الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 61، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول هذا المحور سبب نزول آيات الملاعنة في سورة النور، حيث سأل الصحابي عويمر العجلاني النبي ﷺ عن حكم من يجد رجلاً مع امرأته، فكره النبي السؤال افتراضياً ثم ابتُلي عويمر بالواقعة فنزلت الآيات الكريمة. ويوضح المقطع كيف انتقل الحكم من السؤال النظري إلى التطبيق العملي على عويمر وزوجته.
يسرد هذا المحور قصة هلال بن أمية الذي قذف زوجته فكان أول من لاعن في الإسلام، ويصف النبي ﷺ علامات الولد المنتسب لكل من الزوجين، كما يوضح إجراءات الملاعنة بين الزوجين وتحذير النبي لهما. وينتهي المقطع بذكر ولادة الطفل مشابهاً للمتهم وحكم النبي بنسبه لأمه.
يركز هذا المحور على رواية ابن عمر لقصة عويمر العجلاني تفصيلاً، وما جرى من ملاعنة بينه وبين زوجته أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وأداء الأيمان الخمس، وحكم التفريق المؤبد بينهما. كما يذكر طرق الحديث وأسانيده الثابتة في الصحيحين والسنن.
يستعرض هذا المحور الأحكام العامة للقذف في الإسلام من جلد ثمانين جلدة ورد شهادة القاذف وحكم فسقه، ثم يفصل إجراءات الملاعنة بأيمانها الخمس التي توجب الفرقة المؤبدة. ويبين كيفية نسب الولد الناتج عن الملاعنة بناءً على أوصافه الخلقية مطابقة لأحد الوالدين، مع تضعيف حديث حذيفة في سبب النزول.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن سهل بن سعد، أن عويمراً العجلاني أتى عاصم بن عدي، وكان سيد بني عجلان، فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً؟ أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فأتى عاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، فسأله عويمر، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها. قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فجاء عويمر، فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك». أمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سما الله في كتابه، فلاعنها. ثم قال: يا رسول الله، إن حبستها فقد ظلمتها. فطلقها، فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الإليتين خدلج الساقين، فلا أحسب عويمراً إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمراً إلا قد كذب عليها». فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه. الحديث أخرجه البخاري أيضاً في كتاب الطلاق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، ومالك، والدارمي، والدارقطني، وابن جرير. أولا: معنى هذا الحديث. يقول سهل بن سعد: أن عويمراً أتى عاصم بن عدي، وكان سيد بني عجلان، يعني كان ذا شرف ومنزلة عند قومه، فهو من ساداتهم، أي عاصم بن عدي. فطلب عويمر من عاصم بن عدي أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة، هذا السؤال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً؟ يعني جاء زوج إلى بيته فوجد رجلاً آخر قد وقع على امرأته، يعني زنى بها، فرأى ذلك، فجاء الزوج لشدة غيرته فقتل هذا المعتدي على زوجته، قتله. فكيف يصنع أهل الإسلام بهذا الرجل القاتل؟ تقتلونه قصاصاً، النفس بالنفس، لأنه قتل هذا الرجل، أم كيف تصنعون؟ هذا سؤال الرجل: جئت الآن وجدت رجلاً واقعاً على امرأتك، فماذا تفعل؟ هل تقتل هذا الرجل، وإذا قتلته هل تقص به أم لا؟ فطلب عويمر من عاصم بن عدي أن يسأل رسول الله هذا السؤال: «سل رسول الله عن ذلك». فأتى عاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، يعني أن هذه الحادثة لم تقع، إنما هو افتراض خطر على بال هذا الرجل، فأراد أن يعرف الجواب. فقال العلماء: وجه كون النبي عليه الصلاة والسلام كره هذه المسألة؛ لأنها لم تقع، فرأى البحث عن مثلها قبل وقوعها من فضول العلم، ولذلك كره العلماء السؤال عن مسائل افتراضية لم تقع. فإذا جاء أحدهم إلى العالم وسأله سؤالاً، يسأله: هل وقع هذا؟ فإن قال: لا، لم يقع، قال له: اذهب، فإذا وقع فاسألنا. الآن ما وقع، أيش الفائدة من الجواب؟ لعل يكون في ذلك تكلف. هذا هو المراد، فلذلك كره النبي عليه السلام السؤال بهذه المسألة وعابها، أي كرهها. قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. يعني لا يهدأ لي بال ولا أسكت عن مثل هذا السؤال، فلا بد أن أسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا السؤال. قال: فجاء عويمر، ذهب بنفسه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلون، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك». قال العلماء: هو افترض هذا السؤال، أي عويمر، فابتلي به، كما سيأتي في بعض طرق هذا الحديث، وسيدكره شيخنا إن شاء الله. أي أن عويمر في أول الأمر افترض هذا السؤال وسأل به، ثم بعد ذلك ابتلي بهذا الشيء، فوجد رجلاً قد وقع بامرأته، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك»، أي في زوجتك. فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة، وما هو الذي أنزل في القرآن؟ آيات الملاعنة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، يعني في الزنا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، يعني ما معهم من رأى ذلك من الشهداء إلا هذا الزوج فقط. وكما تعلمون أن الشرع شدد في إثبات الزنا بأربعة شهود رأوا الميل في المكحلة، فإن شهد ثلاثة لا تقبل شهادتهم، وإن شهد اثنان لا تقبل شهادتهم، بل يحدون، يكون في ذلك قذف. فإن ماذا يفعلون؟ يسكتون، ما يتكلمون بشيء. هذا يدل على أن هذا الفعل ليس بالأمر الهين، أن تقول: فلان زانٍ، أو فلانة زانية، أو كذا، هذا أمر خطير، ويترتب عليه أحكام: من رجم إن كان محصناً، ومن جلد إن كان غير محصن، يعني حكم كبير، فلا يثبت إلا بأربعة شهود. فهذا الزوج ما معه شهادة، هو الوحيد فقط. جعل الله عز وجل له مخرجاً من هذا، ما هو؟ الملاعنة، كما في الآية: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. شهادة أحدهم، يعني أولاً الزوج، يعني كما جاء في الأحاديث: جعل الزوج أولاً يلعن. ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، يشهد بالله: أشهد بالله أنني رأيت هذه المرأة، امرأتي، تزني مع فلان، أو تزني به، أربع مرات. وفي الخامسة يقول: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين. أشهد أن فلانة زنت، ولعنة الله علي إن كنت من الكاذبين. هذا الزوج: أربع، ثم الخامسة يلعن نفسه إن كان كاذباً. طيب، ثم قال الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾. معنى يدرأ: يعني يلغي، حكم حد الزنا في حق هذه المرأة، إن حلف الرجل خمس شهادات، أو شهد الرجل خمس شهادات، ثم هي لم تشهد، معنى ذلك أنه صادق، فتحد، تحد، يعني ترجم، لأنها متزوجة. لكن إن حلفت، فيفرق بينهما، كما سيأتي، ويكون عذابها في يوم القيامة، كما سيأتي في بعض روايات هذا الحديث. فإذا حلفت، ماذا تقول؟ تقول: أشهد أن هذا الرجل كاذب. لأن الله عز وجل قال: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، تقول: أشهد بالله أنه كاذب، أشهد بالله أنه كاذب، أشهد بالله أنه كاذب، وأشهد بالله أنه كاذب، وتقول في الخامسة: علي غضب الله إن كان من الصادقين. لأن الله عز وجل قال: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. طيب، والله يعلم أن أحدهما كاذب، لكن هذا حكم الله، فالكاذب يتحمل العذاب وهو أشد يوم القيامة، كما سيأتي في بعض روايات هذا الحديث. فهذا الذي أنزله الله في القرآن، فقال: «قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك»، ثم أمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سما الله في كتابه، فلاعنها، كما تقدم. ثم قال: يا رسول الله، يعني لاعنها، بمعنى هو شهد وهي شهدت. ثم قال: يا رسول الله، إن حبستها فقد ظلمتها. ومعنى إن حبستها: يعني أمسكتها عندي وأبقيتها في عصمتي، فقد ظلمتها. ما هو وجه الظلم؟ قال العلماء: أي لم يستطع معاشرتها، لم يستطع معاشرتها بالمعروف، ولم يعطها حقها كزوجة، لأن نفسه تتأفف من التمتع بها، تتأفف من التمتع بها، كيف رأى هذا الأمر، ثم بعد ذلك يلقيها زوجة له ويراها ويعاشرها، هذا شيء يشق على النفوس، صحيح. إذا زوجة غير طاهرة، لا يستطيع أن يعاشرها، هذا من عنده غيرة ومن عنده دين، أما الفاجر الزاني الديوث، فلربما هو الذي يأتي بمن يفعل بها هذه الجريمة الشنعاء. فهذا الرجل قال: يا رسول الله، إن حبستها، يعني أبقيتها زوجة، ظلمتها، أنه ما في حاجة لي بها، خلاص ما أستطيع أن أعاشرها. فطلقها هذا الرجل. قال: فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين. يعني أن من لاعن زوجته يجب عليهما الفرقة، ولا يلتقيان إلى الأبد، تحرم عليه تحريماً مؤبداً، واضح، تحرم عليه تحريماً مؤبداً، فيفرق بينهما، يفرق بينهما. فلما ترك هذا الرجل هذه الزوجة، خلاص، جعل كل من كان، بكل من وقع فيما وقع فيه، فتلاعنا، فرق بينهما، فرق بينهما إلى الأبد، ولا يجوز أن تبقى هذه الزوجة معه. هذا معنى قوله: فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا»، هي الآن حامل، طيب، فقال: «انظروا»، يعني إلى ما تضعه من مولود. «فإن جاءت به أسحم»، ومعنى أسحم: أي أسود. «أدعج العينين»، ومعنى أدعج العينين: يعني أسود العينين، كأن به كحلاً أسود، فيقال له: أدعج. «عظيم الإليتين»، ومعنى عظيم: يعني كبير الإليتين، وهي العجيزة، يعني مؤخرة الدبر، يقال لها: عجيزة أو أليتان، فتكون كبيرة. «خدلج الساقين»، ومعنى خدلج: يعني عظيم لحم الساقين، يعني ساقين سمينتين. هذا معنى قوله: خدلج، بتشديد اللام. «فلا أحسب عويمراً إلا قد صدق عليها»، لأنه لا يشبه، لا يشبه عويمر، لأن عويمر ليس بأسود، وليس فيه هذه الأوصاف، إنما فيه الأوصاف الأخرى، وهي: «وإن جاءت به أحيمر»، ومعنى أحيمر: يعني تصغير أحمر، يعني جاءت به أبيض فيه شيء من الحمرة، فيه شيء من الحمرة، وهو بياض العرب، «كأنه وحرة»، والوحرة: هي دويبة حمراء، دويبة حمراء، قالوا: تلتمس بالأرض وتترام على اللحم والطعام فترصده، وهي من أنواع الوزغ، من أنواع هذه الحشرة التي تفسد الطعام، وهي الوزغ، لكن تأتي حمراء، تسمى وحرة، بفتح الواو والحاء والراء، وحرة. المعنى: إن جاءت به أحمر، يعني ليس بأسود، يعني أبيض فيه حمرة، فهو لعويمر، فهي صادقة، وعويمر يكون كاذباً، لأنه يشبه. قال: «وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمراً إلا قد كذب عليها». فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر، بمعنى أن عويمر كان صادقاً، لأن الوصف جاء على غير شبهه، جاء أسود، وكذلك أدعج العينين، يعني أسود العينين، وعظيم الإليتين، وخدلج الساقين، وكأن الرجل الذي وقع بها هذا هو وصفه، هذا هو وصفه، فأشبهه، فأشبهه، فلذلك كان ينسب بعد ذلك إلى أمه، يعني هذا المولود ينسب إلى أمه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». الولد للفراش، وللعاهر الحجر. معنى ينسب إلى أمه: ينسب إلى أمه، وأما العاهر فلا ينسب له، لأنه لم يكن ذلك بنكاح شرعي. هذا هو معنى هذا الحديث، وهو مطابق تماماً لسبب نزول هذه الآية. ثم قال شيخنا رحمه الله: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة، أو حد في ظهرك». ويجوز: «البينة، أو حداً في ظهرك». قال: فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة، وإلا حد في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليها، فجاءها هلال، فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ثم قامت فشهدت. فلما كانت عند الخامسة، وقفوها بالتخفيف، وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت، ونكصت، ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فهو لشريك بن سحماء». فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن». الحديث أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والدارقطني، وابن جرير، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عليه الذهبي. القاذف في هذا الحديث: هلال بن أمية. أولا: نأخذ معنى الحديث، ثم نأخذ الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله. يقول ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته، ومعنى قذف امرأته: يعني رماها بالزنا، هذا هو القذف، رماها بالزنا. وما هو حد من رمى مسلماً بالزنا ولم يأتِ ببينة؟ حده: يجلد ثمانين جلدة. قلت: فلان زانٍ، وما أتيت بشهود، وما اعترف هذا الذي رميته بالزنا أنه زنى، الحكم الشرعي في الإسلام أن يحد، فيجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبداً، ويحكم عليه بالفسق، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ثلاثة أحكام للقاذف. فهنا هلال بن أمية قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأته زنت، فقذفها، لأن ما عنده شهود، وذكر من زنى بها، وأنه شريك بن سحماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال: «البينة، أو حد في ظهرك». هات الدليل، وبين على صحة قذفك هذا، أو تجلد حد القذف. فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً، ينطلق يلتمس البينة؟ أنا الآن أرى زوجتي تفعل هذا، أن أذهب وآتي بناس آخرين ينظرون معي؟ هذا معنى كلامه، هذا معنى كلامه. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة، وإلا حد في ظهرك». ما في، هات بينة، وإلا ما في إلا حد. والبينة ما هي؟ أن يأتي بثلاثة آخرين يشهدون أنهم رأوا الميل في المكحلة، هذا هو، هذه هي البينة، ما في غيرها، وإلا تعترف هي، وهي لم تعترف، وهي لم تعترف. ثم قال هلال: فقال هلال: «والذي بعثك بالحق، إني لصادق، والله إني صادق، رأيت ذلك، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد». عنده يقين، لأن أهل الصدق يفرج الله عز وجل كربتهم وشدتهم، كما قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. ذكر هذه الآية بعدما ذكر قصة الثلاثة الذين تخلفوا، فنزلت توبتهم، فنزلت توبتهم، فدل ذلك على أن الصدق منجاة من الشدائد والمحن. فعنده يقين، هلال بن أمية، أن الله عز وجل سينزل فيه ما يبرئ ظهره، فقال: إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل، جاء الفرج، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إلى آخر الآيات. قال: فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليها، أرسل إلى زوجته، قال لها: الحكم الشرعي كذا وكذا وكذا، وزوجه يقول: كذا وكذا وكذا. فشهد، أي هلال، بدأ بهلال بن أمية بالرجل، فشهد أربع شهادات: إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول وهو يعظهما ويذكرهما: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» هذا لا شك، لأن ما في إلا نفي وإثبات، مثل ما تقول: هذا الكأس فيه ماء، يأتي آخر يقول: هذا الكأس ما فيه ماء، ما لا يمكن في نفس الوقت يكون فيه ماء وما فيه ماء، صحيح. وأحدهم صادق، إما يكون فيه ماء، أو ما فيه ماء، صحيح. وهذه المسألة نفسها: هو يقول: زنت، وهي تقول: ما زنت، ما في شيء وسط، ها، لأن الزنا