التعليق على مذكرة أصول الفقه 29

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم النسخ بالإجماع والقياس

يناقش حكم النسخ بالإجماع والقياس ومفهوم الموافقة، حيث يرى جمهور العلماء أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. كما يتناول آراء بعض الحنابلة حول جواز النسخ بالقياس إذا كانت العلة منصوصة عليها.

مفهوم الموافقة ونسخه وتأثيره

يناقش مفهوم الموافقة في النصوص الشرعية ومدى جواز نسخه وتأثيره على الأحكام الشرعية، حيث يرى الجمهور أن مفهوم الموافقة يمكن نسخه مثل المنطوق.

نسخ المفاهيم وتأثيرها على الأحكام

يناقش نسخ المفاهيم في الأحكام الشرعية وتأثير نسخ الحكم الأصلي على الأحكام الفرعية المستنبطة منه، ويتناول آراء مختلفة حول جواز نسخ مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة.

ختام وتأكيد على أحكام النسخ

يتحدث عن نسخ النصوص وتجريدها من أصلها، ويستبعد نسخ المنطوق مع بقاء المفهوم، ويختتم بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فصل، فأما الإجماع فلا ينسخ، فلا ينسخ ولا ينسخ به، إلى آخره. قال: حاصل هذا المبحث أن الإجماع لا يكون ناسخا ولا منسوخا، لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ما دام موجودا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، ولا حجة معه لأحد، ولا يعتبر للأئمة إجماع معه. وإذا كان لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، علمت أن بوفاته ينقطع التشريع، والنسخ تشريع، فلا يحصل بعدها نسخ أصلا. هذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. قال: وإذا أجد في كلام بعض العلماء ما يوهم النسخ بالإجماع، فمرادهم النسخ بالدليل الذي هو مستند الإجماع، وكل إجماع لا بد له من دليل، سواء ظهر هذا الدليل أو خفي. قال: كما أشار له المؤلف في هذا المبحث، وأشار له في المراق بقوله: بالنسخ، فلم يكن بالعقل أو مجرد لإجماع، بل ينمي إلى المستند، يعني إلى الدليل، فهو يستند إلى الدليل. قال المؤلف رحمه الله: فصل، ما ثبت بالقياس، ما ثبت بالقياس، إن كان منصوصا على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به، وما لم يكن منصوصا على علته فلا ينسخ به، إلى آخره. كلامه ظاهر، وهو قول بعض الحنابلة، وجمهور العلماء على أن القياس لا ينسخ به ولا ينسخ؛ لأنه إنما يعتبر فيما لا ينص فيه، والقياس مع وجود النص المخالف له فاسد الاعتبار، لا يعتد به. قال: كما سيأتي في القوادح. وإلى عدم النسخ بالقياس أشار في المراق بقوله: ومنع نسخ النص بالقياس، هو الذي ارتضاه جل الناس، وهو قول الجمهور، كما قال: وهو الراجح أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به. قالوا: مثال ما ذكره المؤلف من نسخ النص بالقياس، ما لو قال الشارع مثلا: أبحت لكم النبيذة المسكر المتخذ من الذرة، ثم بعد ذلك قال: حرمت عليكم النبيذة المتخذ من العنب لعلة الإسكار، فنص على العلة التي هي الإسكار، فقياس النبيذ المسكر المتخذ من التمر على النبيذة العنب بجامع العلة المنصوصة التي هي الإسكار، فينسخ هذا القياس إباحة نبيذة الذرة المسكر، يعني الذي ورده في النص على أنه هذا ورد في النص، فيكون هذا القياس قياس نبيذ العنب، قياس نبيذ التمر على نبيذ العنب بعلة الإسكار، فيكون ناسخا لإباحة نبيذ الذرة، النبيذة المسكر المتخذ من الذرة. قال: لأن تحريم نبيذ التمر، إباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما، وهي