الخطبة بعنوان أسباب عزة هذه الأمة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 ربيع أول 1439هـ ألقاها
يتناول هذا الفصل أحوال المسلمين قبل وبعد الإسلام، مؤكدًا أن العزة تأتي من التمسك بالدين وتحقيق التوحيد. يشير إلى أن تخلّف المسلمين عن دينهم سبب ضعفهم.
يشدد هذا الفصل على أهمية عودة الأمة إلى دينها وتمسكها به، واجتناب الذنوب وتحمل المسؤولية الفردية في إقامة الدين. يبين أن الذلة تأتي من البعد عن الدين.
يركز هذا الفصل على ضرورة حسن الظن بالله وعدم الاغترار بالكثرة، والوثوق بالله سبحانه وتعالى في نصر دينه. يشير إلى أن النصر يأتي إذا قام المسلمون بما أوجب الله عليهم.
يتضمن هذا الفصل دعاءً على اليهود والنصارى وأعوانهم، وطلبًا لتطهير بيت المقدس وجعله بلدًا مباركًا. يختم بطلب الحسنة والنجاة من عذاب النار والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الناظر في حال الناس قبل الإسلام كيف كانوا في جاهلية جهلا، وفي ظلمات عميا، وفي بعد عن دين الله جل وعلا، وعن طاعته وعبادته، يعبدون الأصنام ويرتكبون الفواحش، ويعتدي القوي منهم على الضعيف، فيعيشون حياةً همجية وحياةً وحشية، حتى بعث الله جل وعلا نبيه محمدًا عليه الصلاة والسلام، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الذلة والمهانة إلى العزة والرفعة والمكانة، فصارت أمة لها رفعتها ولها عزها ولها مكانتها، رفعها الله جل وعلا بعد أن كانت وضيعة، وأعزها الله جل وعلا بعد أن كانت ذليلة، بتمسكها بهذا الدين الذي منَّ الله جل وعلا بها عليها، ففتحت الفتوحات، وخاضت أو كذلك ذللت لها الأعداء، وذلك بسبب تمسكها بهذا الدين العظيم. ثم بدأت بعد ذلك بالضعف والخور والرجوع إلى القهقرى، وأصابها ما أصابها من الذل والهوان، بسبب تخلُّفها وبسبب عدم تمسكها بهذا الدين الذي أعزَّه الله سبحانه وتعالى به، فلذلك عباد الله، إن الناظر في أحوال كثير من المسلمين اليوم، وما يعيشونه من ضعف ومن ذلة ومن هوان وعدم عزة ورفعة، هو بسبب بعدها عن دين الله جل وعلا، وتضيعها لدين الله، وتنازلها عن عقيدتها ومبادئها التي يجب أن تتمسك بها وأن تعتنقها وأن تفعلها وتطبقها. فإن العزة لهذا الدين والرفعة لأهله، ما إن تمسكوا به وما إن اعتزوا به، سوف يعزهم الله جل وعلا، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، نعم لأهل الإيمان إن تمسكوا بأسباب العزة التي بها تحصل لهم وتُحفظ لهم عزتهم. ألا وإن منها التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، والأخذ بهما عقيدة ومنهجًا وسلوكًا وأخلاقًا، وغير ذلك من مجالات الحياة، فإن الأمة لو تمسكت بكتاب ربها وبسنة نبيها عليه الصلاة والسلام، لكانت لها العزة ولها الفلاح ولها الرفعة. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وقال عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي»، رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ومن لازم ذلك البعد عن البدع والخرافات والمحدثات، لأنها تناقض دين الله جل وعلا وتطمس معالم الإسلام، فما أحييت بدعة إلا وأميتت في مقابلها سنة، كما قال جمع من السلف. وهكذا أيضًا من أسباب عزتها أن تلتف حول علمائها وعلماء الكتاب والسنة، والذين عرفوا بصحة المعتقد وسلامة المنهج، يأخذون بأقوالهم ويستأنسون بآرائهم، كما أمر الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فلما تخلوا عنهم ورجعوا إلى كل ناعق ولكل متكلم في الدين بلا علم ولا فقه ولا خشية من الله جل وعلا، أصابها ما أصابها من الذل والهوان، ووقوعها في أنواع من الفتن التي هي بسبب بعدهم عن علماء الأمة. وهكذا عباد الله، تحقيق دين الله جل وعلا، وتحقيق العبادة بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، فإن تحقيق التوحيد سبب عظيم من أسباب عزة الأمة ورفعتها، قال الله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. نعم عباد الله، هذا وعد الله جل وعلا بالتمكين في الأرض والاستخلاف فيها، إذا قام العباد بهذا الواجب العظيم من توحيده سبحانه وإفراده جل وعلا، ونبذ الشرك بجميع صوره وأشكاله. وانظروا رعاكم الله إلى حال كثير من المسلمين الذين يريدون النصر ويريدون العزة لهذا الدين، وهم يصفون العبادات لغير الله، ويدعون ويستغيثون بغير الله جل وعلا، ويلجأون إلى الأموات وإلى الأضرحة والقبور والقباب، يسألونها ويستغيثون بها ويتمسحون بأتربتها، ثم يريدون بعد ذلك أن ينصرهم الله جل وعلا، وهم لم يحققوا له هذا الواجب العظيم. وهكذا أيضًا من أسباب عزة الأمة أن ترجع