الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شروط التواتر وعدم جواز الكتمان على أهل التواتر، حيث يبين أن التواتر لا يشترط فيه الإسلام أو العدالة للمخبرين. كما يتناول عدم جواز الكتمان على أهل التواتر فيما يحتاج إلى نقله ومعرفته.
يناقش هذا الفصل أقسام الأخبار الشرعية ودلالة خبر الآحاد، حيث قسم العلماء الأخبار إلى متواتر وآحاد، وتناول آراء العلماء في دلالة خبر الآحاد، حيث اختلفوا في ما إذا كان يفيد الظن أو اليقين.
يتناول هذا الفصل آراء العلماء في مسألة إفادة خبر الآحاد للعلم، حيث ذكر ثلاثة أقوال في المسألة، وأوضح أن القول الثالث الذي يفصل بين ما احتفت به القرائن وما لم تحف به هو الأقرب للصواب. كما يشير إلى وجوب العمل بالحديث الصحيح.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، ليس من شروط التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولا... إلى آخره. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن التواتر لا يشترط في المخبرين به إسلام ولا عدالة؛ لأن القطع بصدق خبرهم من حيث إن اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب مستحيل عادة لكثرتهم، والعادة تحيل ذلك في الكفار والمسلمين. ليس صدق خبرهم من حيث أن المخبرين به عدول مسلمون، وإنهم لا يشترط فيهم أن لا يحصرهم بلد، بل يحصل القطع بخبرهم وإن حصرهم بلد أو مسجد، كالحجاج إذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج، وأهل الجمعة إذا أخبروا عن حادثة منعتهم من صلاة الجمعة، علم صدقهم في الأمرين مع حصرهم في محل أو مسجد. فيبين رحمه الله أنه لا يشترط في خبر التواتر الإسلام والعدالة، فقد يخبر الكفار عن أمر تواتر حصوله ووقوعه، فيحصل به التواتر مع كونهم غير مسلمين أو غير عدول. وهكذا أيضا لا يشترط حصول هذا التواتر أن يكون في بلد معين، أو يحصرهم بلد، يعني يحصر أهل التواتر، فيكون جميع أهل الخبر بهذا الخبر المتواتر في بلد واحد. بل قد يحصرهم بلد أو مسجد، كما ذكر، كالحجاج إذا أخبروا بواقعة حصرت في الحج، فتواتر نقل هذا الخبر عن من ذهب إلى الحج مع اختلاف بلدانهم حصل بذلك العلم اليقيني. قال المؤلف رحمه الله: فصل، ولا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته، وأنكر ذلك الإمامية... إلى آخره. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ما يحتاج إلى نقله؛ لأن كتمانه يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلافه، بخلاف ما هو عليه، فلم يجوز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه. فإن قال رجل من أهل الجمعة: إن الخطيب ضربه رجل بالسيف فقتله وهو يخطب على المنبر، ولم يذكر هذا باقي أهل الجمعة، جزمنا بأن ذلك الرجل كاذب؛ لأن تواطؤهم على كتمان مثل هذا الخبر أو مثل هذا الأمر مستحيل عادة، فهذا واضح. قال: ومن هنا قالوا: ما نقل آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله تواترا حكم ببطلانه. ما نقل آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله تواترا جزم أو حكم ببطلانه، يعني ما نقله الآحاد وبعض الأفراد والدواعي تتوافر على نقل هذا الخبر تواترا، فإذا لم ينقل على جهة التواتر، إذن يحكم ببطلان هذا الخبر. قالوا: فإن قيل لم ينقل النصارى كلام عيسى في المهد نقلا متواترا مع أنه حق واقع -يعني عندما تكلم كما أخبر الله سبحانه وتعالى في القرآن- قال: فالجواب أن كلامه في المهد وقع قبل ظهوره واتباعهم له قبل ظهوره -يعني ظهور عيسى واتباع من اتباعه بعد ذلك- وكلامه في المهد لا شك أنه من خوارق العادات، أنه من خوارق العادات ومما أيده الله سبحانه وتعالى به على صدق نبوته. وقيل: إنه لم ينقل -يعني نقلا متواترا- لأنه لم يكن عند كلامه عليه السلام كثير من الناس -يعني لمن حضر كلام المسيح لم يكونوا كثيرين- لم يكونوا كثيرين. قال بهذا بعضهم، وبعضهم قال: بل ما نسلم أنه لم ينقل، بل نقل نقله متواتر عندهم في إنجيل الصبوة، وهو الذي ذكر في أحوال عيسى في صبوته منذ ولد إلى أن رفع. طيب، هذا جواب على -يعني عدم التسليم