التعليق على مذكرة أصول الفقه 35

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 35، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شروط قبول رواية الحديث وانتقاد مذهب الجبائي

يناقش هذا الفصل شروط قبول رواية الحديث، حيث ينتقد مذهب الجبائي في اشتراط تعدد الرواة، ويفرق بين الرواية والشهادة، ويعدد الشروط الأربعة لقبول رواية الراوي.

تفصيل شروط الضبط والعدالة في الراوي

يتناول هذا الفصل تفاصيل شروط قبول رواية الحديث، حيث يشترط في الراوي الضبط والعدالة، ويشرح معنى كل من الضبط والعدالة وتفاصيلهما.

أثر فسق الرواة على قبول روايتهم

يبحث هذا الفصل في تأثير فسق الرواة على قبول روايتهم، حيث يشترط العدالة في الرواة، ويتناول أنواع الفسق التي تؤثر على قبول الرواية مثل البدع المكفرة.

أثر ترك الحديث على رواية العلماء وتقبلها

يناقش هذا الفصل تأثير ترك الحديث على رواية العلماء، حيث يشير إلى أن ترك الحديث قد يؤدي إلى ضعف روايته، لكن العلماء قبلوا رواية الصحابة على الرغم من ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فصل، وذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان، إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلا، إلى آخره. خلاص ما ذكره في هذا الفصل أن الجبائي -وهم المعتزلة- قاس الرواية على الشهادة، وهذا مذهب باطل بإجماع من يعتد به من العلماء. فرواية المرأة كرواية الرجل، وليست شهادتها كشهادته؛ لأن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾. وروايتها كروايته، ورواية النساء مقبولة في الدماء والحدود ونحو ذلك؛ يعني في غير الأموال، ولا تقبل شهادتهن في ذلك. ورواية النساء مقبولة في الدماء والحدود ونحو ذلك، ولا تقبل شهادتهن في ذلك؛ يعني الشهادة فيما يتعلق بالدماء والحدود، مع أنها تقبل روايتها إذا أخبرت بحديث يتعلق بالدماء أو يتعلق بالحدود. قبل روايتها، وإذا شهدت لم تقبل شهادتها؛ فدل على الفرق بين الشهادة وبين الرواية. قال: «والشهادة في الزنا لا بد فيها من أربعة؛ يعني أربعة شهود يشهدون أنهم رأوا الميل في المكحلة». والرواية فيه لا تحتاج إلى غير ذلك؛ لا تحتاج -يعني- إلى أربعة شهود، لا تحتاج إلى أربعة شهود الرواية فيما يتعلق بالزنا، لكن لو أريد الشهادة فلا بد من أربعة شهود؛ فدل على الفرق بين الشهادة والرواية. قال: «إلى غير ذلك من الفوارق بينها التي لا نزاع فيها بين أهل العلم؛ فدل على بطلان هذا القول الذي ذهب إليه الجبائي من اشتراط اثنين في الرواية». قال المؤلف رحمه الله: «ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط: الإسلام، والتكليف، والعدالة، والضبط»، إلى آخره. قال: «اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق، ولو كان متأولا معظما للدين؛ لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام، وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه». وأما غير المكلف كالصغير والمجنون؛ فلا تقبل روايته أيضا على التحقيق. أما المجنون؛ فلا تقبل مطلقا، لا في التحمل ولا في الأداء؛ يعني لا في وقت التحمل ولا في