فتنظر في تاريخ الإسلام، نظر تفكر وعظة واعتبار، لا نظر تسلية وتلهي، نعم عباد الله، تنظر في تاريخ الإسلام وكيف أعز الله عز وجل هذه الأمة، وجعلها عزيزة، وجعل لها الرفعة ولها المكانة ولها القوة، حتى خضعت لها رقاب الأعداء، وحتى تسلطوا على بلاد أهل الكفر، بل إلى أعظم الدول الكافرة في تلك الأزمان، كالدولة الفارسية والدولة الرومية، التي كانت من أعظم الإمبراطيات في تلك الأزمان الماضية، فخانت فهانت عليهم هانت عليهم تلك الدول، مع قوتها وقوة عتادها وقوة كثرة عددها، بما جعل الله جل وعلا في قلوبهم من الإيمان وتمسك بها. فجعل الله جل وعلا لها العزة والمكانة، إني تذكرت والذكرى مؤرقة، مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه، وأمة حكمت كونًا بأكمله، فأصبحت تتوارى في زواياه، قالوا: تعود إلى الإسلام كبوتنا، ويظلم السيف من خانته كفاه. لما ضاعت الأمة دينها وتركت عقيدتها، صارت لها هذه المهانة، وذهب هذا المجد التليد الذي رسمته في التاريخ الإسلامي، في عزها ورفعتها ومكانتها. نعم عباد الله، فما يصيب المسلمين اليوم من ذلة وهوان وتسلط للأعداء على بلاد الإسلام، لهو بسبب ما اقترفته الأيدي من الذنوب والمعاصي، وما تسلط اليهود على بلاد القدس، على القدس الشريف، إلا بسبب ذنوبنا وخطايانا، وبسبب ما اقترفته أيدينا، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. نعم عباد الله، إن قلب المسلم وقلب المؤمن ليتألم من تسلط هؤلاء الأنجاس على البيت المقدس الشريف، ولكن, ذلك بسبب البعد عن دين الله جل وعلا، نعم عباد الله، فإن ذلك من نتائج البعد عن الدين، ومخالفة شريعة الله جل وعلا. وإن من أسباب عز الأمة أن تجتنب الذنوب والمعاصي، أن تبتعد عن مخالفة أمر الله وارتكاب ما نهى الله جل وعلا، فإن المعاصي مفتاح كل شر، ومغلاق كل خير، وهو سبب لذلة الأمة، ولمهانتها، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾، ويقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. وفي مسند الإمام أحمد، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». فهذا الذل وهذا الهوان هو بسبب البعد عن الدين، ولن يرفعه الله ويجعل لهذه الأمة العزة والمكانة والرفعة، إلا برجوعها إلى هذا الدين، وتمسكها به، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي، ومخالفة أمر الله جل وعلا، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري»، نعم عباد الله، في الذلة والصغار على من خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام. فإن الواجب على الأمة أن ترجع إلى دينها، وأن تعتز به، وإذا فعلت ذلك أعزها الله جل وعلا، قال عمر رضي الله عنه: «إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله»، فلما ابتغت هذه الأمة العزة بغير هذا الدين، أذلها الله، ولن تبقى، وستبقى هذه الذلة حتى تعود إلى دينها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا كذلك من أسباب عزة هذه الأمة ورفعتها، أن يستشعر كل عبد وكل فرد في هذا المجتمع، أن له مسؤولية في الدفاع عن هذا الدين، وفي الدعوة إليه، وفي إقامته، كل على حسب عمله، وعلى حسب موضعه في المجتمع. فليس هذا الأمر مقتصرًا على أهل العلم والدعاة إلى الله جل وعلا فحسب، بل على كل مسلم أن يكون عنده شعور، ويكون عنده استشعار، بأن عليه مسؤولية تجاه هذا الدين، إن لم يكن إلا أن تقيم ما أمرك الله جل وعلا به، وتحقق هذا الدين والإسلام في قولك، وفي فعلك، وفي كذلك بيتك وأسرتك. فإن ذلك سبب لقوة الدين، ولانتشاره وظهوره، إذا أصلحت نفسك، وأصلح الآخر نفسه، وأصلحت أسرتك، وأصلح الآخر أسرته، صلح المجتمع بكامله، فكان مجتمعًا دينيا إسلاميًا، على الكتاب والسنة، وعلى ما يحب الله جل وعلا ويرضاه. فلتسأل بعد ذلك عن الخير العظيم الذي يقع بسبب ذلك، أما إن تخليت وتخليت أنا وتخلى فلان وفلان، صار في ذلك تضييع لهذا الدين، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، ولم يقل: وأهلها صالحون، لأن صلاح الأنفس وحدها لا يكفي، حتى تكون صالحًا في نفسك، ومصلحًا لغيرك. فبذلك يحصل الخير، وكذلك يرفع الله جل وعلا العذاب عن الناس والمجتمع، بسبب قيامهم بهذا الواجب العظيم، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله جل وعلا، وكذلك إقامة هذا الدين، كما أمر الله جل وعلا، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن أسباب العزة كثيرة، التي ينبغي للمسلمين أن يأخذوا بها، وأن يعملوا بها، حتى تكون لهم العزة والرفعة، ومنها كذلك أيضًا عدم إظهار العدو بأن