بهذا- أنه لم ينقل، بل نقله، وعلى القول بأنه لم ينقل إن سلم بهذا، فيقال كما قال هنا: إما أن هذا وقع قبل ظهور واتباعه له، أو أن من حضر وشاهد ذلك كانوا قليلين، ليسوا كثيرين. قال: وخالفهم في هذه المسألة الإمامية، قائلين: إن أهل التواتر قد يكتمون -يعني أجاز ذلك- أن يحصل كتمان من أهل التواتر. قال: ورتبوا على ذلك كأن جميع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم مع كثرتهم كتموا كلهم النصوص المصرحة بإمامة علي رضي الله عنه. وقالوا: الوقوع وقوع دليل على الجواز -يعني قال هذا وقع أن الصحابة كتموا إمامة علي رضي الله عنه، وهذا من التواتر أمر متواتر في إمامته، ومع ذلك كتموا ذلك- كتم أهل التواتر هذا الخبر، وقولهم باطل بلا شك، وافتراء على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: وحاش أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يفتريه عليهم الإمامية من المختلقات. قال مؤلف رحمه الله تعالى: القسم الثاني أخبار الآحاد، وهي ما عدا المتواتر. قال: اعلم أولا إن الآحاد جمع أحد، وهمزة أحد مبدلة من واو، فأصلها وحد، أصلها وحد، فأبدلت همزة فصارت أحد. قال: وربما نطقت العرب فيه بالواو على الأصل، ومنه قول نابغة ذبيان: كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحدي. قال: وضابط خبر الآحاد، قال: وضابط خبر الآحاد أنه ما لم يدخل في حد المتواتر الذي قدمنا تعريفه؛ لأن القسمة ثنائية عند الجمهور، وعليه فالمستفيض الذي لم يبلغ حد التواتر من الأحاد، خلافا لمن جعل القسمة ثلاثية، فجعل المستفيض واسطة بين المتواتر والأحاد. قال: قال: في القسمة ثنائية عند الجمهور -يعني خبر إما تواتر وإما أحد- والمستفيض وهو بمعنى المشهور لم يبلغ حد التواتر فهو من قسم الأحاد. قال: خلافا لمن جعل القسمة ثلاثية، فجعل الخبر متواتر وآحاد ومستفيض، وجعل المستفيض منزلة بين المتواتر والأحاد. قال: فجعل المستفيض واسطة بين المتواتر والأحاد، وأقل المستفيض أربعة، وقيل اثنان، وقيل ثلاثة، والصحيح ثلاثة. وأشار في المراقب هذا بقوله: وخبر الآحاد مظنون عدا عن القيود في الذي تواتر والمستفيض منه وهو أربعة أقله. وبعضهم قد رفعه عن واحد، وبعضهم عما يلي، وجعله واسطة قول جلي، وصرحنا المستفيض من أقسام الأحاد. فالأحاد يدخل فيه ما رواه واحد أو رواه اثنان أو رواه ثلاثة أو ما فوق، ولم يبلغ حد التواتر، ما رواه اثنان يسمى عند أهل الحديث مثلا بالحديث العزيز، وما رواه ثلاثة يسمى بالمشهور، فإذا بلغ حد التواتر سمي متواترا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: اختلفت الروايات عن إمامنا رحمه الله -يعني إمام أحمد- في حصول العلم بخبر الواحد... إلى آخره. قال: حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة التي هي هل يفيد خبر الأحاد اليقين أو لا يفيد إلا الظن، أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب. الأول هو مذهب جماهير الأصوليين أن أخبار الأحاد إنما تفيد الظن فقط، ولا تفيد اليقين، وهو مراد المؤلف بالعلم، فالعلم هو اليقين في الاصطلاح. وحجة هذا القول أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الأحاد: أيجوز في حقه الكذب والغلط؟ لا، اضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له. وهذه الحجة في الحقيقة قد يقال أيضا في أصحاب التواتر: أليس لواحد منهم يصح منه ماذا؟ حصول الكذب والغلط؟ فالجواب: نعم، لكن قد يقول: بأن التواتر كونه يتواترون ويتابعون على نقل هذا الخبر دون حصول الاتفاق على الكذب، هذا يمنع من هذا الاعتراض، يمنع من هذا الاعتراض. لكن ما دام أن المخبر ثقة ومعلوم الصدق، فلا وجه لرد خبره. لكن القول بأنه يفيد الظن كما قال وقول الجمهور، هذا إذا خلا من القرائن. وأما إذا حفته القرائن فإنه يفيد العلم. ومن قال بخلاف ذلك قال بقول أهل الأهواء، من قال بأن الخبر الأحاد إذا حفته القرائن لا يفيد العلم، وإنما يفيد الظن، فهذا هو القول الذي يخالف قول أهل السنة والجماعة. لكن هذا القول -المذهب الأول- إذا خلا من القرائن فهو يفيد