الصحيح المسند من أسباب النزول  77

الصحيح المسند من أسباب النزول 77

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 77، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسباب نزول آيتين: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ و﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾

يوضح المقطع سبب نزول آية سورة فصلت 22 رداً على إنكار المشركين علم الله بسرائرهم، مؤكداً إحاطة سمعه وبصره. كما يبين سبب نزول آية سورة الشورى 23 بأن المودة في القربى تعني صلة رحم النبي صلى الله عليه وسلم لا طلب أجر مادي.

إخلاص الدعوة النبوية وتفسير آية المودة في القربى وسبب نزول آية بسط الرزق

يؤكد المقطع أن دعوة الرسل قائمة على الإخلاص لله دون طلب أجر دنيوي، مع تفسير ابن عباس للمودة في القربى بأنها صلة أرحام قريش. ويستعرض سبب نزول آية بسط الرزق في أهل الصفة مبيناً حكمة قدر الرزق لمنع البغي.

حكمة تقدير الرزق وخطر البغي بالنعم

يفسر المقطع آية ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ﴾ موضحاً أن الله يقدر الأرزاق لحكمة يعلمها، ويضرب مثلاً بأهل الصفة الذين تمنوا الغنى فنزلت الآية تحذيراً من الفتنة. ويبين أن المال ممدوح إذا صُرف في طاعة الله ومذموم إذا أدى إلى البغي وكفر النعمة.

