وقفات وتأملات فيما جرى من أحداث

وقفات وتأملات فيما جرى من أحداث

الخطبة بعنوان وقفات وتأملات فيما جرى من أحداث، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 رجب 1447هـ الموافق 9 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

نعمة الأمن ووجوب حفظها

تستعرض الخطبة عظمة نعمة الأمن مستندة إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، محذرة من عواقب فقدانها على الفرد والمجتمع. وتؤكد ضرورة التربية الإيمانية والعلم الشرعي لصيانة هذه النعمة ودرء الفساد.

تحريم الغلول من الأموال العامة

يبين المقطع خطورة الغلول وهو أخذ المال العام بغير حق، مستدلاً بأحاديث تحذر من حمله يوم القيامة على الرقبة. ويوجب التوبة ورد ما أُخذ إلى خزينة الدولة لأن حق المال العام متعلق بجميع الأمة.

العبر من تقلب الأحوال والتحذير من التعصب الحزبي

يذكر الخطيب بتقلب الأحوال وأن العزة والذلة بيد الله، داعياً لتعلق القلوب به والثقة بتدبيره. ويحذر من التعصب للأحزاب الذي يفرق المسلمين، مؤكداً ثبات أخوة الدين ووجوب الاعتصام بالكتاب والسنة.

