الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش هذا الفصل مسألة قبول أخبار الآحاد في العقيدة، ويرد على من يزعم أنها لا تفيد اليقين، ويبين بطلان هذا الرأي. كما ينتقد طريقة المتكلمين في تقديم العقل على النقل في مسائل العقيدة.
يتناول هذا الفصل آراء الجهمية والمعتزلة والأشاعرة في إثبات صفات الله تعالى، ويبرز أهمية قبول أخبار الآحاد في العقائد والأحكام. كما يرد على من أنكر جواز التعبد بخبر الواحد عقلا.
يناقش هذا الفصل حجية خبر الآحاد في الشريعة الإسلامية، ويعرض آراء الفريقين المؤيد والمعارض لقبول خبر الواحد. ويخلص إلى أن العقل يجيز التعبد بخبر الواحد ولا يمنعه ولا يوجبه.
يشير هذا الفصل إلى أن الأمر والنهي يأتيان من الشرع وليس العقل، ويعتبر هذا الرأي هو الصحيح في المسألة المطروحة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: تنبيه، اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول. والمراد بالفروع أي الأمور العملية، أمور العبادات والمعاملات، والأصول أمور العقيدة. وتقسيم الدين إلى فروع وأصول تقسيم محدث، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، تلميذ ابن القيم، وأنكر على من قسم الدين إلى أصول وفروع. ومع ذلك، فربما استعملوا وعبروا بهذا التعبير من باب التعبير باللفظ الذي يعني يخاطب به ويستعمل، مع إنكارهما لمثل هذا التقسيم. وربما عبر شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه بغير هذا التقسيم، فيقول بدل الفروع الأمور العملية، وبدل الأصول الأمور العلمية. الأمور العملية والأمور العلمية. قال: فما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب إثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله، على نحو «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، على نحو «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، يعني إثبات الصفات من غير تمثيل ولا تعطيل. «ليس كمثله شيء» رد على الممثلة، «وهو السميع البصير» رد على المعطلة. قالوا: بهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شيء من صفات الله، زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين، وأن العقائد لا بد فيها من اليقين، باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد تحكيم العقل، وهذا ظاهر. فيلزم من هذا وعدم إثبات الأحكام والعقائد بما ثبت بأحاديث الآحاد، رد كثير من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام بمجرد تحكيم العقل. لهذا هؤلاء كالمعتزلة ومن كان على شاكلتهم ردوا كثيرا من أمور العقيدة، أنكروها بسبب أنها ثبتت بأخبار الآحاد، فأنكروا المسيح الدجال، وأنكروا عذاب القبر، وأنكروا الحوض، وغيرها من الأمور الكثيرة التي وردت في السنة، بزعمهم أنها أخبار آحاد. قال: والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله. وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي، وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلح عليها، أنه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل، لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي هو جهل وتخبط في الظلمات. فجعلوا ما يثبته العقل أمرا قطعيا، وما ثبت بالدليل أمرا ظنيا، فقدموا العقل على النقل. وهذا باطل. قال: ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلا: إن العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها، وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك. فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون: هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبتم فيه، بل العقل يوجبه. وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه كذبتم فيه، بل هو يمنعه. وهذا معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة، ومنها مسائل إثبات الصفات. فالجهمية ينكرون الأسماء والصفات بعقولهم، والمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فيقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم. والأشاعرة أنكروا الصفات إلا سبع صفات، زعموا أن العقل يثبتها. وأما غيرها من الصفات فلا يثبتها العقل. فيرد عليهم المعتزلة، يقولون: ما زعمتم وادعيتم أن العقل يثبت هذه الصفات السبع، فيلزمكم إثبات بقية الصفات، لأن العقل كذلك يثبتها ولا يمنع من إثباتها. وهكذا يرد بعضهم على بعض بسبب تحكيم العقل. قال: فيجب على المسلم أن يتقبل كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، ويعلم أنه إن لم يحصل له الهدى والنجاة باتباع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يحصل له ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل. على أن لو أنهم يعني حركوا عقولهم بقصد إرادة الحق والصواب، فإن العقل لا يخالف النقل، العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «درء تعارض العقل