له القوة، وأن له المكانة، بإظهار قوة عتاده، أو بكثرة عدده، فإن ذلك مما يوقع الخوف والرعب في قلوب ضعاف الإيمان. بل ينبغي أن تظهره بمظهر الضعف والخور، وهكذا أيضًا أن يكون عندك حسن ظن بالله جل وعلا، في نصر دينه ونصر أوليائه، فإن إظهار العدو بمثل ذلك من أسباب التخذيل، ومن أسباب كذلك الهزيمة في قلوب المسلمين. وربنا جل وعلا يقول على المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَوْ أَوْضَعُوا فِيكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾. وهكذا عباد الله، من ذلك أيضًا أن تعلم، وأن توقن، بأن النصر من الله جل وعلا، فتحذر من الإغترار بالكثرة التي قد يغتر بها من يغتر، فإن الإغترار بها والفخر بها سبب من أسباب الهزيمة، نعم عباد الله، الإغترار بالكثرة سبب من أسباب الهزيمة، لأن النصر من الله جل وعلا. وإن كان إعداد العدة أمرًا مطلوبًا، كما أمر الله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، لكن الواجب هو تعبئة القلوب بالله، والثقة بالله جل وعلا، وأن النصر بيده، والتمكين منه سبحانه. فانظروا ما حصل للمسلمين في غزوة حنين، حين اغتروا بكثرتهم، واغتروا بعددهم، وكانوا اثني عشر ألفًا، فقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، فأعطاهم الله جل وعلا درسًا لا تنساه الأمة، وتنتفع به وتستفيد، أن الكثرة لا تنفع، ولا يغتر بها. قال الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. نعم عباد الله، فإن الإغترار بالكثرة قد جاء ذمُّه في كتاب الله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويقول عز وجل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. فلا تغتر بها، لكن الواجب كما سمعنا هو الوثوق بالله سبحانه وتعالى، وفي حديث ثوبان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: يا رسول الله، أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «لا، أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويُغْوِث في قلوبكم الوهن»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت»، رواه الإمام أحمد في مسنده. وهكذا عباد الله، كذلك أيضًا من أسباب العزة، وبه نختم حتى لا نطيل المقام، أن يوقن المسلم بأن النصر لهذا الدين، وأن الله جل وعلا معز، وأن الله جل وعلا معز لدينه، وناصر له، وأن الله جل وعلا مؤيدًا لهذا الدين، إذا قام المسلمون بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهم. قال ربنا جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، جاء في صحيح الإمام مسلم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى»، قلت: يا رسول الله، إن الله عز وجل أنزل قوله: ﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، فكنت أظن أن ذلك تام، فقال عليه الصلاة والسلام: «سيكون من ذلك ما شاء الله». وفي حديث ثوبان، في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملكي ما زوي لي منها»، وفي حديث تميم الدارى، عند الإمام أحمد وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخل الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًا يذل الله به الكفر»، قال تميم رضي الله عنه: فلقد رأيت ذلك في أهلي، فلقد رأيت ذلك في بعض أهلي، فمن أسلم منهم، كان له العزة وله الخير والرفعة، ومن كان كافرًا، كان له الذلة والمهانة والجزية. نعم عباد الله، فإن النصر لهذا الدين، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، لكن ذلك مقيد بأن ننصر الله جل وعلا، بإقامة دينه، وإقامة شرعه، والرجوع إلى هذا الدين الذي بعث الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام. قال ربنا جل وعلا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾، فنصر الله جل وعلا ماذا؟ أمر أكيد، لكن لا بد من تحقيق شرطه، وهو أن ننصر الله جل وعلا، بإقامة دينه وشرعه. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين، اللهم هيأ لهذه الأمة أمر رجل يعز في أهل طاعتك، ويذل في أهل معصيتك، ويُمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم عليك باليهود والنصارى، وأعوانهم، اللهم زلزل الأرض من تحتهم، وقذف الرعب في قلوبهم، اللهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم وطهر بيت المقدس من اليهود الأنجاس، اللهم وطهره من أيديهم يا رب العالمين. اللهم واجعله بلدًا كسائر مساجدك الحرام، واجعل لنا يا رب العالمين صلاةً فيه، فإنك على ذلك قادر، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.