دعاء لإصلاح أحوال المسلمين وتولية الصالحين

يختتم الخطيب بدعاء جامع يسأل الله إصلاح أحوال المسلمين وتيسير أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية. ويطلب الألفة بين القلوب وتولية خيارهم وتوفيق ولاة الأمور للبطانة الصالحة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنما جرى في الأسبوع الماضي من أحداثٍ متسارعة تحتاج منا إلى أن نقف معها وقفات، وتحتاج منا إلى مزيد تأملات. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. الوقفة الأولى: أن نستشعر يا عباد الله نعمة الأمن والأمان. فتأملوا يا عباد الله فيما وقع من تلك الأحداث، عندما ذهب الأمن والأمان اضطربت الأحوال، وساد الناس الخوف والقلق والذعر. فكم من أموالٍ سُرِقت، وكم من معسكراتٍ ومؤسساتٍ ومطارات نُهِبَت، وكم من أسلحةٍ أُخِذَت ظُلْمًا وعدوانًا. أيها المسلمون، عباد الله، يتبين لنا عظيم وعميق الكلمة التي نُقِلَت عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، حيث قال: «ستون سنةٍ بستة سنةٍ بإمامٍ جائر أصلح من ليلةٍ واحدة بلا سلطان». إن الإنسان يا عباد الله لا يعرف قدر النعمة التي هو فيها إلا إذا فقدها، وقد قيل: «من لا يعرف النعمة عند وجدانها عرفها عند فقدانها». وكما قيل أيضًا: «من لم يعرف... إنما يعرف قدر نعمة الماء من بُلِي بالعطش في البادية، لا من كان عند الأنهار الجارية». فلا يعرف قدر الأمن إلا الخائف، ولا يعرف قدر الصحة إلا المريض، ولا يعرف قدر المال إلا الفقير. فاعرفوا قدر نعمة الأمن يا عباد الله، واشكروا الله عز وجل عليها حق شكرها، واعلموا أن الله عز وجل لعظيم هذه النعمة امتن بها على الكافرين فضلا على المؤمنين. قال الله عز وجل مخاطبًا كفار قريش: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. وتعلم كذلك يا عبد الله فضل هذه النعمة مما جاء عند أصحاب السنن وغيرهم من حديث عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا». فحافظوا على هذه النعمة يا عباد الله، ولنكن يدًا واحدة ضد كل من أراد زعزعة أمننا أو أراد فساد بلادنا، ولا يكون ذلك إلا أولاً بالمحافظة على هذه النعمة. الوقفة الثانية: أظهرت لنا هذه الأحداث يا عباد الله أن المسلمين في المجتمعات في أمس الحاجة إلى العلوم الشرعية وإلى التربية الإيمانية. كيف يحل المسلم لنفسه أن ينهب الأموال العامة وأن يأخذها كأنها غنيمة من كفار؟ لا، أموال أتي بها من أجل الأوطان. فهذه بلية عظيمة، وهذا جهل ينبئك عن مدى بعد المسلمين عن تعاليم دينهم. ألم يقرأ ذلكم ناهب لتلك الأموال العامة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟ أحمل هذا المنهوب من سلاح أو من سيارات أو كذلك من مأكولات أو من غيرها، ستحمله على رقبتك يوم القيامة، وستشتعل عليك نارًا إن لقيت الله عز وجل ولم تتب منها. جاء في الصحيحين أن رجلًا أو غلامًا اسمه مدعم في غزوة خيبر أصابه سهم فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَلَّا، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَلَمْ تُصِبْهَا الْمَغَانِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا». شملة: أي كساء يشتمل به ويلتف به من صوف أو نحوه، أخذه من الغنائم قبل أن تقسم، وهو خارج في سبيل الله، قتل بسهم من أجل الدفاع على دين الله، ومع هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال. فكيف بالذي أخذ ما هو أعظم من الشملة؟ كيف بالذي أخذ سيارة أو سلاحًا أو أشياء كثيرة؟ وهكذا يا عباد الله، فقد عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر الغلول، والغلول هو الأخذ من الأموال العامة لغير حق، سواء كان من الغنائم أو من غيرها من الأموال العامة التي تكون للحكومة أو الدولة، سواء كان في المعسكرات أو في المؤسسات أو في الدوائر الحكومية أو إلى غير ذلك. لا يحل لموظف أن يأخذ منها شيئًا بغير حق، فإن أخذ فهو غلول. فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: «ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ قَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَا أَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِينِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ تَثْغُو، أَوْ فَرَسٌ يَحْمِحِمُ، أَوْ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَأَنَّ هَذَا حَرَامٌ، فَمَا الَّذِي أَوْرَطَكَ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ، وَمَنْ الَّذِي جَعَلَكَ تَقْتَحِمُ هَذِهِ الْعَقَبَةَ، لَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَأْتِي بِهِ عَلَى رَقَبَتِهِ». هذا دين يا عباد الله، فاعرفوا تعاليم دينكم يا عباد الله. وهكذا من أخذ شيئًا من هذه الأموال العامة، فإنه يجب عليه أن يتوب إلى ربه، وأن يرجع إلى خالقه قبل الممات، وأن يرد كل ما أخذه إلى خزينة الدولة. فإنه يا عبد الله إذا كان العبد أخذ شيئًا خاصًا من أخيه المسلم، فإنه لا يستطيع الفكاك منه إلا إذا أعطى صاحب الحق حقه. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عند الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ». الذي يأخذ شيئًا حرامًا فهو عليه حتى ترجعه وحتى تؤديه. وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى أَخِيهِ مَظْلَمَةٌ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ فَأُعْطِيَ صَاحِبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ». وتعلمون حديث المفلس، حديث أبي هريرة في الصحيحين: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟» قُلْنَا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِينَارَ لَهُ وَلَا دِرْهَمَ. قَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، جَاءَ وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا، فَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى إِذَا فَنيَتْ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ بِهِ فِي النَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ». هذا إذا كان ملكًا خاصًا، فكيف إذا كان ملكًا عامًا؟ إذا أخذت مالًا لزيد أو عبيد، تستطيع أن تستسمح منه وأن ترد إليه ماله، أو إذا لقيته يوم القيامة ولم ترد إليه ماله كان خصمك شخصًا، كان خصمك شخصًا واحدًا. أما إذا لقيت الله عز وجل بالأموال العامة، فمن خصمك؟ خصمك شعبًا كاملًا وأمة كاملة، لأن الحق حق الجميع. فاتق الله يا عبد الله، ولا تورط نفسك في ورطات الزمان وأنت في وقت الإمكان، فرد ما أخذت، واتق خالقك سبحانه وتعالى، فإنما هي دنيا فانية، وإنما هي دنيا لا ينبغي أن يتعلق المرء بها وأن يأخذ أموالها من الحرام. أسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا ولكم، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، الوقفة الثالثة: مما نستفيده من تلك الأحداث الماضية في الأسبوع الماضي وتلك الأيام نداولها بين الناس. تأملوا يا عباد الله في تلك الأحداث: كم من عزيز قد ذل، وكم من ذليل قد عز، وكم من رفيع قد وضع، وكم من وضيع قد رفع، وكم من رئيس قد صار مرؤوسًا، وكم من مرؤوس قد صار رئيسًا، وكم من غني قد صار فقيرًا. ينبغي أن نأخذ العظات والعبر من مثل هذه الأحداث، ولنعلم أن الأمر أمر الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالأمر أمره، والكون كونه سبحانه وتعالى، ونوافل عباده بين يديه عز وجل، كل يوم هو في شأن سبحانه وتعالى، يغير الأحوال من حال إلى حال. جاء عند ابن ماجه من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: «شَأْنُهُ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَأَنْ يَكْشِفَ كَرْبًا، وَأَنْ يُجِيبَ دَاعِيًا، وَأَنْ يَرْفَعَ أَقْوَامًا وَيَضَعَ آخَرِينَ». وأن يتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى لا بجهة من الجهات، ولا بحزب من الأحزاب، ولا بمخلوق من المخلوقات، وإنما يعلق قلبه بالله عز وجل، ويعلم أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، لطيف بعباده. الله لطيف بعباده، يرزق من يشاء سبحانه وتعالى. فلتتعلق القلوب بالله، ولتأمل في الله عز وجل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل في كل شيء، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما سأل الصحابة عن الفأل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ». أَلا فَلْنَسْكُنَ النُّفُوسَ وَلِتُطْمَئِنَّ الْقُلُوبُ بِالْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَةِ، لَا نُخَوِّفُ النَّاسَ بِمَا يَحْصُلُ بَيْنَ السَّاسَةِ وَبَيْنَ الدُّوَلِ، فَلَنَا رَبٌّ حَافِظٌ رَحِيمٌ رَزَّاقٌ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلْنَعْلِقِ الْقُلُوبَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ. الوقفة الرابعة: من الوقفات التي نستفيدها من تلك الأحداث، أنه وإن اختلف السياسيون، فلا يختلف الأخوة في الدين. ما ينبغي أن تكون هذه الأحداث سببًا لتفرقنا، وسببًا لعداوة بعضنا بعضًا، بل ينبغي علينا أن نعتصم بكتاب الله، وأن كذلك نحكم شرع الله عز وجل، سواء كان في الدماء أو في الأعراض أو في المواقف أو كذلك في غيرها مما لربما يؤخذ عليه العبد. فكم رأينا من أناس خاضوا في الفتن فندموا ندمًا عظيمًا بسبب تعجلهم، وبسبب كذلك تعصبهم. لا تتعصب يا أخي لفلان أو علان، فإن السياسيين يختلفون اليوم ويتفقون غدًا، ويختصمون اليوم ويصطلحون غدًا، وتبقى بينك وبين إخوانك المسلمين من العداوة والبغضاء والشحناء. إياك والتعصب، إياك والتعصب لجهة أو لطائفة أو لفريق أو نحو ذلك. إنما تكون بوقوفك مناشدة الحق. نعم، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث جابر في الصحيح، صحيح البخاري، أن مهاجرًا كسع رجلًا من الأنصار، أي ضربه في مؤخرته، فقال الأنصار: يا للأنصار، وقال المهاجر: يا للمهاجرين. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: «أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». مع أن هذه الدعوات دعوات شرعية: الأنصار والمهاجرين، لكن لما وضعت في غير موضعها، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، صارت مذمومة لأنها أطلقت من باب التعصب لا من باب الحق. ينبغي للمسلم أن يحذر من مثل هذه التعصبات، وأن يعتصم الجميع بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يكون قصده ومراده هو نفع إخوانه، وهو الحرص على سعادة مجتمعه، لا على المناكفات السياسية، ولا على التشنجات الكلامية، ولا شيء من ذلك. فتخسر إخوانك، وتخسر كذلك جيرانك، وتخسر أحبابك، ثم بعد ذلك ليس لك في العير ولا النفير. ماذا سيقدم موقفك؟ وماذا سيؤثر كلامك في خضم هذه الأمور العظام التي تحدث بين دول، وليست بين أحزاب أو كذلك بين جماعات؟ أَلا فَلْنَسْتَفِدْ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ وَلَا نَقَعَ فِيهَا مَرَّةً أُخْرَى. فَالسَّعِيدُ مَنْ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ اعْتَبَرَ بِنَفْسِهِ. لَا تَعْتَبِرْ بِنَفْسِكَ، اعْتَبِرْ بِغَيْرِكَ تَسْعَدْ يَا عَبْدَ اللَّهِ. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يصلح أحوال المسلمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم إنك أرحم الراحمين، فهيأ لهذه البلد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، اللهم ألف بين قلوب المؤمنين. اللهم ولِّ علينا خيارنا، ولا تولِ علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم وفق ولاة أمورنا إلى كل خير، اللهم وفقهم للبطانة الصالحة، اللهم وفقهم للبطانة الصالحة، يا أرحم الراحمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.