الإسكار، فكان المتأخر منهما ناسخا للمتقدم، كما لو قال الشارع: أبحت المسكر، ثم قال: حرمته. واضح المثال. قال: وعلم أن القاعدة المقررة في الأصول أن المثال لا يعترض؛ لأن المراد منه إضاح معنى القاعدة، ولهذا جاز المثال بالمفروض المقدر والمحتمل، يعني ما يقدر وقوعه، وما يحتمل وقوعه، ما لا يحتمل. المقصود هو إضاح معنى القاعدة وبيانها. قال: كما أشار له في المراق بقوله: والشان لا يعترض المثال، إذ قد كفى الفرض والاحتمال. وهذا المثال ذكره ما قد لن يقع، ما وقع في الشارع لن يقع مثله، يعني ما وقع. ماذا يجيز الشارع إباحة المسكر المتخذ من الذرة، ويحرم النبيذ المتخذ من العنب؟ لكن هذا باب المثال. قال: وعلم أن قياس النسخ على التخصيص في قول من قال: يجوز النسخ بما يجوز به التخصيص، ظاهر البطلان. قياس النسخ على التخصيص، يعني قالوا: كما أن التخصيص يخص به عموم النص، فكذلك أيضا القياس، فيجوز أن ينسخ ما يخص النص. التخصيص ما يجوز بالقياس، فقالوا: إذن يجوز النسخ بالقياس قياسا على التخصيص. قال: ظاهر البطلان؛ لأن التخصيص بيان وإرشاد، والنسخ رفع للحكم، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص، ففرق بين النسخ وبين التخصيص. التخصيص بيان وإرشاد، وإخراج بعض أفراد العام، والحكم باقي، لكن النسخ رفع للحكم، رفع للحكم وإزالة للحكم، فلا قياس بين النسخ والتخصيص. قال المؤلف رحمه الله: فصل، والتنبيه ينسخ وينسخ به، إلى آخره. قال: اعلم أن مراده بكلمة التنبيه هنا، وفي مبحث المفهوم والمنطوق، إنما هو مفهوم الموافقة. الألفاظ تنقسم إلى قسمين: منطوق ومفهوم، إلى منطوق ومفهوم. والمنطوق ينقسم إلى قسمين: صريح وغير صريح، صريح وغير صريح. فالمنطوق الصريح دلالته دلالة المطابقة، والمنطوق غير الصريح دلالته دلالة الالتزام والإشارة والتنبيه. هذه دلالة المنطوق غير الصريح. ومن التنبيه ما سيذكره الآن مما يسمى بمفهوم الموافقة. قال: اعلم أن مراده بكلمة التنبيه هنا، وفي مبحث المفهوم والمنطوق، إنما هو مفهوم الموافقة. قال: وضابط مفهوم الموافقة هو ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء، ما دل اللفظ لا في نطقه، وإنما في مفهومه على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء، وكان ذلك المدلول المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم، أو مساويا له. سواء كان مثله في الحكم، أو كان أولى به. هذا يسمى مفهوم الموافقة، ويقال له: فحوى الخطاب. بعضهم يعبر بفحوى الخطاب، وبعضهم يسميه قياس الجلي. قال: مثال ما هو أولى: دلالة النهي عن التأفيف المنطوق به في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ على النهي عن الضرب المسكوت عنه؛ لأن الضرب أولى بالنهي من التأفيف؛ لأنه أبلغ في الإيذاء منه. الآن نطق عندنا: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ المنطوق الآية يدعو على تحريم التأفيف، وما ذكر الضرب. وإيهما أشد: أن تقول لهما أف، أو أن تضربهما؟ الضرب أشد من أذية التأفيف. هذا المسكوت هو المفهوم الموافقة؛ لأنه يوافق المنطوق في الحكم. كلهم محرم. نقول: المفهوم موافقة ماذا؟ ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق سواء. قال: ومثال المساوي: دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ المنطوق به على تحريم إحراق أموال اليتامى وإغراقها، المسكوت عنه، مع أنه مساوي للمنطوق في الحكم؛ لأن الجميع إتلاف لمال اليتامى. الآن جاء النص ونطر لفظ الآية في تحريم أكل مال اليتامى. طيب، فإذا قال: ما سأكله، لكن سأحرقه أو سأغرقه، أو أضعه في البحر وأرمي به في البحر، نقول: هذا لا فرق بين الأكل وبين أن تفعل ذلك، أن تحرقه أو أن تغرقه؛ لأن المقصود هو تحريم استعماله. قال: وإنكار هذا النوع كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله: هذا من بدع الظاهرية، إنكار مفهوم الموافقة، وهو القياس الجلي، وهو أيضا من القياس. الظاهرية ينكرون المعاني، ينكرون المعاني للألفاظ. قال: وسيأتي إن شاء الله إضاح أقسام المفاهيم في محله، مع أمثلة كثيرة لكل قسم منها. قال: وإذا عرفت مراد المؤلف رحمه الله بالتنبيه، فاعلم أن معنى كلامه في هذا الفصل أن مفهوم الموافقة كالنهي عن الضرب المفهوم من النهي عن التأفيف، والنهي عن الإحراق والإغراق المفهوم من النهي عن الأكل في الأمثلة المذكورة، يجوز أن ينسخ وينسخ به؛ لأن اللفظ دل في محل السكوت على أنه كالمنط، أو أولى منه. يعني أنه مثل المنطوق، إلا أن هذا دل عليه الحكم في اللفظ، وهذا دل عليه في غير اللفظ. قال: وجمهور العلماء، علماء الأصول، على أنه مفهوم من نفس اللفظ، وليس بقياس، خلافا للشافعي الذي يسميه القياس الجلي. قال: والقياس في معنى الأصل، كما يأتي إضاحه، وإضاح بقية الأقوال فيه في محله إن شاء الله تعالى، يعني في الكلام عن القياس. قال: وإذا كان مدلولا عليه باللفظ، فلا مانع من نسخه دون أصله، والنسخ به. وهذا قول الجماعة من أهل الأصول. لا مانع من نسخه دون أصله، يعني نسخ المفهوم دون المنطوق، والنسخ يعني بالمفهوم. قال: يجوز عقلا أن ينسخ الضرب ويبقى التأفيف، كعكسه مثلا، يعني ينسخ التأفيف ويبقى الضرب. قال: ولا مانع عقلا من ذلك. وقد يأمر بعض الملوك بقتل إنسان محترم عنده جدا، فينهى عن التأفيف، وغير ذلك من الازدراء به، مع أنه أمر بقتله. مع أن القتل أشد إيذاء من التأفيف. قال: وأكثر علماء الأصول على تلازمهما، أعني المنطوق والمفهوم، فلا ينسخان إلا معا، ولا يمكن نسخ أحدهما دون الآخر. قالوا: كالقياس، لا يجوز أن ينسخ الفرع مع بقاء الأصل، إما أن ينسخ معا، وإما أن يبق معا. قال: لأن المفهوم تابع للمنطوق، ولازم له، ورفع اللازم يقتضي رفع الملزوم، ورفع المتبوع يقتضي رفع التابع. يعني إذا نسخ التأفيف مثلا، فسينسخ الضرب. فإذا نسخ المنطوق، سينسخ المفهوم الذي هو التابع له والفرع. قال: ويمكن عندي أن يمثل للنسخ بمفهوم الموافقة بما لو فرضنا أن قوله صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته»، لي الواجد يعني مماطلة الواجد، المراد بالواجد يعني الغني الذي يستطيع أن يدفع الدين، ورد قبل نزول آية: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾، هذا على فرض هذا. ذكر المؤلف من باب الافتراض أن هذا الحديث نزل قبل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾. قال: وعمل به قبل نزولها؛ لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ، كما قدمنا. وإضاحه أن قوله في الحديث: «يحل عرضه»، أي بقوله: «مطالني». «عقوبته»، أي بالحبس. وعموم الحديث يعني: «يحل عرضه عقوبته»، ولو كان هذا بين الابن وأبيه. طبعا هذا على فرض أنه قبل نزول الآية. قال: وعموم الحديث يشمل الوالد إذا مطل دين ولده وهو غني. طالب الابن أباه بسداد الدين، والأب يماطل. قال: وفحوى قوله: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ تدل على أنه لا يحبس الوالد في دين عليه لولده؛ لأن الحبس أشد إيذاء من التأفيف. إذا كان قول الأف ما يجوز، كيف تحبسه؟ لا شك هذا أشد. قال: فإن ورد هذا المخصص، ورود أو ورد. نعم، هذا الصواب. فإن ورد هذا المخصص قبل العام، قبل العمل بالعام، فهو تخصيص، وإلا فهو نسخ. وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور. قال: فإن ورد هذا المخصص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، إن كان قبل العمل بالعام، يعني الحديث بعموم الحديث. إن وردت الآية قبل العمل بالعام فهو تخصيص، وإلا يعني عمل بالعام، العمومة، ثم جاء التخصيص، وجاء اللفظ الخاص. والآية مثلا: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾، فتكون الآية ناسخة لهذا الحكم؛ لأن عموم الحديث ذو جواز يعني أن يطالب الإبن بحقه من أبيه، وأن يحبس إذا عمل بذلك قبل مجيء الآية، ثم جاءت الآية، فيكون نسخا، فيكون الآية ناسخة للحديث. قال: وقال المؤلف رحمه الله تعالى، يعني وقول المؤلف، قال في هذا المبحث: وإذا نسخ الحكم في المنطوق، بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه. وأنكر ذلك بعض الحنفية؛ لأنه نسخ بالقياس، وليس بصحيح؛ لأن هذه فروع تابعة لأصل، فإذا سقط حكم الأصل، سقط حكم الفرع. قال: وكما ذكرنا أن إن نسخ الأصل نسخ المفهوم، وإن نسخ المفهوم نسخ الأصل. قالوا: على هذا الذي ذكره المؤلف، درجة في المراق بقوله: ويجب الرفع لحكم الفرع إن حكم أصله يرى ذا رفعي. يعني إذا رفع حكم الأصل، رفع حكم الفرع. فلو مثلا أبيح أكل أموال اليتامى، هل يجوز لبس أموالهم؟ إذا أبيح أكل أموال اليتامى، هل يجوز لبس، استعمال أموالهم في اللبس؟ يجوز؛ لماذا؟ لأن حكم الأصل رفع حكم التحريم، رفع، فكذلك الفرع. قال: وإضاح معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن منطوق اللفظ إذا نسخ، بطل حكم ما تفرع عليه من مفهوم. واضح الآن. قلنا في تحريم الآية لأكل أموال يتامى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ فيها حكم تحريم أكل مال يتيم. طيب، النص جاء في الأكل. قلنا: مفهوم الموافقة كذلك اللبس، وكذلك ما هو أولى: الإحراق والإغراق. طيب، لو هذا الحكم نسخ، حكم التحريم رفع، وجاز، وجاء مثلا عن نصب إباحة أكل مال اليتيم، هل سيبقى تحريم اللبس؟ ما زال المفهوم من منطوق الآية، أو سيرفع هذا المفهوم؟ يرفع كذلك. هذا هو المراد. قال: المراد بدليل خطابه: مفهوم مخالفته. فلو فرضنا نسخ قوله: «كل مسكر حرام»، لو نسخ، رفع هذا الحكم، أنه تحريم المسكر. قال: بطل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار؛ لماذا؟ لأن أصله نسخ، فكذلك سينسخ الفرع. ولو فرضنا نسخ إيجاب الزكاة في السائمة، لبطل مفهومه الذي هو عدم وجوبها في المعلوفة؛ لبطلان أصله؛ لأن الزكاة تجب في الإبل، أو في بهيمة الأنعام السائمة. فإذا نسخ حكم السوم، إذن سينسخ مفهوم المخالفة، وهو عدم الوجوب في غير السائمة، وسيكون الزكاة واجبة في جميع بهيمة الأنعام. واضح. فإيجاب الزكاة كلنا هي مقيدة بالسائمة التي ترعى في سائر الحول. طيب، مفهوم المخالفة: غير السائمة ليس فيها زكاة. طيب، فإذا نسخ هذا الحكم، نسخ وجوب الزكاة في السائمة، إذن لبطل المفهوم، يعني عدم وجوب الزكاة في غير السائمة. طيب، لبطلان أصله. قال: وهكذا يعني ما نسخ أصله نسخ فرعه. قال: وقيل في هذا بعض الحنفية قائلين: إن الأصل حكم، والفرع حكم آخر، فيجوز نسخ هذا وبقاء هذا. ومثاله يعني عندهم ما حكاه الباجي عن بعضهم من شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قياسا على شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر، المنصوص بقوله: «أو آخران من غيركم»، بجامع العلة التي يتعذر وجود الشهود من المسلمين، ثم نسخت شهادتهم على المسلمين في السفر على القول بذلك. قال: وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض غير منسوخ، مع نسخ الأصل المقيس عليه، بناء على القول بذلك. فجعلوا شهادة المسلمين أصل، وشهادة الكافرين فرع. وهذا لا دليل عليه. فكون شهادة كافرين تقبل في حال السفر، هذا للضرورة؛ حتى لا تضيع الحقوق. فيكون قبولها من باب الجود بالموجود، ولا الأصل أن ما تقبل شهادة الفاسق. إنما شهادة العدل، أو ما ترضى شهادته من أهل الإسلام. لكن نما كان في مثل هذا الحال، لا وجد مسلم، وجد الذمي أو الكافر، فتقبل شهادته؛ كما قلنا: من باب الضرورة، كما جاء في نص الآية. قال: تنبيهان: الأول: قدمنا أن جماعة من الأصوليين قالوا: إن مفهوم الموافقة يجوز أن نسخه دون أصله، كالعكس. وصححه السبكي في جمع الجوامع. وعليه، فهذا الخلاف لم يعرج عليه المؤلف. الثاني: لم يتعرض المؤلف أيضا لمفهوم المخالفة: هل يمكن نسخه مع بقاء أصله أو لا؟ عرفنا في مفهوم الموافقة أنه لا يجوز، إما أن ينسخ، يعني ينسخ الأصل والفرع، إما أن يبقى الفرع والأصل. قال: والتحقيق: جواز ذلك ووقوعه. طبعا مفهوم الموافقة، المخالفة، ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق، مخالفا لحكم المنطوق. مثلا: في الغنم السائمة، هذا المنطوق، يعني وجوب الزكاة في الغنم السائمة. مفهوم المخالفة: أن غير السائمة ليس فيها زكاة. غير السائمة ما ذكرت في النطق في هذا اللفظ. فهي مسكوت عنها، وحكمها مخالف لحكم المنطوق. المنطوق في وجوب الزكاة في السائمة، والمسكوت عنه: غير السائمة، فليس فيها زكاة، فخالف حكمها حكم المنطوق. هذا مفهوم المخالفة. قال: يجوز أن ينسخ المفهوم مع بقاء الأصل في مفهوم المخالفة. مثاله: حديث «إنما الماء من الماء»، منطوق هذا الحديث أن من نزل منه الماء الذي هو المني، وجب عليه استعمال الماء، أي غسل الجنابة. فالماء الأول: ماء المني، والثاني: ماء الغسل. «إنما الماء من الماء»، الماء الأول غسل، والثاني المني. «إنما الماء» يعني الغسل من الماء، أي من ماء المني، من حصول الإنزال. طيب، قال: من نزول ذلك المني. ومفهوم الحصر بإنما: أن من جامع وحصل من جماعه التقاء الختانين ولم ينزل منه مني، أنه لا غسل عليه له. قال: فنسخ هذا المفهوم بوجوب الغسل عند التقاء الختانين، وإن لم يحصل إنزال، الثابت عنه صلى الله عليه وسلم، يعني في الأحاديث الثابتة عنه بوجوب الغسل عند التقاء الختانين. إذا التقى الختانان، وقد وجب الغسل. وفي حديث أبي هريرة: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل». قال: وبقي المنطوق الذي هو وجوب الغسل من الإنزال، محكما غير منسوخ. محكما غير منسوخ. قال: وعلم أنه لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة لضعفه، والاختلاف في اعتباره. وأشار إلى حكم مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة في النسخ، صاحب المراق بقوله: وجاز بالفحوى ونسخه بلا أصل، وعكسه جوازه جل، ورأي الأكثرين الاستلزام، يعني نسخ الأصل بنسخ، وبالمخالفة لا يرام، يعني نسخ المخالفة لا يجوز أن ينسخ مع بقاء الأصل. وهي عن الأصل لها تجرد في النسخ، وانعكاسه مستبعد. نعم، يعني يستبعد نسخ المنطوق مع بقاء المفهوم. والحمد لله رب العالمين، وعلى نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.