الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يفسر الشيخ آية اللغو في الأيمان مبيناً أن الله لا يؤاخذ باليمين غير المقصودة بينما تؤاخذ اليمين العاقدة وتوجب كفارة. ثم يستعرض سبب نزول آية النهي عن عضل المطلقات برواية معقل بن يسار عن أخته التي منعها من الزواج بعد انقضاء عدتها.
يشرح حديث معقل بن يسار موضحاً أن أخته طُلقت طلقة رجعية فانتهت عدتها وصار الطلاق بائناً صغرى، فخطبها مطلقها الأول فرفض معقل تزويجها إياه. ويبين الفرق بين البينونة الصغرى التي تحل فيها المرأة لزوجها بعقد جديد، والبينونة الكبرى بعد الطلقة الثالثة التي لا تحل إلا بعد نكاح زوج آخر وطلاقه لها.
يبيّن أن منع الولي تزويج المرأة بعد انقضاء عدتها بغير عذر شرعي يُعد عضلاً محرّماً، وأن العبرة في قبول الخاطب بدينه وخلقه لا بماله أو نسبه. ويستدل بالآيات والأحاديث التي تحث على التيسير وتوعد المانع بالفتنة، مؤكداً أن الله يغني الفقير من فضله إن تزوج.
يُبيّن المتحدث أن جميع رواة الحديث المذكورين يُعدّون من رجال الصحيح، باستثناء راويين هما عمر بن أبي حكيم والزبرقان. ويشير إلى أن هذا الاستثناء لا يؤثر في صحة الحديث لوجود متابعات وشواهد تقويه.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من أسباب النزول»: قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة رضي الله عنها: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾، قالت: «أنزلت في قوله: لا والله، وبلا والله». ومعنى هذا أن الحلف لا ينعقد إلا إذا جزم صاحبه به، وحلف حلفاً أو حلفاً أكيداً، لا بمجرد اللغو ومعتاده من الكلام. فالآن تجد كثيراً من الناس يحلف، ولكن لا يريد بهذا الحلف التوكيد، وإنما شيء جرى على لسانه. فمثلاً تجد فلاناً يتكلم، يقول: والله ما فعلنا كذا، والله، يعني كلاماً عادياً يتكلم به، ما أراد به التوكيد. فهذا معنى قولها: «أنزلت في قوله: لا والله، وبلا الله»، يعني فيما اعتاده الناس في كلامهم، ولم يقصد به التوكيد في الحلف. فهذا معنى قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، يعني هذه الأيمان التي هي من لغو اليمين لا ينبني عليها أحكام الحلف، أو اليمين العاقدة التي يحلف صاحبها وأراد بذلك التوكيد، كأن يقول: والله لا سأجالس فلاناً، فهو يريد بذلك الحلف توكيد عدم المجالسة. فهذا الذي يؤاخذ عليه الإنسان إذا نكث، إلا إذا كفر عن هذه اليمين، فله أن يحنث. فمثلاً لو حلف عاقداً كما ورد في الآية، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. فمن لم يجد فإطعام عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. هذه كفارة ماذا؟ اليمين العاقدة. أما اليمين التي هي من لغو الحديث، فلا يؤاخذ الإنسان عليها. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، إذ لو كانت المؤاخذة على كل يمين لشق ذلك على الناس، لشق ذلك على الناس. كم الناس يحلفون الآن؟ لكن لا يريدون به التوكيد، وعقد اليمين إنما هو شيء جرى على ألسنتهم. فلو قلنا أن كل حالف يؤاخذ، لشق ذلك على الناس. فمن رحمة الله أنه لم يجعل المؤاخذة إلا على اليمين العاقدة. هذا هو معنى ذلك، والله تعالى أعلم. قال شيخنا: قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا عباد بن راشد، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي. وقال إبراهيم عن يونس عن الحسن: حدثني معقل بن يسار. حدثني معقل بن يسار، قال: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا يونس عن الحسن، أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾. الحديث أيضاً أخرجه البخاري، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود، والطيالسي، والدارقطني، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجه مسلم، وابن جرير. هذا زيادة تخريج للحديث. شيخنا يعتني بتخريج الأحاديث، فلا يكتفي بما جاء في الصحيح، بل يذكر كذلك من أخرجه من غير الصحيح. ومعنى هذا الحديث: أن معقل بن يسار كانت له أخت تخطب، قال: «تخطب إلي»، بمعنى أن الخاطب يأتيه ليتزوج أخته. ثم قال مبيناً من هذا الخاطب، وما سبب الرد. وقال إبراهيم عن يونس عن الحسن: حدثني معقل بن يسار إلى آخر السند، أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها. فإذن هذه الأخت كانت متزوجة، فطلقها زوجها، فتركها، يعني لم يراجعها، بل تركها مطلقة حتى انقضت عدتها، يعني حتى صار الطلاق بائناً. والطلاق البائن يعني الطلاق الذي لا رجعة فيه. تعلمون من أحكام النكاح أو أحكام الطلاق أن المرأة لها ثلاث طلقات، فإذا طلقها الطلقة الأولى فلها عدة، فلها ماذا؟ عدة. فإن كانت حامل فعدتها بأن تضع حملها، فإذا وضعت حملها بانت من زوجها، بمعنى أنه لا يراجعها إلا بنكاح جديد، يعني بعقد جديد، إلا بعقد جديد. أو إذا لم تكن حاملاً فعدتها تنتهي بثلاثة قرو، أي ثلاثة ماذا؟ أطهار، كما قال الله عز وجل: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرو﴾. والصحيح: القرو أنها الأطهار وليس الحيض. نعم، عفواً، الصحيح: الحيض وليس الطهر. فإذا حاضت المرأة أول مرة، ثم ثاني مرة، ففي الثالثة أول ما يأتيها الحيض تنقضي عدتها، تنقضي عدتها. هذا هو الصحيح. ورد خلاف المسألة، منه من قال أنه بالطهر. والفرق بين المسألتين: أن الطهر يأتيها الحيض ثم تطهر، ثم يأتيها الحيض ثم تطهر، ثم يأتيها الحيض، فتنتظر مدة حيضها حتى تطهر، فإذا طهرت انقضت عدتها. فما الفرق بين القولين؟ الفرق بين القولين أن القائل بالطهر تكون مدة عدتها أكثر من القائل بماذا؟ بالحيض. فالحيض: بمجرد أن يأتيها الحيض في المرة الثالثة تبين من زوجها. أما الطهر: فيأتيها الحيض ثم تمكث حتى تطهر بحسب عدد أيام حيضها، قد يكون خمسة أيام أو سبعة أيام أو أكثر أو أقل. فالمهم في قولي هنا: طلقها زوجها فتركها، يعني لم يراجعها، الطلقة هذه التي يجوز له أن يراجعها فيها، ولم تكن هذه الطلقة بائناً كبرى. فهناك بائن صغرى، وهناك بائن كبرى. فالبائن الصغرى: إذا طلقها زوجها فانتهت عدتها وهي في الطلقة الأولى أو الثانية، فيجوز له أن ينكحها مرة ثانية. أما البائن الكبرى: فهو أن يطلقها الطلقة الثالثة، فلا يجوز له أن يتزوجها إلا أن تنكح زوجاً غيره زواجاً من غير حيلة، ثم يطلقها، ثم بعد ذلك إذا انقضت عدتها يجوز لزوجها الأول أن يتزوجها. ففي هذا الحديث ظاهر هذا الحديث أن البينونة هنا بينونة صغرى، لأنه قال: طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، يعني أراد أن يتزوجها، فأبى معقل، يعني رفض وامتنع، رفض وامتنع عن أن يقبل هذا الزوج الأول زوجاً لأخته، ولم يكن هناك سبب إلا الطلاق الأول. ولكن طالما أن الرجل صلح حاله ورغب في زواج أخته، فليس لولي أمر هذه المرأة أن يمنع. وهذا ما يسمى بالإعضال، وهو منع نكاح المرأة من غير سبب شرعي. يأتي إليها الخاطب فيمتنع وليها، لا لأنه ليس بكفء، أو لعذر شرعي، وإنما لأمر ربما يعني دنيوي، أو أمر ظني، أو نحو ذلك. فهذا معنى قوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾، يعني انتهت عدتهم، ﴿فلا تعضلوهن﴾، لا تمنعوا زواجهم من غير عذر، ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾، خصوصاً إذا كان هذا الخاطب زوجاً لها من قبل، فلعله ندم على ما صدر منه في المرة الأولى، وأحب هذه الزوجة ورغب فيها، فلعله إذا رجعت إليه يتغير حاله ويتمسك بها، أو نحو ذلك. هذا هو المعنى، والله أعلم. ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. إذا كانت المرأة ترغب والزوج يرغب، فلا يحق للولي أن يمنع. وللأسف في هذا الزمان كثير من الناس يمنع زواجاً، يعني ابنته أو موليته، لأسباب تافهة: إما لدنيا، لأنه ما سيعطي كثيراً، أو لأنه فقير، أو نحو ذلك، أو من أجل كذلك نسب، لأنه ليس من قبيلة فلان، وليس من كذا وكذا، أو كذلك لأنه ليس عنده وظيفة، أو نحو ذلك من اعتبارات أهل الدنيا التي لا يجوز للولي أن يمنع زواج ابنته من أجلها. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». فإذن العبرة بالدين والخلق. وأما الدنيا فما يدريك؟ لعل هذا الفقير إذا تزوج بابنتك أغناه الله. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، يغنيهم الله من فضله. ولذلك قال بعض السلف: اطلب الغنى في النكاح، يعني في الزواج، لأن الله عز وجل قال: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. وهذا واقع: كم من إنسان تزوج وهو فقير، ففتح الله عليه، فصار من ذوي الأموال ومن ذوي السعة، فبنى البيت، واشترى السيارة، وكذلك أعطى مما أعطاه الله الزوجة وأهلها كذلك. ففضل الله واسع، وهو القائل: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فلا ترد الخطيب لفقره أو لقلة ذات يده، وانظر إلى دينه وخلقه. قال شيخنا رحمه الله: قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني عمر بن أبي حكيم، قال: سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، وقال: «إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين». قال: الحديث رجاله رجال الصحيح إلا عمر بن أبي حكيم والزبرقان