معناه معروف، الزنا معناه معروف: أنه رأى الميل في المكحلة، وهي تنفي هذا، وهي تنفي هذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام يعظهم ويذكرهم بالله عز وجل وبعذاب الله، فيقول: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» الكاذب يتوب إلى الله، كما سيأتي في الرواية الأخرى، أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهما: «وإن عذاب الله أشد»، يدعوهم إلى التوبة في الدنيا قبل عذاب الآخرة، قبل عذاب الآخرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟». قال: ثم قامت فشهدت، مع ذلك، أحد وما تاب أحد منهما. فلما كانت عند الخامسة، وهي قولها: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وإلا فعلي غضب الله إن كان من الصادقين، قال: في الخامسة، وقفوها، ذكروها بالله، وقفوها، وقالوا: إنها موجبة، يعني إذا قلت هذا، توجب عليك عذاب الله وعقاب الله عز وجل يوم القيامة. قال ابن عباس: فتلكأت، يعني ترددت في النطق والكلام، هذا هو التلكؤ، تلكأت، يعني ترددت، ونكصت، يعني رجعت، كقوله عز وجل: ﴿وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، يعني تراجعت، حتى ظننا أنها ترجع، يعني خلاص تعترف وتترك. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، وليس المراد اليوم، اليوم التي هي فيه، إنما تريد الزمن، يعني سائر الزمن والوقت، فأرادت في اليوم، يعني الزمن: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، يعني شهدت، ولم تعترف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين»، وهذا قد تقدم معنا، أسود العينين، «سابغ الإليتين»، سابغ، بمعنى ما تقدم معنا في هذا الحديث، عظيم الإليتين، معناها: سمين وكبير الإليتين، هذا معنى سابغ. «خدلج الساقين»، يعني كثير لحم الساقين، أو فذلك، بمعنى السمين، سمين الساقين، فهو لهلال بن أمية، يعني أنها كاذبة، وأن هلالاً صادق. فجاءت به كذلك، يعني يشبه شريك بن سحماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله»، ما هو الذي مضى من كتاب الله؟ أن يتلاعنا أو يتفرقا، خلاص، هذا هو الحكم، «لكان لي ولها شأن»، يعني لولا ما جاء من هذا الحكم، لأقمت عليها الحد، الشأن: بمعنى إقامة الحد، لكن خلاص، قد جاء حكم الله، وستلقى عقابها يوم القيامة. هذا هو معنى هذا الحديث. طيب، هذا الحديث يختلف تماماً على الحديث الأول، حديث العجلاني، عاصم بن عدي، أو عويمر، يختلف عنه. فهذا الحديث الأول: أن المتلاعنين عويمر مع زوجته، وحديث ابن عباس: أن المتلاعنين هلال بن أمية مع زوجته. فكيف الجمع؟ الحافظ ابن حجر في فتح الباري ذكر أقوالاً كثيرة في الجمع بين الحديثين، وأقرب قول يجمع به بين الروايتين: أن عويمراً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت وجود هلال بن أمية، في وقت وجود هلال بن أمية، فأول من تلاعن هلال بن أمية، ثم جاء عويمر، وهلال عند النبي عليه الصلاة والسلام، فوقعت قصته، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أنزل القرآن كذلك فيك وفي صاحبتك، أي في زوجتك، فكانت القصتان في وقت واحد، هذا أقرب ما يمكن أن يجمع بين الروايتين، وهذا ما جمع به شيخنا، كما سيأتي في آخر ذكره لرواياته سبب نزول هذه الآيات. قال: قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: سئلت عن المتلاعنين، أي يفرق بينهما؟ قال: فما دريت ما أقول. يعني هذه قصة وقعت في زمن التابعين، سعيد بن جبير من التابعين، من تلاميذ ابن عباس، فوقعت هذه في زمنه، فسئل عنها، قال: فما دريت ما أقول، يعني ما عنده علم، قد يقول: قال القرآن موجود، والآيات، آيات الملاعنة، موجودة، فيقال: سبحان الله، وفوق كل ذي علم عليم، كم من عالم خفيت عليه أشياء في القرآن، أو أنه كان في بداية طلبه للعلم، فلم يكن عالماً بهذه المسألة، فلا ينقص من قدره وجلالة هذا العالم، سعيد بن جبير، وإلا فهناك من الصحابة من خفيت عليه بعض المسائل، كعمر، مسألة الاستئذان ثلاثاً، خفيت عليه في أول الأمر، حتى سأل، حتى أخبر بذلك، فثبت، وعرف أن الحكم صحيح، وأن من أتى إلى بيت أحد المسلمين، فطرق عليه الباب، أن يستأذن ثلاثاً، لا يزيد على ذلك، وهو عمر، واضح. وهكذا سعيد بن جبير، خفيت عليه هذا، سئل عن متلاعنين، أيفرقون بينهما؟ لعله يكون عنده أصل المسألة، وهو التلاعن، لكنه سئل: هل يفرق بينهما؟ والحديث جاء أنه يفرق بينهما، كما جاء في حديث البخاري هذا. قال: فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر، أسأل أهل العلم بمكة، فقلت للغلام: استأذن لي، استأذن لي على ابن عمر، يعني حتى أدخل عليه. قال: إنه قائل، يعني نائم، وقت القيلولة، وهو يكون قبل الزوال، وقت القيلولة يكون وقت الزوال، ولا بأس أن يكون بعد الظهر، فهذا تسمى قيلولة، نوم قبل الظهر وقبل الزوال. فقال: إنه قائل، يعني نائم في هذا الوقت، فسمع صوتي ابن عمر، قال: ابن جبير، قلت: نعم. قال: أدخل، فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة، يعني ما جئت في هذا الوقت، وقت راحة الناس، إلا تريد حاجة، فأراد أن يقضي له هذه الحاجة. قال: فدخلت، فإذا هو مفترش برذعة، هكذا ضبط: برذعة، والبرذعة: هو فرش يفرش في الأرض، فينام عليه، ينام عليه. قال: متوسد وسادة، حشو ليف، هكذا كان في زمنهم، وإلى زمن قريب، كان حشو الوسائد الليف، معروف الليف، ما يخرج من النخيل. قلت: قلت: يا أبا عبد الرحمن، كنية عبد الله بن عمر، المتلاعنان، أي يفرق بينهما؟ سؤالنا على مسألة التفريق، أخفى على سعيد بن جبير. قال: سبحان الله، يعني تعجب ابن عمر، كيف لا يعلم سعيد بن جبير هذا الحكم؟ قال: سبحان الله، نعم، ثم ذكر له الدليل، قال: «إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان»، هنا لم يذكر اسم المتلاعن، لعله من باب الستر. قال: «يا رسول الله»، يعني هذا الفلان بن فلان، «أرأيت إن وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم، تكلم بأمر عظيم، لأنه لا ما معه شهود، ربما يحد، عندما يقول: رأيت زوجتي تزني، هذا أمر عظيم. وإن سكت، سكت على مثل ذلك، إن سكت، هذا أمر أيضاً عظيم، كيف تسكت على هذا الأمر، وقع من امرأتك؟» قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك، أتاه، فقال: «إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به». وهذا يؤيد رواية من رواية عويمر، فلان بن فلان، يراد به عويمر، لأنه الذي افترض هذا السؤال أولاً، ثم وقع فيه، ابتلي به، كما ذكرنا، وهذا معنى قوله: «فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به»، يعني وقع ذلك في امرأتي. فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فتلاهن عليه، ووعظه، وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، يعني: لا تكذب، فلأن تلاقي جزاءك وتطهيرك في هذه الدنيا أهون عليك من أن تعذب يوم القيامة، فإن العذاب فيها أشد وأبقى. قال: لا، والذي بعثك بالحق، ما كذبت عليها، ما قلت حق صدق. ثم دعاها، أتى بالمرأة، فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ارضي بما، يعني شرع، في حد الزنا في هذه الدنيا، فهو خير لك من عذاب الآخرة، هذا هو المعنى. قالت: لا، والذي بعثك بالحق، إنه لكاذب، يعني إنها صادقة، وهو كاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما، هذا هو الشهود، ثم فرق بينهما. هذا الحديث يوافق رواية عويمر. قال: حديث صحيح، رواه الترمذي وصححه، والنسائي، وأحمد، والدارمي، وابن جرير. والسائل عن حكم الملاعن مبهم، لكن فسر في حديث عند مسلم والنسائي، أنه العجلاني، العجلاني، يعني حديث العجلاني، وكان سيد بني عجلان، نعم. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لزهير، واللفظ لزهير، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار، فقال: «لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فتكلم، جلدتموه، أو قتل، قتلتموه، وإن سكت، سكت على غير واضح»، يعني لو قلت: إن امرأتي وجدتها تزني، لأقيم عليه الحد، هذا معنى قوله، هذا معنى قوله: «فتكلم، جلدتموه، أو قتل، قتلتموه»، لو قتله، لقتل به، «وإن سكت، سكت على غير»، يعني على قهر وحزن، لأن لا أحد يرضى بهذا في أهله، «والله لأسألن عنه رسول الله، لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم». فلما كان من الغد، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فتكلم، جلدتموه، أو قتل، قتلتموه، أو سكت، سكت على غير». فقال: «اللهم افتح»، وجعل يدعو، يعني يدعو الله أن ينزل في ذلك حكماً شافياً كافياً، وجعل يدعو. فنزلت آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، فابتلي به ذلك الرجل، وسأل قبل أن يقع، فوقع فيه فيما بعد، من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة: «لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين»، فذهبت لتلعن، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مه»، يعني بمعنى: تروي وانتظري، فأبت، فلعنت. فلما أدبرا، قال: «لعلها»، جاء به أسود جعداً، فجاءت به أسود جعداً، يعني لا يشبه زوجها، فعلم أنها هي الزانية. الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وابن جرير. والسائل عند مسلم: «رجل من الأنصار»، فيحمل على حديث عويمر. قال الإمام مسلم رحمه الله: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا هشام، عن محمد، قال: سألت ابن مالك، وأنا أرى أن عنده منه علماً، فقال: «إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخو البراء بن مالك، وكان أول رجل لاعن في الإسلام». قال: فلاعن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، أبصروها، فإن جاءت به أبيض صبيحاً، قضي العينين»، ومعنى أبيض صبيحاً: يعني فيه شيء من الجمال والحسن، قضي العينين، يعني أسود العينين، فهو لهلال بن أمية، «وإن جاءت به أكحل»، يعني أكحل العينين، قضي العينين، مش أكحل العينين، يعني ليس في عينيه سواد، وأكحل العينين، يعني فيه سواد، «وإن جاءت به أكحل، جعداً، حمش الساقين»، يعني ضعيف الساقين، فهو لشريك بن سحماء. قال: فآم، بنت، وإن جاءت، وإن جاءت به أكحل، جعداً، حمش الساقين. قال: الحديث أخرجه النسائي. والقاذف: هلال بن أمية، كما تقدم. فهذا يطابق حديث ابن عباس. قال البزار رحمه الله، كما في كشف الأستار: حدثنا إسحاق بن الضيف، قال: حدثنا نضر بن شميل، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يثيع، وهذا ضعيف، كما سيأتي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لو رأيت مع أم رومان رجلاً، ما كنت فاعلاً به؟» يعني زوجته. قال: «كنت والله فاعلاً به شراً»، يعني ربما أقتله. قال: «فأنت يا عمر؟» قال: «كنت والله قاتله، كنت أقول: لعن الله الأعجز، فإنه خبيث». قال: «فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾». قال البزار: لا نعلم أحداً سنده إلا نضر بن شميل، عن يونس. حدثنا عبد الله بن إسحاق العطاف، قال: حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، ولم يقل: عن حذيفة، يعني الحديث مرسل، لأن المرسل: هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال ثقات. قال شيخنا: أقول: حديث حذيفة لا يحتاج إلى أن نتكلف في الجمع بينه وبين الحديثين السابقين، لأنه ضعيف، والضعيف لا يحتج به