الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل طرق معرفة النسخ في الأحكام الشرعية، حيث يعتمد على النقل والدليل الشرعي وليس العقل أو القياس. يتم التعرف على النسخ من خلال دلالة اللفظ وتاريخ سماع الراوي وإجماع الأمة.
يتناول هذا الفصل تعريف السنة في اللغة والشرع، حيث تُعرَّف بأنها الطريقة والسيرة في اللغة، وبقول النبي أو فعله أو تقريره في الشرع. كما يوضح أن تقرير النبي يعد دليلاً شرعيًا.
يشرح هذا الفصل مراتب رواية الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقسّم الرواية إلى خمس مراتب متفاوتة في القوة. كما يتناول دلالة الأفعال التي كانت تتم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دون نهي أو نص قرآني على جوازها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل فيما يعرف به النسخ. اعلم أن ذلك لا يعلم بدليل عقلي، ولا بقياس، بل بمجرد النقل إلى آخره. قال: حاصل هذا المبحث أن العقل والقياس لا يعرف به من ناسخ من المنسوخ، وأن ذلك إنما يعرف بمجرد النقل الدال على ذلك، يعني يعرف كون هذا النسخ وكون هذا ناسخًا عن طريق النقل والدليل الشرعي، ليس بالعقل أن تجعل هذا ناسخًا وهذا منسوخًا، ولا أيضًا بالقياس، وإنما ذلك مرجعه إلى الدليل. قال: ولذلك طرق، منها أن يكون في اللفظ ما يدل على النسخ، كقوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» الحديث، فقوله «فزوروها» هذا يدل على أنه نسخ حكم المنع والنهي الذي كان قبل ذلك، فهنا علم النسخ من دلالة اللفظ، وهو مثل كثير في السنة، كقولي عليه الصلاة والسلام: «كنت أذنت لكم بالاستمتاع بالنساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة». قال: الثاني أن يذكر الراوي تاريخ سماعه، نحو: سمعت عام الفتح كذا، وسمعت في حجة الوداع كذا، أي شيئًا يناقضه، فيعرف الناسخ بتأخره، فما في حجة الوداع يكون ناسخًا لما في عام الفتح لتأخره عنه، إذا لم يمكن الجمع بينهما، لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، فمتى أمكن الجمع فلا نسخ، لأن الجمع بين الدليلين إعمال لكلا الدليلين، وأما النسخ فهو إهمال لأحد الدليلين، وإعمال كلا الدليلين أولى من إهمال أحدهما. قال: الثالث إجماع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر. قال: ومثل له من السمعاني بنسخ وجوب الزكاة لغيرها من الحقوق المالية، يعني لا تجب في المال زكاة أو حق، أو لا يجب في المال حق إلا الزكاة، وذلك بوجوب الزكاة، لما جاء الأمر بوجوب الزكاة دل على أن بقية الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ليس فيها شيء، والأمة مجمعة على ذلك، مجمعة على وجوب الزكاة، وأن الزكاة، وأن المال ليس فيه حق، يعني يجب إخراجه غير الزكاة التي جاء فيها الأمر بوجوب الزكاة في بعض الأموال. قال: ومنها أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: رخص لنا في المتعة، ومكثنا ثلاثة ثم نهانا عنها، يعني مثل ذلك إخبار الراوي بأن رخص لهم في المتعة ثم جاء النهي، فيدل على أن هذا الحكم منسوخ، هذا الحكم منسوخ، فيكون حينئذ ما ذكر من النهي عنه بعد ذلك ناسخًا للإباحة، فهنا الراوي نقل الناسخ والمنسوخ، المنسوخ وهو المتعة، الرخصة بالمتعة، والناسخ بعده هو النهي عنها. قال: ومنها يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا في أول الإسلام. قال: عندي أحد الخبرين أسلم، يعني أسلم الراوي لأحد الخبرين. قال: إلا في أول الإسلام، كرواية طلق بن علي وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج. والله تعالى أعلم. قال مقيد عفى الله عنه: اعلم أن محل التقديم لخبر متأخر الإسلام عن من أسلم قبله فيما إذا مات الأول قبل صحبة الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم، أما