وقت الأداء؛ لأنه غير عاقل، فلا يستطيع ضبط ما يسمع من الحديث والرواية. وأما الصبي؛ فيقبل في التحمل دون الأداء على التحقيق. والمعنى أنه إن سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فتحمله عنه وهو صغير عاقل، ثم أداه بعد بلوغه؛ قبل؛ كما هي حالة رواية ابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، ونعمان بن بشير، وأضرابهم. وأضرابهم -يعني- مما كان صغيرا من الصحابة سمعوا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حال صغرهم، ثم حدثوا بها بعد بلوغهم، وقبلت؛ قبل العلماء؛ لأنهم تحملوها في حال الصغر، وأدوها بعد البلوغ؛ تدل على الصحة تحملهم. قال: «أما لو أداه في حال صغره؛ فإنها لا تقبل روايته؛ لكونه لا يخاف الله ولا يعرفه». ولو فرضنا أنه يعرفه؛ فهو يعلم أن الصبي مرفوع عنه القلم؛ فلا يخاف عاقبة الكذب. ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر به عن نفسه -وهو الإقرار-؛ فما يخبر به عن غيره أولى بعدم القبول. هذه بعض التعليلات في عدم قبول رواية الصغير في حال صغره. فالصغير في الغالب أنه لا يخاف الله؛ لأنه صغير ما يدرك -يعني- عاقبة الأمور. وكذلك أيضا قلة الخوف عنده من الله جل وعلا؛ لأنه ربما يعلم أنه غير مكلف، ومعنى ذلك أنه لا يكتب عليه القلم؛ فربما يتجرأ على فعل شيء من الأمور التي لا تجوز. قال: «ولا ينتقض هذا بالعبد؛ فإن إقراره لا يقبل مع أن روايته مقبولة؛ لأن المانع من قبول إقراره هو حق سيده الذي يملكه، وليس لأحد إقرار بملك غيره». يعني لو اعترض معترض بالعبد المملوك: كيف لا يقبل إقراره فيما يتعلق بنفسه مع قبول روايته إذا روى حديثا قبل؟ قال: «الفرق أن العبد ما يتعلق بنفسه من أمور الإقرار يتعلق بسيده؛ أن كل ما يملكه العبد هو لسيده». قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «من باع عبدا له مال؛ فمال الذي باعه»؛ يعني السيد. إذا العبد ما يملك شيئا؛ لو أقر بشيء هو في الحقيقة ليس له؛ كيف يقر بشيء ليس له ولا يملكه؟ فلهذا لم يقبل قوله فيما يتعلق بنفسه. قال: «مع أن قوما أجازوا إقراره في العقوبات البدنية، وهو مذهب مالك؛ أجازوا إقراره في العقوبات البدنية؛ يعني فيما يتعلق بعقوبة في البدن؛ كحد الزنا، والقذف، ونحوه». قال: «وقول من قال من العلماء بقبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من الجنايات؛ لا يرد على ما ذكرنا؛ لأنه من قبيل الاستدلال بالقرائن إذا كثروا وأخبروا قبل التفرق، مع مسيس الحاجة لذلك؛ لكثرة وقوع الجنايات بينهم، وانفرادهم غالبا عن غيرهم». يعني هذا أيضا رد على الاعتراض. يعترض معترض فيقول: كيف نقبل العلماء شهادة الصبيان فيما يقع بينهم إذا كنا لا نقبل شهادة الصبي فيما يتعلق بنفسه؟ فكيف نقبلها فيما يتعلق بما يقع بين الصبيان فيما يتعلق بالجنايات؟ هذا الصبي ضرب ذاك الصبي، طيب أو أخذ ماله أو فعل أو فعل؟ قال: «هذا يقبل من باب الاستدلال بالقرائن؛ يعني كون هؤلاء الصبيان كلهم يشهدون على أن فلانا هذا الصبي فعل كذا؛ يدعى على صدقهم وأنه هو المعتدي؛ هذه قرينة تدعى على صدق ما يدعون». فقبول خبرهم وقولهم هنا من باب العمل بالقرائن. قال: «وأما الضبط؛ فلا خلاف اشتراطه؛ فلا تقبل رواية غير المميز، ولا المجنون، ولا المغفل الذي لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه؛ فلا ثقة بقوله، وإن كان غير فاسق». يقول: «الضبط لا خلاف اشتراطه؛ يعني يشترط في الرواية الضبط؛ أن يكون الراوي ضابطا لما يسمعه وما يرويه». فلغير المميز من الصبيان ما تقبل روايته؛ لأنه لا يضبط ما عنده ضبط في الغالب؛ ما يميز، ما زال -يعني- في صغر السن، وعقله في ضعف. وأما المجنون والمغفل الذي لا يحسن ضبط ما يسمعه وما ينقله؛ فهؤلاء ما تقبل روايتهم لعدم ضبطهم، وإن كان غير فاسق؛ يعني لو كان المغفل هذا الشخص مستقيم من أهل الصلاح، لكنه مغفل ما عنده ضبط للروايات؛ ما تقبل روايته لعدم الضبط. قال: «والضبط في اللغة هو حفظ الشيء بالحزم؛ حفظ الشيء بالحزم يعني ضبطه بما يثبته ويبقيه». وفي الاصطلاح: «هو كون الراوي غير كثير الغلط والخطأ؛ بل خطأه نادر». لماذا قالوا: «غير كثير الغلط والخطأ»؟ لأنه في الغالب ما يسلم الإنسان من الخطأ؛ لأنه البشر ليس معصوما، لكن ينظر إلى القلة والكثرة؛ العبرة بالقلة والكثرة. فمن كان خطأه قليل بالنسبة لما يحفظه وما يرويه؛ اغتفر عنه هذا الخطأ ولم يضر بثقته وبضبطه. ومن كان -يعني- خطأه كثير؛ فهذا يدل على عدم ضبطه، وأن الخلل في حفظه وفي عدم تثبيت ما يسمعه؛ فيكون هذا سببا لرد روايته. قال: «ويعرف ذلك بمخالفته للجماعة المشهورين بالعدالة والضبط؛ فمن كثرت مخالفته لهم؛ فليس بضابط؛ فلا تقبل روايته». ومن ندرت مخالفته لهم؛ فهو الضابط المستكمل لهذا الشرط. فإذا يعرف ضبط الراوي وعدم ضبطه بعرض روايته على رواية الثقات؛ فإن وافقهم في الغالب والأكثر، وكانت المخالفة قليلة؛ فهو ضابط. وإن خالفهم في الأكثر، ووفقهم في القليل؛ فهو غير ضابط. قال في «طلعة الأنوار» معرفا للضابط: «كذلك لا يقبل إلا من ضبط من زائل الخطأ كثيرا والغلط؛ بالضابطين اعتبرنا؛ فإن غلب وفقا؛ فضابط، وإلا يجتنب». وأما العدالة؛ فالاختلاف اشتراطها في الراوي. والعدالة في اللغة: التوسط. وفي الاصطلاح: «سلامة الدين من الفسق والمروء؛ سلامة الدين من الفسق والمروء من القوادح». سلامة الدين من الفسق والمروء -يعني- سلامة المروء من القوادح. منهم من يقول: «العدالة أن يكون الراوي عدلا أو مستقيما في دينه؛ سالما من أسباب الفسق وخوارم المروء؛ السالم المستقيم في دينه؛ السالم من أسباب الفسق وخوارم المروء». إذا لا بد في أمرين؛ لا بد من أمرين في العدالة: سلامة الدين من الفسق؛ سلامة الدين من الفسق؛ بأنه لا يكون مرتكبا لكبيرة، ولا مصرا على صغيرة؛ لا مرتكب لكبيرة، ولا مصر على صغيرة. قال: «وعرفا أمن عاصم في رجزه بقوله: والعدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائر». قال: «وما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان». وقال بعض علماء الأصول: «العدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروء جميعا؛ حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه؛ فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن الكذب». قال: «عدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروء جميعا؛ والتعارف كما يرى من متقاربة». فهذا هو الذي يجعله سالما في دينه. ما الذي يجعل الإنسان سالما في دينه من الفسق؟ الخوف من الله الذي يمنعه من الوقوع في الكبائر أو الإصرار على الصغائر. قال: «وخلاف أهل الأصول في اشتراط الملكة المانعة من فعل ما يخل بالدين والمروء مشهور». وممن يزعم باشتراط الملكة فيها صاحب «جمع الجوامع» والغزالي والأبياري والفهري وغيرهم. وأكثر أهل العلم على أن العدالة هو من يجتنب الكبائر مطلقا، وصغائر الخسة مطلقا؛ كسرقة لقمة، وتطفيف حبة؛ لدلالة ذلك على سقوط مرؤته. وساقط المرؤة لا ثقة بقوله. ويجتنب صغائر غير الخسة في أغلب الأحوال؛ لماذا في أغلب الأحوال؟ لأنه ربما يقع في شيء من الصغائر؛ لأنه بشر، ليس معصوما؛ قد يقع في شيء من الصغائر، لكن غير الخسة. أما صغائر الخسة؛ تدور على خسته؛ تدور على خسته وشدة فسقه. لكن غير الخسة من الأشياء التي قد لا يسلم منها الإنسان. فإن حصل شيء من ذلك على جهة النادر أو الأحيان؛ فهذا لا يضر مع عدم الإصرار. قال: «ويجتنب ما يخل بالمرؤة عرفا من المباحات؛ كالبول في الطريق». إذا كان هذا في العرف شيء مستقبح؛ قال: «وهو في الغالب كذلك؛ يعني كون إنسان يبول في طريق الناس؛ هذا لا شك شيء -يعني- يخل بالمرؤة». الأكل في السوق لغير سوقي -يعني- لغير أهل السوق؛ إذا كان هذا مما يخل بالمرؤة؛ فيجتنبه. وإن كان لا يخل؛ فلا شيء عليه؛ على حسب العرف. قال: «ونحوه». وظاهر كلامهم: «سواء كان ذلك الاجتناب بسبب ملكة؛ أي هيئة راسخة في النفس لا تزول أصلا». أو «إلا بعسر». قال: «وظاهر كلامهم: سواء كان ذلك الاجتناب بسبب ملكة؛ أي هيئة راسخة في النفس لا تزول أصلا؛ يعني المانع من ذلك ما في نفسه من الهيئة الراسخة في النفس تمنعه من الوقوع في شيء من ذلك». أو «إلا بعسر ما نعم من ذلك». أو «بسبب علاج النفس ومجاهدتها؛ إلا بعسر؛ كأنه -يعني- المراد أن يكون بشدة؛ يعني يتركها مع وجود ماذا؟ شدة في النفس على ترك هذا الأمر». أو «بسبب علاج النفس ومجاهدتها دون فعل ذلك؛ يعني يجهد نفسه على تركها؛ فيكون تركها لها من باب ماذا؟ اكتساب؛ اكتساب ترك هذه الأمور التي تخل بالمرؤة؛ ليس على جهة الملكة؛ لكن يكسب نفسه أن يتصف بهذه الصفات». قال: «وهذا هو الأظهر عندي؛ يعني أنه لا يشترط الملكة في ترك هذه الأشياء؛ سواء كانت تركها على جهة الملكة؛ يعني ما في نفسه من هيئة لترك هذه الأشياء». أو «تركها على جهة المجاهدة؛ على جهة المجاهدة؛ فجاهد نفسه وكلف نفسه على تركها؛ فإنه حينئذ يسلم من الوقوع فيما يضرب عدالته». قال: «وممن مال إليه ابن حجر في «الضياء اللامع» والعبادي في «الآيات البينات»». والله تعالى أعلم. وهذا -كما- يعني رجحه المؤلف رحمه الله؛ هو الصواب. قال: «وعلم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة لإشعاره بعدم التقوى من فاعله». قال في «المراقي»: «ولا صغيرة ولا صغيرة مع الإصرار المبطل الثقة بالأخبار». وخلاف العلماء في حد الكبيرة معروف؛ فلا نطيل به الكلام. هذا -وما ذكره المؤلف- من اشتراط العدالة؛ يعلم منه أنه لا تقبل رواية