الظن بقول الجمهور. قال: المذهب الثاني: أنه يفيد اليقين إن كان الرواة عدولا ضابطين. واحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب، والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث». وهذا القول بإفادته العلم رواية عن أحمد، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية، وهو مذهب الظاهرية، ورجحه ابن حزم. قال: مذهب الثالث هو التفصيل بأنه إن احتفت به قرائن دال على صدقه أفاد اليقين، وإلا أفاد الظن. ومثال ما احتفت به القرائن: إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش. ومن أمثلته أيضا أحاديث الشيخين -يعني الصحيحين-؛ لأن القرائن دالة على صدقها لإجلالتهما في هذا الشأن، وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابهما بالقبول. وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق، كما قاله غير واحد. واختار هذا القول ابن الحاجب وإمام الحرمين والآمدي والبيضاوي. قاله صاحب الضياء اللامع. وممن اختار هذا القول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى. وحمل بعضهم الرواية عن أحمد على مقتضى القرائن على صدقه خاصة دون غيره. وهذا القول الثالث وسط بين القولين. قال المقيد عفا الله عنه: الذي يظهر لي أنه هو التحقيق في هذه المسألة، والله جل وعلا أعلم: أن خبر الآحاد -أي الذي لم يبلغ حد التواتر- ينظر إليه من جهتين: هو من إحداهما قطعي، ومن الأخرى ظني. ينظر إليه من حيث أن العمل به واجب، وهو من هذه الناحية قطعي؛ لأن العمل بالبينات مثلا قطعي منصوص في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليه المسلمون. وهي أخبار آحاد، العمل بالبينات مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي». البينة قد تكون شاهدان، أربع شهود، شاهد ويمين، طيب، والعمل بها ثبت بخبر أحد، ومع ذلك فقد عمل به -يعني يقول الآن من حيث العمل بخبر الأحد إذا صح هذا قطعي- قطعي الثبوت، ويجب العمل به. قال: وينظر إليه من الناحية الأخرى: وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر؟ فلو قتلنا رجلا قصاصا بشهادة رجلين فقتلناه، هذا قطعي شرعا لا شك فيه -يعني إقامة الحجة عليه- طيب، بشهادة هؤلاء الشهود، هذا الحكم الآن قطعي، حكم ثابت صحيح لوجود البينة. قال: وصدق الشاهدين فيما أخبروا به مظنون في نفس الأمر، لا مقطوع به لعدم العصمة -يعني قد يكون شهدوا زورا- ومع ذلك فالحاكم يحكم بالظاهر، يحكم بالظاهر، فقد يكونوا صادقين، وقد يكونوا كاذبين. قال: ويوضح هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة المتفق عليه: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار، فليأخذها أو ليتركها». والحديث في الصحيحين -يعني أنه يحكم عليه الصلاة والسلام في الظاهر، فقد يكون بعضهم ألحن بحجته من بعض- يعني عنده لسان وعنده حجة في الكلام، وربما يأتي بشهود على ما يدعي فيحكم بالظاهر البين على من عنده بينة، فحكم بها وقضى بها، قد يكون كاذبا في ذلك. هل معنى هذا أنه ما قضى له حلال له؟ لا، حرام عليه، فهو حكم بما ظهر من البينة، ما احتماله كذب هذا المدعي وعدم صدقه؟ قال: فعمل النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه قطعي الصواب شرعا، مع أنه صرح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى. وأشار في المراقب إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله: في خبر الآحاد ولا يفيد العلم ولا يفيد العلم بالإطلاق عند الجماهير من الحذاق، وبعضهم يفيد إن عدل إن عدل روى، واختير ذا إن القرين تحتوى، وفي الشهادة وفي الفتوى العمل به وجوبه اتفاقا قد حصل، كذا جاء في اتخاذ الأدوية ونحوها كسفر والأغذية. قال: يوضحه أيضا قول علماء الحديث في تعريف الصحيح: أن المراد صحته في ظاهر الأمر على ما يظهر من صحة السند. في الخلاصة يعني في هذه الأقوال أقربها القول الثالث: أن خبر الآحاد إذا حفته القرائن فإنه يفيد العلم، يفيد العلم ويجزم بثبوته. وأما من حيث العمل فيجب العمل به متى ما صح، ويجب العمل بما دل عليه من أحكام.