خاتمة شرح الحديث

يختم المتحدث شرحه للحديث النبوي مؤكداً أن ما ذُكر هو ما تيسر من بيانه. ويختتم المقطع بعبارات غير مفهومة في نهايته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ﴾ [سورة فصلت: 22]. انتهينا من سورة الزمر، وبقي ما ورد من أسباب نزول سورة فصلت. قال: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الصلت بن محمد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ ﴾. قال: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف، والختن هو زوج كل امرأة ذات محرم منه، ذات محرم منه. قال: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: إن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله. فأنزلت: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ ﴾ الآية. قال: الحديث أعاده البخاري، وأخرجه مسلم والترمذي من طريقين، صحح أحدهما وحسن الأخرى، وأحمد، والطيالسي، وابن جرير، والبيهقي في الأسماء والصفات، والطحاوي في مشكل الآثار. وفي بعض طرقه في الصحيح وغيره: فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فقال الآخرون: إن سمع منه شيئاً سمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل الآية. ومعنى هذا الحديث: أن هؤلاء المشركين كانوا في بيت لا يراهم أحد من الناس، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ وهذا إنكار منهم لعلم الله عز وجل وإحاطته، وبذلك سماعه عز وجل لما يقول خلقه. فقال بعضهم: يسمع بعضه، والبعض الآخر لا يسمعه. وفي الرواية الأخرى التي ذكرها الشيخ رحمه الله تفسر هذا المعنى، وهو أن أحدهم قال: إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فأثبتوا سماع الرب للجهر، وأنكروا سماعه للسر، وهذا من جهلهم، ومن كذلك تشبيههم الخالق بالمخلوق. فالله سبحانه وتعالى هو الذي وسع سمعه الأصوات، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث المجادلة: لما جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وذكرت له ما وقع من زوجها من ظهارها، قالت: "أنت علي كظهر أمي". قالت عائشة: والله إنني لفي الحجرة، وما أسمع ما تقول. لعائشة في الحجرة قريباً من هذه المرأة وهي تكلم النبي عليه الصلاة والسلام، ومع هذا فهي لا تسمع ما تقول هذه المرأة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأنزل الله عز وجل: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [المجادلة: 1]. فقالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات. فالله عز وجل يعلم ما يسرون وما يعلنون، يسمع سبحانه وتعالى دبيب النملة السوداء في ليلة ظلماء، يسمع ما يسره الإنسان. فهؤلاء قالوا ذلك وأنكروا علم الله، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. هذا كان اعتقادهم. فالمؤمن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يسمع سره كما يسمع جهره سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذا الحديث وما ورد في سبب هذه الآية. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سورة الشورى. سبب نزول قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ [الشورى: 23]. ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، قال: أتى ابن عباس رجل فسأله. وقال سليمان بن داود: أخبرنا شعبة، قال: أنبأني عبد الملك، قال: سمعت طاوساً يقول: سأل رجل ابن عباس. ماذا عندكم؟ بعد ابن عباس المعنى، يعني سأله عن معنى هذه الآية. قال: سأل رجل ابن عباس عن معنى قول الله عز وجل: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾. فقال سعيد بن جبير: قرابة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: قال ابن عباس: عجلت. يعني جواب سعيد بن جبير غير صحيح، تعجل في الجواب، وابن عباس معه جواب آخر وهو الصحيح. قال ابن عباس: عجلت. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له فيهم قرابة. فنزلت: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾، إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. قال: الحديث في البخاري من حديث شعبة، وليس عنده "فنزلت". وقد أخرجوا الطبراني، كما هنا، وفيه: "إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها". وعزاه الحافظ في المطالب العالية إلى أحمد بن منيع، وقال: صحيح. ومعنى هذا الحديث: أولاً نأخذ معنى الآية. معنى هذه الآية: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾، أي: يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ، وعلى هذا النصح والتعليم والتذكير، لا أسألكم على ذلك مالاً تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني. وهذه هي دعوة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، كما قال الله عز وجل في سورة يس: ﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [يس: 21]. فدعوة الرسل دعوة إخلاص، ما فيها مطامع، وما فيها مناصب، وما فيها مال، وما فيها شيء من حطام هذه الدنيا، إنما هي دعوة لله. ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ [ص: 86]. في هذه الآية: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾. فهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله، وتعرف الداعي المخلص في دعوته والمتبع لنبيه بتجرده وإخلاصه لله سبحانه وتعالى، وأنه لا يسأل الناس شيئاً، لا يسأل الناس شيئاً، وإنما غايته وهمته أن يعلم الناس وأن يدعو إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة. فهذا معنى قوله: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾، يعني: ما أسألكم مالاً تعطوني إياه، ولا جاهاً أطلبه منكم، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي. وإن لم تنصروني فلا تضروني ولا تؤذوني، فلا تؤذوني فيما بيني وبينكم، فلا تؤذوني لما بيني وبينكم من القرابة، فاجعلوا هذه القرابة بيننا نبلها ببلالها، كما جاء في السيرة: "إنما بيني وبينكم أرحام، أبلها ببلالها"، يعني: أصلها أصلها. فهذا معنى ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾. والحديث يبين هذا: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ من المودة في القربى. قال سعيد بن جبير: قرابة محمد، يعني: حصرها في أقرباء النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، يعني مثلاً: أولاد عمه، أو أعمامه، أو زوجاته، أو نحو ذلك. لكن ابن عباس فسرها بما هو أعم من ذلك، فقال لسعيد بن جبير: عجلت. ثم بين معناها الصحيح، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. نعم، فـ ﴿ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ المراد بالقربة كل بطون قريش الذين لهم صلة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنزلت هذه الآية: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾. ولذلك لما أمره ربه عليه الصلاة والسلام أن ينذر عشيرته الأقربين، صعد عليه الصلاة والسلام على الصفا، ودعا بطون قريش. فهذا أيضاً يبين قرابة النبي عليه الصلاة والسلام. دعا قرابة قريش: يا بني عبد مناف، يا بني قصي، وبدأ يعدد بطوناً من بطون قريش حتى اجتمعوا له عليه الصلاة والسلام. ولذلك هنا قال ابن عباس: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. أنا ما أسألكم أجراً، وإنما أريد أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم، ولا تؤذوني، ولا تمنعوني في تبليغ دعوة ربي سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: سؤال أهل العلم. فهذا الرجل سأل ابن عباس عن معنى هذه الآية، وابن عباس هو ترجمان القرآن، فهو من أعلم الصحابة لتفسير القرآن، فكان يسأل ويتعلم عنده التفسير. وسعيد بن جبير من تلاميذ ابن عباس. وقوله لسعيد بن جبير: "عجلت"، فيه ذم العجلة، ذم العجلة سواء كان في الجواب أو كذلك في غيرها من الأمور. يتأنى ويتريث طالب العلم عند عرض المسائل عليه، ولا يتعجل. قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27]. قال شيخنا رحمه الله: قال ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أبو هانئ، سمعت عمر بن حريث وغيره يقولون: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة. ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾، ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا فتمنوا. قال: حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثنا حيوة، قال: أخبرني أبو هانئ أنه سمع عمر بن حريث يقول: إنما أنزلت هذه الآية... ماذا عندكم؟ ما عندنا وكرها عندك، وذكره كأن هذا هو الصواب. يعني: وذكر الحديث السابق الذي سبق. وأما "وكرها" ليس له معنى، الله أعلم. ها هنا أنت من أين أتيت بهذا؟ عندك نسخة جديدة في الجوال في الشبكة؟ لكن أي طبعة هذه موجود فيها الطبعة؟ هذا ذا الأثر هذا الجديد؟ ماذا عندك يا أبا طاهر؟ "كره" أو "ذكره"؟ ذكره، ذكره، بالذال. نعم هذا هو الصواب. قال: إنما أنزلت هذه الآية وذكره. قال: الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وفيه: لأنهم تمنوا الدنيا. وهذا يفسر معنى قوله: "لو أن لنا فتمنوا"، تمنوا أن لهم الدنيا. قال: وأخرجه الواحدي في أسباب النزول، وأبو نعيم في الحلية، وأخرجه الحاكم وصححه، وشار الذهب إلى أنه على شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب مثله. تنبيه: عمر بن حريث مختلف في صحبته كما في الإصابة، لكن الحديث جاء من غيره، جاء من حديث علي كما ذكره الشيخ. وإنما نبه على ذلك من باب الأمانة العلمية، وأن عمر بن حريث اختلف في صحبته، أهو صحابي أم لا؟ ولم يحقق الشيخ هذه المسألة، لكن ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة". ومعنى هذا الحديث: أولاً نأخذ معنى الآية. ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾، أي: لو أعطاهم الله عز وجل فوق حاجتهم من الرزق ومن هذه الدنيا، لحملهم ذلك على البغي والطغيان والكفران. فمن أجل ذلك ينزل الله سبحانه وتعالى بقدر. جاء أثر عن قتادة رحمه الله تعالى أنه قال: كان يقال: "كان يقال: خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك". هذه مقولة عظيمة: "خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك". هذا أفضل العيش وأفضل الرزق. الرزق الذي ما يلهيك عن أمور آخرتك، فتترك الواجب من أجل هذا المال أو هذا العيش أو هذه الدنيا، وترتكب المحرم من أجل هذا الرزق أو هذا العيش أو هذه الدنيا. ولا يطغيك: يعني يجعلك تبغي على غيرك وتطغى وتتجاوز حدك وتظلم غيرك. فلذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾. وهذا هو حال كثير من الناس، هذا هو حال كثير من الناس ممن فتحت عليهم الدنيا، تجد فيهم هذين الوصفين: الالتهاء بالدنيا عن الآخرة، والظلم والطغيان والمجاوزة. فهذا معنى هذه الآية: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾. ﴿ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾، يعني: ولكن يرزقهم ربنا سبحانه وتعالى من الرزق ما يحتاجونه، أو ما يختار لهم مما فيه صلاحهم. والله سبحانه وتعالى أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر. وهذا فيه أن العبد لا يتبرم ولا كذلك يتضايق إذا قدر عليه رزقه، لأن الله عز وجل أعلم بما يصلحك. فما يدريك أن الله سبحانه وتعالى لو فتح عليك الدنيا لفتنت بها، وكانت هذه الدنيا وبالاً عليك ونقمة وليست بنعمة؟ فلا تتبرم. وإذا أعطاك الله عز وجل من هذه الدنيا فاحذر من البغي والطغيان، وكفر النعمة، والتلهي بهذا المال عن أداء الواجبات، أو الالتهاء بهذه الدنيا في ارتكاب المحرمات. هذا هو معنى هذه الآية. وهذا الحديث فيه أن هذه الآية نزلت في أصحاب الصفة. أصحاب الصفة هم فقراء الصحابة الذين لا مأوى لهم ولا بيوت لهم، فكانوا يسكنون المسجد، ويسكنون المسجد، ويطلبون العلم عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان منهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فكان الناس يتعاونون ويأتون بالطعام إليهم إلى المسجد، فيأكلون ما تيسر من طعام، ويجلسون في المسجد، وكانوا فقراء ومعدمين. فتحدثوا فيما بينهم، فقالوا: لو أن لنا فتمنوا. وفي الرواية الأخرى: لأنهم تمنوا الدنيا. قالوا: نتمنى أن يكون لنا كذا وكذا. فنزلت هذه الآية: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾، كأنه يقول ربنا عز وجل: هؤلاء، وما يدريكم إذا عطيتم هذه الدنيا لفتنتم بها وطغيتم وكفرتم بها؟ فالله عز وجل جعل واختار لكم هذه الحال لمصلحتكم ولأمر قد علمه سبحانه وتعالى. هذا هو معنى هذه الآية وهذا الحديث، والذي نزل في أهل الصفة. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن الزاهد والفقير قد يتمنى هذه الدنيا ويحب ذلك. فأهل الصفة فيهم الزهاد، وفيهم العلماء، وفيهم... ومع هذا تاقت نفوسهم إلى الدنيا فتمنوها. وهذا من باب قول الله عز وجل: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ﴾ [الفجر: 20]. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 8]. والخير في هذه الآية يراد به المال، يراد به المال. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن العبد إذا أعطي من الدنيا واستخدمها فيما يرضي الله، فهذا ليس بمذموم. وإنما المذموم من فتحت عليه الدنيا فافتتن بها، ولم يشكر هذه النعمة، فاستخدمها فيما يغضب الله سبحانه وتعالى. هذا هو المذموم، لأن الله عز وجل قال: ﴿ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾. فالذي لم يبغ في الأرض، ولم يلهَ بهذا المال، فنعم المال الصالح للرجل الصالح. ولقد كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ومن أفضلهم، من كان من ذوي اليسار ومن ذوي الغنى، ولكن سخر هذا المال في ما يرضي الله، أنفقه في الجهاد، أنفقه في مصالح المسلمين. فكان هذا المال نعم في حقه. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». وانظر كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل من الغبطة أن يتمنى الشخص أن يكون له مثل ذاك المنفق للمال في وجوه الخير. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». وهكذا حديث فقراء المهاجرين الذين جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور. قال: وماذا؟ قالوا: يا رسول الله، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموالهم يحجون ويعتمرون ويجاهدون. فذهب إلى حال هؤلاء الأغنياء. أهل الدثور يعني أهل الغنى، أهل الغنى. لكن في ماذا ينفقون هذه الأموال؟ في الحج. هنيئاً لمن رزقه الله مالاً فهو ربما كل سنة يذهب يحج بيت الله الحرام. هل هذا لو بسط الله عليه في الرزق يكون مذموماً؟ لا، هذا ممدوح، لأنه سخر هذا المال في طاعة الله. وهكذا يعتمر، وهكذا يجاهد. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان ينفق ماله في مصالح المسلمين، يحث النبي عليه الصلاة والسلام على الصدقة، فيأتي بجميع ماله، كما في حديث عمر: لما قال: حث النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصدقة، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقت يوماً. فذهب فأتى بشطر ماله. فقال: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: مثله. ثم جاء أبو بكر بماله كله. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. أي أنه أتى بماله كله، أتى بماله كله، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهو الذي جهز جيش العسرة. وهو الذي اشترى بئر... ماذا؟ هو الذي اشترى بئر عثمان؟ نعم، نعم، عثمان وليس أبو بكر. لكن كان يتصدق بجميع ماله رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهو الذي جهز راحلتين في الهجرة للنبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا عثمان رضي الله تعالى عنه كان من ذوي اليسار والغنى، فهو الذي جهز جيش العسرة، وهو الذي حفر بئر رومة، وهو الذي وسع المسجد عندما ضاق بأهله. انظروا إلى هذه الأعمال. هذا مال طيب. وهكذا بعض من رزقه الله عز وجل مالاً في هذا الزمان، فلربما ينفق على الفقراء والمساكين، على طلبة العلم، ويبني المساجد، ويحفر الآبار، ويسخر هذا المال في طاعة الله. فهذا ليس بمذموم. فقوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾، لأن الله عز وجل يعلم من يستحق الغنى فيشكره، ومن لا يستحق الغنى فإذا غناه كفر بالله عز وجل، وسخر هذا المال في الطغيان، وفي كذلك الانصراف عن الطاعة والعبادة. هذا هو ما تيسر ذكره عند هذا الحديث. وإلهنا والله تعالى... عمى نظر عمى من إنسان يسر يسر يسر يسر يسر يسر يسر يسر يسر.