والنقل»، وبين فيه أنه لا يتعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح، بل إن العقل يوافق ما جاء في الشرع وما جاء في النص. لكن هؤلاء جعلوا العقل هو الأساس والأصل، ثم حكموه بآرائهم وأهوائهم وعقولهم، فخالفوا به النصوص. قال: وعلى كل حال، فإثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات، كالعمل بما دلت عليه من أوامر الله ونواهيه، كما أن ثبوت بها أوامره ونواهيه. وكذلك تثبت بها صفاته. وقد بينا أنها من إحدى الجهتين قطعية، يعني كما أننا نقبل أحاديث الآحاد في ثبوت الأحكام، ثبوت الأوامر والنواهي، فإننا كذلك نثبت ما أثبتته من صفات الله وما يتعلق بأمور العقائد. فيجب العمل بخبر الآحاد في العقائد والأحكام. ومن فرق بينهما فهو ضال زائغ. قال المؤلف: فصل، وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلا إلى آخره. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن قوما أنكروا جواز التعبد بخبر الآحاد عقلا. قالوا: لا يجوز عقلا أن يأمر الله خلقه أن يعبدوه بمقتضى ما يبلغهم عنه وعن رسله على ألسنة الآحاد. وعللوا ذلك الامتناع العقلي بأن الآحاد غير معصومين، فخبرهم غير مقطوع بصدقه. وغير المقطوع بصدقه ليس من العلم، والتكليف بما ليس بمعلوم علما يقينا يقبح. والقبيح مستحيل في حق الله تعالى. قال: ومن يروى عنه هذا القول ابن علية، أي إبراهيم ابن إسماعيل ابن علية. المحدث إسماعيل ابن علية له ابن اسمه إبراهيم، جهمي اسمه إبراهيم ابن علية. قال: والأصم من المعتزلة، والجبائي أبو هاشم الجبائي، وجماعة من المتكلمين، يعني قالوا بهذا القول. قالوا: وهذا القول لا شك في بطلانه، كما أنه لا شك أن التحقيق هو مذهب الجمهور، وهو جواز وقوع التعبد بأخبار الآحاد، فالعمل بها قطعي. قال: ومن نظر في كثير من الأحاديث الواردة، هي أخبار آحاد، فيها الأوامر والنواهي وإثبات الأحكام. ومع ذلك كان العمل بها لازم. وفي ذلك أدلة كثيرة، منها مثلا حديث بموسى لما أتى أبي موسى أو أبي سعيد الخدري لما دق الباب على عمر ثلاثا فلم يسمعه، انطلق انصرف، لحقه، فسأله عن السبب، فذكره. الحديث: «الاستيذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع». قال: تأتي النبي من يشهد معك وإلا أوجعتك ضربا. قد يقول بعضهم: إذن عمر ما قبل هذا الحديث لأنه أحد. الجواب: لا، ليس لأجل هذا. إنما أراد التثبت. ولما جاء إلى قوم من الصحابة، فسأله عن ذلك وشهد معه غيره، أظن أنه حيث بموسى وشهد معه أبو سعيد الخدري، وهم اثنان، زال عنه أحد. ومع ذلك قبله عمر وعمل به. ومثل ذلك كثير. قال: نحن معكم أنهم من جهة عدم العصمة، صح غير معصومين. ولهذا نحن نقول: إن خبر الآحاد هو ظني الثبوت، من حيث الثبوت ظني. لكن من حيث العمل قطعي، يجب العمل به قطعا. ومع ذلك فالرسول هو أحد، هو واحد، ما زال واحد، ليس المتواتر. هو واحد، ومع ذلك وجب الإيمان به وتصديق خبره وقبول ما جاء به. قال المؤلف: فصل، وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة إلى آخره. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أبا الخطاب قال: إن العمل بخبر الآحاد يوجبه العقل لثلاثة أمور. الأول: إن الأمور القطعية في الشرع قليلة، والأغلب فيه الظنيات. فلو علق العمل على القطع، يعني الأمور القطعية، لتعطل أغلب الأحكام لندرة القواطع وقلة مدارك اليقين. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة، ولا تمكن مشافهة جميعهم، ولا إبلاغ جميعهم بالتواتر. فلذا الاكتفاء يعني بالأحاد. الثالث: أن العدل الراوي لخبر الواحد مظنون الصدق لعدالته، والظن أرجح من مقابله. والعمل بالراجح يوجبه العقل. فمتى ترجح وجود أمر الله ورسوله بأخبار العدل، فالعمل به إذن أرجح من مقابله، فالعقل يقتضيه. وأجاب المخالفون عن الأمور الثلاثة بأنه لا يلزم من عدم التعبد به تعطل الأحكام، لإمكان البقاء على البراءة الأصلية، واستصحاب العدم الأصلي. وكذلك الظن الناشئ منه، قالوا: لا يرفع حكم اليقين الثابت بالبراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي. قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم يكلف بتبليغ من أمكنه تبليغه من أمته، دون من لم يمكنه. قال مقيد عفو الله عنه: التحقيق أن العقل بالنظر إليه وحده لا يمنع التعبد بخبر الواحد، ولا يوجبه. فكل القولين المتقدمين باطل، أعني قول من قال: يمنعه العقل، كالأصم والجبائي. وقول من قال: يوجبه، وهو أبو الخطاب. فالعقل يجيز التعبد به، ولا يمنعه، ولا يوجبه. وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى. وهذا قول وسط بين هذين القولين، بين قول من أنكر جواز ذلك بالعقل، كما مر معنا من قول هؤلاء المتكلمين. وقول من أوجب ذلك، أبي الخطاب. بل العقل يجيز التعبد بخبر الواحد، ولا يمنع ذلك. ما يمنع ذلك. لكن حصول الإيجاب هذا يرجع إلى الشرع. حصول الأمر والنهي إنما هو من جهة الشرع، لا من جهة العقل. فيكون هذا القول هو القول الحق في هذه المسألة.