فاسق؛ وهو كذلك كما نص الله على ذلك في قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ الآية. وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. أما إن كان فسقه بارتكاب كبيرة؛ كقذف المحصنات، ونحو ذلك؛ فلا خلاف في عدم قبول روايته. وأما إن كان فسقه عن تأويل؛ كبعض أهل الأهواء الذين لم تبلغ بهم بدعتهم الكفر البواح؛ فاختلاف أهل الأصول والحديث في قبول رواياتهم معروف؛ يعني الآن الفرق بين فسق المعصية وفسق البدعة. فإن كان فسقه بارتكاب كبيرة مما يتعلق بكبائر الذنوب في المعاصي؛ فهذا ترد روايته؛ كقذف المحصنات، أو ارتكاب الزنا، أو شرب الخمر، أو نحوها. وأما يتعلق بأمور البدع والعقائد؛ ففيه تفصيل. قال: «والحديث في قبول روايتهم معروف». فأما من كان منهم يرى أن الكذب لترويج بدعته جائز؛ كالخطابية وغيرهم؛ والخطابية فرق؛ فلا تقبل روايته قولا واحدا؛ لأنهم يجيزون الكذب لنصرة مذهبهم. وكذلك من يدعو منهم إلى بدعته؛ من يدعو إلى بدعته. وإذا كانت البدعة غير مكفرة. أم إذا كانت مكفرة؛ فلا تقبل روايته؛ كبدع الجهمية؛ قول بخلق القرآن. أو كذلك أيضا بدع الرافضة؛ هؤلاء ما تقبل روايتهم؛ ولو لم يكن داعية؛ لأن بدعته مكفرة. أما إن كانت مفسقة؛ كبدع بعض المعتزلة والأشاعرة؛ فهؤلاء فيهم هذا التفصيل: إن كان يدعو إلى بدعته؛ فلا تقبل؛ لأنه ربما -يعني- يروي ما يقوي بدعته. وإن كان لا يدعو إلى بدعته؛ فتقبل. قال: «أما الذي لا يدعو إلى بدعته ولا يرى جواز الكذب؛ بل عرف بالصدق والتحرز من الكذب، واحترام بالدين؛ فأكثر أهل العلم على قبول روايته؛ لأن صدقه مما يغلب على الظن». بل ربما يروي شيئا مما يقوي بدعته؛ ويقبله العلماء إذا علموا أنه صادق؛ يعني ممن هو محله الصدق؛ ولا يكذب في الرواية؛ فربما قابلوا روايته. قال: «وقد روى الشيخان وغيرهما عن جماعة من المبتدعة؛ من خوارج ومرجئة وقدرية». وممن أخرج له البخاري: عمران بن حطان؛ وهو القائل في «ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يمدحه على ذلك: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا ولقد صدق من رد عليه بقوله: بل ضربة من غوي أوردته لظى وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا وقال بعضهم: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليهدم من ذي العرش بنيانا إني لأذكره يوما فألعن الكلب عمران من حطان». قالوا: «في هذه المسألة -أعني الرواية عن أهل البدع- كلام كثير للعلماء؛ لم نطل به الكلام». وأظهره -وما ذكرنا- والله تعالى أعلم؛ يعني هذا التفصيل: إن كانت بدعته مكفرة؛ فلا تقبل روايته. وإن كانت غير مكفرة؛ فإن كان داعيا لبدعته؛ لم تقبل. وإن كان غير داعيا؛ فتقبل؛ إذا كان محلا للصدق وعدم الكذب؛ أو لا يباح الكذب في مذهبه. ولهذا -يعني- ما رواه العلماء في كتب الحديث؛ كالبخاري ومسلم وغيرهما؛ من بعض الروايات أمثال هؤلاء؛ من عنده بدعة خارجية أو قدرية؛ وقبل العلماء روايتهم؛ لأنهم محل الصدق. وإذا ترك حديثهم؛ ربما ضعف الكثير من الحديث بسبب ذلك. في الأجل هذا؛ قبل العلماء روايتهم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.