إن عاش الأول حتى صحب الآخر النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون حديث المتأخر ناسخًا لحديث المتقدم لحديث متقدم الإسلام، لاحتمال أن يكون متقدم الإسلام روى الحديث بعد متأخر الإسلام، إذ لا مانع من ذلك عقلًا ولا عادة ولا شرعًا. قال: ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث أبي هريرة المذكور على حديث طلق من هذا الوجه، بناء على أنه لم يثبت وفاة طلق قبل صحبة أبي هريرة. واعتمد هذا صاحب نشر البنود في شرح قوله في المراقي السعود. قال: والله جل وعلا أعلم. قال: الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، سيذكر في هذا المبحث بعض المباحث المتعلقة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من حيث تعريفها، ومن حيث أيضًا أقسامها. قال: اعلم أن السنة في اللغة الطريقة والسيرة، ومنه قول لبيد في معلقته: «من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة وإمامها»، أي طريقة يسيرون عليها، هذا معنى السنة في اللغة الطريقة، سواء كانت محمودة أو كانت مذمومة. قال: وفي اصطلاح الشرع هي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو قرره. قال: وقول المؤلف رحمه الله: «وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي وكذلك فعله وتقريره، لأنه لا يقرر على باطل. قال: وقوله لدلالة المعجزة على صدقه، أي أن معجزات الأنبياء تتضمن شهادة من الله لهم أن ما جاءوا به حق، إذ لو كان كاذبًا لم أيده الله بهذه المعجزات التي تدل على صدقه. قال: وقوله: وهو دليل قاطع على ممن سمعه منه شفاهًا، أو على من سمعه، وقوله: وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاهًا، أي وكذلك من شاهد فعله أو تقريره صلى الله عليه وسلم، يعني يكون دليلًا قاطعًا على صدقه من شاهد ذلك من فعل النبي عليه الصلاة والسلام أو سمعه شفاهًا، يعني من قوله سمع قوله عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضًا من تقريره، إذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا حصل في عهده أو في مجلسه، فما أنكره، كل هذا يدل على صحته وعلى أنه عليه الصلاة والسلام مقر له ومجيز له. قال: وقوله: فأما من بلغه بالأخبار، يعني لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره يفعل ذلك بعينه، ولا سمعه بأذنه، لكن بلغه في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا أو فعل كذا أو أقر كذا. قال: فينقسم في حقه قسمين: تواترًا وآحادًا، كما سيأتي إن شاء الله إيضاحه. قال: وقوله: ألفاظ الرواية في نقل الأخبار خمسة، يعني أن كيفية رواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم خمس مراتب، أقواها المرتبة الأولى، وهي ما كان اللفظ فيه صريحًا في السماع من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: نحو سمعته صلى الله عليه وسلم يقول، أو حدثني، أو أخبرني، أو شافهني، وهذا هو الأصل في الرواية، يعني التصريح بالسماع. قال: المرتبة الثانية التي تلي الأولى في القوة هي ما كان اللفظ فيه ظاهرًا في السماع منه صلى الله عليه وسلم، مع أنه محتمل، لأنه لم يسمع منه مباشرة، بل بواسطة، نحو قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك. قال: المرتبة الثالثة أن يقول الصحابي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو نهى عن كذا. قال: المرتبة الرابعة أن يقول: أمرنا أو نهانا، ولا يذكر الفاعل. قال: المرتبة الخامسة يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كانوا يفعلون كذا على عهده صلى الله عليه وسلم، فقوله: كنا نعزل، يعني في زمن النبي صلى الله عليه وسلم نفعل هذا الأمر ولم يأت فيه نهي، ولم يأت فيه قرآن، فدل على أنه جائز.