التعليق على مذكرة أصول الفقه 37

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 37، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شروط قبول الرواية

يتناول المقطع الأول شروط قبول الرواية في الحديث النبوي، حيث يذكر سبعة شروط وأحكام تتعلق بقبول الرواية. يشمل ذلك قبول رواية المرأة والأعمى وعدم اشتراط الفقه في الراوي.

آراء المذاهب الفقهية في شروط قبول الرواية

يناقش المقطع الثاني شروط قبول الرواية عند مالك وأبي حنيفة، حيث يشترطون الفقه في الراوي لاحتمال الغلط أو سوء الفهم، ويستشهد بردود أفعالهم تجاه بعض أحاديث أبي هريرة.

شروط قبول الجرح والتعديل في الرواية وتعدد الآراء

يناقش المقطع الثالث شروط قبول الجرح والتعديل في الرواية، ويبين أن العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، مع اختلاف المذاهب الفقهية في عدد العدول المطلوب للتعديل والتجريح.

ختام الدرس والإشارة إلى الدرس القادم

يتم ختام الدرس بالإشارة إلى استكماله في الدرس القادم، والاكتفاء بما تم شرحه حتى الآن مع ختام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: فصل ولا اشترط في الرواية المذكورة إلى آخره. قال: قلاصة ما ذكره في هذا الفصل سبعة أشياء. الأول: أن رواية المرأة كرواية الرجل، فرواية عائشة مثلا لا فرق بينها ورواية الرجال من الصحابة، إذ الرواية ليست كالشهادة، فالنساء في باب الرواية هن والرجال سواء، يعني من حيث قبول الرواية، بخلاف الشهادة، فإنها لا تقبل شهادة امرأة واحدة فيما يتعلق بالأموال، ولا تقبل شهادتها فيما يتعلق بالدماء والحدود، لكن في الرواية يقبل، فروايتها كرواية الرجل. الثاني: أن رواية الأعمى إذا وثق بمعرفة الصوت مقبولة، واستدل لذلك بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يروون عن عائشة وغيرها من النساء من وراء حجاب، اعتمادا على الصوت. إلا أن الأصوليين قرروا في مباحث الترجيح أن الذي روى عن النساء من غير حجاب لكونه من محارمهن ترجح روايته على رواية من روى عنهن من وراء حجاب. ومثلوا له برواية القاسم بن محمد عن عائشة: أن بريرة عتقت وزوجها عبد، مع رواية الأسود بن يزيد عنها: أنه كان حرا. لأن القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب، والأسود ليس محرما لها، فلا يروي عنها إلا من وراء حجاب، فتكون رواية القاسم أضبط لأنه يأخذها مشافهة، ليس من وراء حجاب. الثالث: أن الراوي لا يشترط فيه كونه فقيها، بل تقبل رواية العدل الذي ليس بفقيه، واستدل له المؤلف بحديث: «رب حامل فقه غير فقيه، رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، وبأن الصحابة كانوا يقبلون خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثا واحدا. الرابع والخامس: أنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة، بخلاف الشهادة. وإيضاحه: أنه لو كانت خصومة بين اثنين، ثم روى قريب أحدهما أو عدوه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي نفع ذلك القريب أو ضر ذلك العدو، فلا يقدح في روايته بتلك العداوة أو القرابة، لأن حكم الرواية عام لكل الناس، لا يختص بشخص بعينه، بخلاف الشهادة، فإنها لا تقبل شهادة العدو على عدوه، ولا القريب لقريبه. لكن في الرواية تقبل، إذا كانت الرواية فيها نفع للقريب أو فيها ضر للعدو، فإنها تقبل. السادس: أنه لا يقدح في رواية الراوي بعدم معرفة نسبه، ما دام أنه عدل، فلا يشترط معرفة النسب. السابع: أنه لو ذكر اسم شخص متردد، أو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل، فلا تقبل تلك الرواية لاحتمال كون ذلك الشخص المذكور في السند هو المجروح. يعني مثلا لو قيل: حدثنا محمد بن علي، مثلا هناك من هو ثقة، وهناك من هو ضعيف يقال له محمد بن علي، ولا ندري هل هو هذا أو هذا، فهنا ترد الرواية من باب تغليب جانب الحذر، من باب الحذر من قبول رواية المجروح، فترد حتى يتأكد، فإن تبين بعد ذلك أنه ثقة قبلناها، وإن تبين أنه ضعيف فقد توقفنا فيها ورددناها. قال: وهذا هو حاصل ما ذكره المؤلف في هذا الفصل، وجميع ما فيه صواب. والمقرر في أصول مالك وأبي حنيفة: أنهما لا يقبلان رواية غير الفقيه. في أصول مالك وأبي حنيفة لا يقبلان رواية غير الفقيه إذا روى من ليس بفقيه لم يقبل روايته لاحتمال أن يغلط في الرواية لعدم فقه. قال: وبعض يقيده عن أبي حنيفة بما إذا خالفت رواية غير الفقيه القياس. وبهذه القاعدة ردوا كثيرا من أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه بدعوى أنه غير فقيه، وأن روايته مخالفة للقياس. ومثال ذلك ردهم لحديثه في المصراة: أنه يردها إذا حلبها، وصاعا من تمر. حيث روى أبو هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى مصرى، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، وصاعا من تمر بعد أن يحلبها». المصراة: الشاة أو الناقة التي يحبس فيها اللبن أيام، ثم تخرج إلى السوق، على أن ما في ضرعها هو ما يعتاد يوميا، فيغتر المشتري فيشتريها، فإذا حلبها، نجف ضرعها، ولم يعد كما كان في اليوم الثاني، فيتبين أنه قد غبن، فهنا إن شاء أمسكها ورضي بها، وإلا ردها وصاعا من تمر، صاع التمر مقابل اللبن الذي أخذه. قال الحنفية: هذا مخالف للقياس. ما هو القياس؟ القياس: أن يضمن المثل بمثله، وما ليس له مثل بالقيمة، فكون يجعل الصاع من التمر في مقابل اللبن هذا خلاف القياس، فرد هذا الحديث. وقوله هذا باطل، فالحديث صحيح وثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه خلاف للقياس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصاع من التمر مقابل ما يحلبه من اشترى الشاة أو البهيمة، هذا سدا لباب النزاع، سدا لباب النزاع حتى لا يحصل الخلاف في تقدير اللبن، هذا يقول قليل، وهذا يقول كثير، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا معلوما، يسد به النزاع، فإذا حلبها ورضي بها الحمد لله، وإذا أراد أن يردها ردها وصاعا من تمر بدل اللبن، وانتهى الخلاف. قال: والمروي في أصول المالكية عن مالك عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقا، بدعوى أن غير الفقيه لا يوثق بفهمه الكلام على وجهه، فربما فهم غير المقصود لعدم فقه، وربما نقله بالمعنى فيقع بذلك الخلل في روايته. ولا شك أن هذا باطل من وجهين: الأول: أن عدالته تمنعه من أن يقول شيئا لم يفهمه، ولم يجزم بفهمه، مع أن معنى الكلام الذي لا خفاء فيه ولا إجمال يفهمه على وجهه غير الفقيه كما لا يخفى، يعني الكلام الواضح البين ما يخفى على غير الفقيه، فكيف بالفقيه؟ ومن يفهم الكلام العربي الواضح البين. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه قد يحمل الفقه غير فقيه، وذلك نص في محل النزاع، وهو ثابت عنه صلى الله عليه وسلم، فقد روى زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نضر الله امرئا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه». فقوله صلى الله عليه وسلم: «ورب حامل فقه ليس بفقيه» نص في محل النزاع، دال على صحة رواية غير الفقيه كما ترى، هذا واضح. قال المؤلف في التزكية والجرح: قال المؤلف رحمه الله تعالى: المراد بالتزكية في الاصطلاح: إخبار العدول عنه بصفات العدالة. والمراد بالجرح في الاصطلاح: إخبارهم عنه بما يخل بعدالته من فسق أو سقوط مرؤة. قال المؤلف رحمه الله: اعلم أنه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية، لأن العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية، بخلاف الشهادة. وكذلك تقبل التزكية من العبد والمرأة كما تقبل روايتهما، واستدلوا بحادثة الإفك، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم بريرة عن عائشة رضي الله عنها. قال: معنى كلامه واضح، وهو أن التعديل والجرح بالنسبة إلى الرواية كلاهما يثبت بواحد عدل، يعني إذا عدل الواحد العدل قبل تعديله أو جرح قبل جرحه. قالت: ولو عبدا أو امرأة، لأن نفس الرواية تثبت بواحد، يعني لو روى العبد حديثا قبل منه، أو روت المرأة حديثا قبل منها، قال: ولو عبدا أو امرأة، فكذلك التزكية فيها. أما الشهادة فلا يكفي فيها واحد، وهو معروف. وكذلك لا يكفي في التزكية فيها واحد. وحاصل كلام العلماء في هذه المسألة: أن لهم فيها ثلاثة مذاهب: الأول: لابد في التعديل والتجريح من عدلين مطلقا، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الرواية أو الشهادة. والثانية: يكفي فيهما واحد. والثالث: التفصيل، فيكفي الواحد فيهما بالنسبة إلى الرواية دون الشهادة، وهو الذي درج عليه المؤلف، وأشار في أمراق السعود إلى هذه المسألة بقوله: في الجرح والتعديل كلاهما يثبته المنفرد. ومالك عنه روى التعدد. قال ابن عاصم المالكي في تحفته: «واحد يجزئ في باب الخبر، واثنان أولى عند كل ذي نظر». قال المؤلف رحمه الله: اختلفت الرواية في قبول الجرح إذا لم يتبين سببه. هذا نتركه إن شاء الله في الدرس القادم. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.