نحن تبع لك. إن استقمت استقمنا، إن استقام اللسان استقامت الجوارح، وإن صار اللسان معوجا صارت الجوارح على عوج. إنما نحن بك، فإذا استقام اللسان دل هذا على أهمية استقامة اللسان، فإن في استقامته استقامة بقية الجوارح، يستقيم السمع، يستقيم البصر، يستقيم اليدان، يستقيم القدمان. وإذا عوج صار اللسان منحرفا، ولسانا معوجا، مائلا عن الحق وعن الهدى، صارت الجوارح كذلك. لك رحمه الله في هذا الباب أثر أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لا خير في فضول الكلام. لا خير في فضول الكلام، فضول الكلام كما علمنا، الزائد عن قدر الحاجة، لا خير فيه، لأنه قد يجر صاحبه أن يقع في المحظور، وفي الإثم. كلما أطلق لسانه وكثر كلامه، كثر خطأه، من كثر كلامه كثر خطأه. فكثرة الكلام سبب لحصول الزلات والسقطات. بخلاف ما لو حفظ الإنسان لسانه، فإنه يأمن من الوقوع في الزلل والخطأ. قال: لا خير في فضول الكلام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صمت نجا»، يعني من سكت حصل له النجاة، حصل له السلامة، يسلم من الوقوع في الإثم، الوقوع في الفتنة. إذا كان في فتنة دنيوية، إذا أمسك لسانه سلم من أعراض الناس، ومن الوقوع في الغيبة، وفي غير ذلك من أنواع المآثم. وكذلك ينجو في الآخرة، ينجو من آفات اللسان، ومن عقوبات إطلاق اللسان. «من صمت نجا»، وهذا الأثر فيه الليث، وفيه ضعف، لكن معناه صحيح، وله شواهد بمعناه. عند الترمذي من حديث جابر، وعند الإمام أحمد من حديث أبي ثعلبة الخشني. قال رحمه الله: حدثنا مطر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا البراء بن يزيد، عن عبد الله بن الشقيق، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «شرار أمتي الثرثارون، المشدقون، المتفيهقون، وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا». هذا الحديث يقول نبي عليه الصلاة والسلام: «شرار أمتي الثرثارون»، والثرثارون: الثرثرة كثرة الكلام، كثرة الكلام بغير ضابط لذلك الكلام، فهذا يدخل على صاحبه شر، كثرة الكلام يتكلم، يتكلم، يتكلم من غير أن يراعي كلامه، ويحفظ كلامه، يقع في الزلل، يقع في كثير من الأخطاء، في غيبة، وفي شتم أو سب أو استهزاء، فلذلك عد من شرار الناس. «شرار أمتي الثرثارون»، وهذا بمفهوم المخالفة يدل على أن السكوت أسلم للإنسان، وخير له أن يسكت ويقل الكلام. قال: «المشدقون»، المشدقون يعني المتوسعون في الكلام حتى يقعوا في المحرم. المتشدقون: هو نفس المعنى، المتشدق يعني الذي يتوسع في الأمر حتى يقع في الأمور المحرمة. ومنه تشدق في الكلام، كذلك التوسع فيه يوقع الإنسان في المحظور وفي الحرام. والمتفيهقون: المتفيهق الذي يفتح فاه عند كلامه، يعني يتظاهر بالفصاحة أو شيء من ذلك، فيخرج الكلمات مع فتح الفم وتحريكه أو شيء من ذلك، هذا أيضا من شرار الناس. قال: «وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا»، خيار أمتي أحاسنهم أخلاقا، يعني في معاملتهم مع الناس. وحسن الخلق كما قال بعض أهل العلم في تفسيرهم، ذكر معناه: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. بذل الندى: أي المعروف للناس، وكف الأذى: أي كف الأذى عنهم، فلا تؤذيهم بلسانك ولا بيدك. وطلاقة الوجه: أي عند لقائك بأخيك المسلم تبتسم له، هذا من حسن الخلق. ومن حسن الخلق حفظ اللسان، لأن إطلاق اللسان من سوء الخلق. إذا كان الإنسان يطلق لسانه بالقيل والقال، والسب والشتم، هذا من سوء خلقه، هذا يعد سيء الخلق. وحسن الخلق يرفع الإنسان درجات، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم في النهار، والقائم في الليل. يبلغ درجته صاحب الخلق الحسن. وفي العكس، إذا كان سيء الخلق ربما ينزل درجات، وإن كان عنده عبادة وعنده طاعة. وفي حديث المرأة الجارة التي سئل عنها النبي عليه الصلاة والسلام، امرأة لها صيام وصلاة، لكنها تؤذي جيرانها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها، هي في النار». لا خير فيها، ما نفعها صومها وصلاتها مع سوء خلقها وبذاءة لسانها. فحسن الخلق سبب عظيم لحصول الخير للإنسان في الدنيا والآخرة. ونسأل الله جل وعلا أن يعيننا على حفظ ألسنتنا، وعلى تحسين أخلاقنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على