الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 46، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبيّن المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، حيث استهزأ منافق بقراء الصحابة في غزوة تبوك فوصفهم بأوصاف قبيحة، فدافع عنهم صحابي آخر وكشفه، فنزل القرآن بتكفير المستهزئ وبيان أن استهزاءه بحملة القرآن يعد استهزاءً بآيات الله ورسوله، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم اعتذاره باللعب واللهو.
يشرح المقطع أن الاستهزاء بالقرآن أو بأحكام الشرع أو بأهل الاستقامة يعد استهزاءً بالله ورسوله، وهو من نواقض الإسلام وعلامة على النفاق، وقد يكفر صاحبه حتى لو ادعى المزاح. كما يحذر من إطلاق اللسان في اللهو والسفر، ويؤكد وجوب الذب عن أعراض المسلمين والتزام الحق والصدق في المزاح.
يذكر المقطع سبب نزول الآية الكريمة في سورة التوبة، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقدوم رجل ينظر بعيني شيطان، فأتاه رجل أزرق وحلف مع أصحابه كذباً أنهم لم يسبوا النبي، فأنزل الله الآية مكذباً لهم ومبيناً أنهم قالوا كلمة الكفر وهموا بقتل النبي بعد إسلامهم، ودعاهم الله للتوبة وإلا عذبهم في الدنيا والآخرة.
يستعرض المقطع فوائد الحديث بذكر صفات المنافقين كالكذب وكثرة الحلف الكاذب، مع الاستشهاد بالقرآن والسنة، ثم يتناول رجال الإسناد ويقرر أن الحديث على الأقل حسن لثقة رواته وصدوقيتهم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر، قال: رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً، ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، إلا هشام بن سعد، فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في الميزان، وأخرجه الطبراني من طريقه، وله شاهد بسند حسن عند ابن أبي حاتم من حديث كعب بن مالك. أولا: معنى هذا الحديث يخبر عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن رجلاً في غزوة تبوك، وفي مجلس مع بعض الناس ومنهم بعض الصحابة، هذا الرجل تكلم بكلمات، فقال: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء"، ويريد بالقراء: قراء القرآن وحملة القرآن وحفظه القرآن. ويقول: "ما رأيت مثل هؤلاء، لا أرغب بطونا". "أرغب" على وزن "أفعل"، وهو أفعل تفضيل، يعني: ما رأيت أحداً مثل القرآن أكثر رغبة وحباً للأكل وملء البطون، مثل ما يقول لك واحد: "فلان على بطنك"، يعني أكثر رغبة وحباً للأكل وملء البطن. فهو يقول: هؤلاء أكثرنا رغبة وحباً للأكل وملء البطون، فهم أهل بطون وأهل أكل. "ولا أكذب ألسنة" يعني: أكثرنا كذباً، فهم أهل كذب. "ولا أجبن عند اللقاء" يعني: أكثرنا جبناً عند لقاء العدو، فهم لا يصمدون أمام العدو ولا يواجهون، بل يفرون ويجبنون. هذا معنى كلامه. هذا معنى كلام هذا الرجل، ولا شك أن هذا الكلام فيه طعن في هؤلاء القراء وفيما يحملونه من علم وقرآن. فسمع هذا القول رجل من المؤمنين، فدافع عن إخوانه، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن: إذا سمع في مجلس طعناً في إخوانه، غيبة، استهزاء، سخرية، فإن الواجب عليه أن يدفع عن عرض إخوانه المسلمين، ولا يسكت، بل ينهى عن هذا المنكر. فانظر إلى هذا الصحابي رد على هذا القائل مقولته، فقال له: "كذبت، ليس الأمر كما قلت، ولكنك منافق". ما قلت هذا، وما طعنت في خيرة الصحابة من حملة القرآن، إلا لأنك منافق. والمنافق مهما أخفى الكفر، ومهما أخفى الكره والعداوة للإسلام والمسلمين، إلا أن الله عز وجل يظهره على فلتات لسانه وصفحات وجهه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، يعني: في كلامهم. وكما قيل: "إن الوعاء بما فيه ينضح"، فالقلب بما فيه يتكلم اللسان. القلب بما فيه يتكلم اللسان. فمهما كتم المنافق نفاقه وكرهه وعداوته للإسلام والمسلمين، إلا أن الله عز وجل يفضحه بفلتات لسانه وأعماله، بل وصفحات وجهه. فهذا المنافق ما قال هذا إلا لما في قلبه من النفاق، ويؤيد قول هذا الصحابي بأنه منافق: سبب نزول هذه الآية، وأنها نزلت فيه. وهذه الآية في سورة التوبة، وسمّى بعض العلماء سورة التوبة بسورة الفاضحة. لماذا سموها بسورة الفاضحة؟ لأنها فضحت المنافقين، لأنها فضحت المنافقين، فسميت بسورة الفاضحة. فبلغ ذلك النبي، وفي رواية: أن هذا الرجل لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يخبره، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بما صدر من هذا المنافق، علم بذلك من الوحي، أوحى الله عز وجل إليه في هذه الآية. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، يعني: هذه الآية: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. يعني: سألتهم لماذا قلتم هذا القول، ولماذا طعنتم هذا الطعن، ولماذا استهزأتم بهؤلاء الصحابة؟ قال عبد الله -أي ابن عمر-: "فأنا رأيته"، يعني: رأى هذا المنافق الذي قال هذه الكلمات، متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحقب، أو حقب الناقة: الحزام من الحبل يشد به الرحل في بطن البعير، لما يوضع عليه الزاد، البعير يربط هذا الزاد بالحبل فيشد من أسفل بطن البعير، فهذا الحبل يقال له: حقب الناقة، أي: الحزام الذي يشد به الرحل في بطن البعير. فهذا الرجل تعلق بحق ناقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والرسول على الناقة. قال: "تنكبه الحجارة"، أي: تصيب الحجارة قدميه فتؤذيهما، لأنه يمشي مشياً سريعاً، ولا ينظر إلى أسفل رجليه، إنما ينظر إلى ويخاطب النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا معنى "تنكبه الحجارة": يعني تصيب الحجارة رجليه. وهو يقول: يعني هذا الرجل: "يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب". هنا أتى بالجمع "كنا" لأنه جاء في بعض الروايات أنهم جماعة قالوا هذا الحديث، أو سخروا واستهزأوا في هذا المجلس. ولكن هذا هو القائل، فقال: "إنما كنا نخوض ونلعب"، يعني: قلنا هذا من باب اللعب واللهو والهزل. جاء في بعض الروايات: "إنما كنا نقطع بذلك عناء الطريق"، يعني: تعب الطريق، حتى تمر علينا الطريق مروراً سريعاً، ويريد بهذا الاعتذار. لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل اعتذاره، لأن هذا عمل خطير، وعمل عظيم، وقول فيه كفر بالله العظيم. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول له -ورسوله وسلم يقول-: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. ما وجدتم كلاماً تقطعون به عناء الطريق إلا هذا الكلام؟ طيب، انتبهوا لتعبير القرآن: ماذا قال هذا الرجل؟ هل في ذكره في هذا الكلام ذكر لله ولرسوله ولآيات الله؟ قد يقول قائل: لا، ما فيه ذكر. طيب، كيف عد القرآن هذا القول استهزاءً بالله وآياته ورسوله؟ لأنه تكلم على ما يحمله هؤلاء الرجال، لا على أشخاصهم. قال: "ماذا؟ ما رأيت مثل قرائنا"، ووصفهم بأنهم قراء، حملة القرآن. فالاستهزاء إذن ليس بأشخاصهم، وإنما بما يحملونه من آيات، فهو استهزاء بآيات الله. والاستهزاء بآيات الله استهزاء بالله، لأن من الذي أنزل هذه الآيات؟ الذي أنزل هذه الآيات الله عز وجل، كلام الله. أرأيت لو أنك قلت قولاً، ها، قلت قولاً، فجاء آخر وقال: هذا القول الذي قلته، مستهزئاً بهذا القول، مستهزئاً بهذا القول، كأن قلت مثلاً على سبيل المثال: "أنا سأؤدب ولدي"، فجاء آخر وقال: "هم، اسمعوا فلان ماذا يقول، سيؤدب ولده، يؤدب ولده"، يستهزئ بقولك هذا. هذا الاستهزاء بهذا القول، أليس هو استهزاء بقائله؟ ها، هم، قال فلان كذا وكذا، لا، هو انتقد قولك ورد قولك، فهو استهزاء بك، لأن الكلام كلامك. وهكذا هذا الرجل: استهزاء بآيات الله، لأن هؤلاء القراء يحملون آيات الله، فهو استهزاء بالله، لأنه هو الذي تكلم بهذه الآيات. فالقرآن كلام الله، واستهزاء أيضاً برسول الله عليه الصلاة والسلام، لأن هذا الكلام أنزل على من؟ أنزل على رسول الله، فهو الذي بلغه عليه الصلاة والسلام، فهو الذي بلغه عليه الصلاة والسلام. فالاستهزاء بآيات الله استهزاء بالمبلغ عن الله، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لذلك عد هذا الكلام استهزاءً بهذه الآيات، وبقائلها، وبالمبلغ عن قائلها، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهنا فائدة ذكرها العلماء في الاستهزاء، وهذا يدل على خطورة الاستهزاء، لا سيما بدين الله، أو بشيء من آيات الله، أو بأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه قد تؤدي إلى الكفر، كحال هذا الرجل. لذلك بوّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد": "باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول"، ثم ذكر هذه الآية، وذكر أيضاً هذا الحديث، وأيضاً في كتابه العظيم وهو "نواقض الإسلام"، فذكر من نواقض الإسلام: الاستهزاء في القرآن أو بشيء من الدين. فهذا أيضاً قد يكون كفراً. وقد تكلم الشراح حول بعض الألفاظ التي نسمعها في هذا الزمان من بعض من ينتمي إلى الإسلام، وقد خرج من الإسلام فيها، من الاستهزاء بدين الله أو بآيات الله، كمن يرمي هذا الدين بالتخلف والرجعية، هذا كفر. أو كذلك يسخر من الأحكام الشرعية، كقطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن، أو غير ذلك من الأحكام، فهذا استهزاء بدين الله سبحانه وتعالى. ونحو هذه من الألفاظ التي فيها استهزاء. أما الاستهزاء بأهل الخير والاستقامة، فهذا فيه تفصيل: فإن استهزأ المستهزئ برجل مستقيم، لا في شخصه، وإنما فيما يحمل من حق وعلم ودين، فهذا يكفر، كمن يستهزئ برجل يصلي، فهذا يقع في بعض البوادي، فهو استهزاء بالصلاة. أو يستهزئ بمستقيم لا يخالط النساء، فيصفه بالتشدد أو بالرجعية أو نحو ذلك، فهذا يكفر، لأنه استهزأ بشيء معلوم من الدين. وإنما الاستهزاء بشيء فيه خلاف أو فيه شبهة، فهنا لا يكفر. مثلوا له مثلاً: بإعفاء اللحية، استهزأ بشخص لأنه يعفي لحيته، فيسخر من هذه اللحية، فيقال: ينظر في هذا المستهزئ، لعله يكون جاهلاً بحكم هذه اللحية، ويظن أنها سنة وليست واجبة، أو يظن أنها ليست من الدين، أو نحو ذلك، فهنا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة. أما شيء معلوم من الدين بالضرورة، كمن استهزأ بالحجاب، بعض الناس الآن يستهزئ بالحجاب، ويقول: هذا رجعية وتخلف، ينبغي للمرأة أن تكشف شعرها وأن تمشي مثل الرجل، هذا كفر. أو استهزأ بالصلاة، أو استهزأ بالأحكام الشرعية، أو استهزأ بكذلك القرآن، أو أراد أن يسقط آية من القرآن، أو حتى حرفاً من القرآن، فهذا كله من الكفر والاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فيدخل في عموم هذه الآية. فيفرق بين هذا وذاك، كما ذكر هذا أهل العلم. إذن ما معنى الآية؟ ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ﴾، أي: هذا القائل، لماذا قلت هذا القول؟ فيعتذر بقوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، يعني: ما أردت الاستهزاء، إنما أردت مرور الطريق، كما يقول البعض، أو الضحك واللعب. هذا معنى "نخوض ونلعب". فلم يعذره ربنا عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. عده الله عز وجل كفراً، إن كنتم تزعمون الإيمان قبل ذلك. نعم، فهو من نواقض الإسلام. هذا الحديث فيه فوائد مرت بعضها معنا، فمن هذه الفوائد والمسائل فيه: أن سب الدين وأهله من علامات النفاق، فالاستهزاء بالدين وبأهل الدين من علامات أهل النفاق، وأهل الفسق والفجور والكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، وكما قال الله عز وجل كما مر معنا في الآية التي قبل هذا في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمَنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. فذكر من صفات أهل النفاق: الاستهزاء، الاستهزاء، فهذه صفة واضحة. فإذا رأيت من يستهزئ بالدين، كالعلمانيين والحداثيين وغيرهم من دعاة الفتن في هذا الزمان، فهذا دليل نفاقهم، فهذا دليل نفاقهم. وأيضاً من فوائد هذا الحديث: فيه خطورة الاستهزاء بالدين، وأنه سبب للكفر، والعياذ بالله، كما في هذا الحديث. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: الذب عن أعراض إخوانك المسلمين، إذا سمعت طعناً أو سباً أو استهزاءً فيهم، فالواجب عليك أن تدافع عنهم، أن تدافع عنهم. فهذا الرجل من الصحابة قال لهذا القائل: "كذبت"، دافع. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: يحذر من إطلاق اللسان، فهذا فيه خطورة إطلاق العنان لللسان، كلمات قالها كانت سبباً في كفره. ها، فقد يكفر الشخص لكلمات يخرجها من لسانه. وهذا فيه خطورة اللسان، لا سيما في مواضع اللهو أو اللعب، أو كذلك الانبساط مع الناس ونحو ذلك. اضبط نفسك، اضبط نفسك، اضبط نفسك، لا تقول: "أنا في سفر"، لأن أقول ما أشاء، كما قال هؤلاء: "نقطع به عناء الطريق"، عناء الطريق، ما يقطع بالقول الباطل، لا بغيبة، ولا بنميمة، ولا بالفحش في القول. بعضهم إذا خرج رحلة أو سفر، تجده يتفكه، كما أنه يتفكه بالمأكولات والمشروبات في هذه الرحلة أو في هذا الترفيه، يتفكه بالكلام في الناس، والغيبة والنميمة، أو يتفكه بالكلام الفاحش، الذي فيه وصف للنساء، وفيه كذلك فحش وتفحش. هذا أيضاً لا يجوز. لا أقول لك: في السفر أو في الرحلات الترفيهية لا تمزح مع إخوانك، ولكن تمزح معهم بالحق، تمزح معهم بالحق، لا بالكذب، ولا بالفحش، ولا بالغيبة، ولا بالنميمة، وإنما مداعبة بالحق والصدق، والصدق. فيحذر من هذا، بارك الله فيه. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. هذه تتمة الآية. قال شيخنا رحمه الله تعالى: حدثنا، قال ابن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة. انظر إلى بساطة الحياة التي كان يعيشها الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ما كان في قصور شاهقة، ولا في فنادق عالية، ولا في غرف مكيفة، لا، تحت ظل شجرة، هكذا كان الصحابة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة، فقال: "إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه". فلم يلبث أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "على ما تشتمني أنت وأصحابك؟". فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا، حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾، ثم نعتهم جميعاً إلى آخر الآية. يعني: نعتهم، يعني: وصفهم. ومعنى الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالساً في ظل هذه الشجرة مع أصحابه، فقال لهم: "إنه سيأتيكم إنسان"، وهل معنى هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الغيب؟ لا، وإنما يطلعه الله على ما شاء من الغيب، كما قال الله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾، في آخر سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾. فمثل هذه الأحاديث التي يقول عليه الصلاة والسلام: "سيأتي فلان"، أو "سيظهر فلان"، أو "سيحصل كذا"، هذا مما أطلع الله عز وجل عليه نبيه. وإلا في بعض المواقف يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فيسكت عليه الصلاة والسلام، ويقول: "الله أعلم"، لأنه لا يعلم الغيب، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام بما أطلعه الله من أمور الغيب، قال: "إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعيني شيطان"، يعني: الشر بين عينيه، إنسان شرير، الشر بين عينيه. "فإذا جاء فلا تكلموه"، يعني: لا أحد يكلمه، لا أحد يكلمه. قال: "فلم يلبث أن طلع رجل"، يعني: انتظروا قليلاً، فإذا رجل يطلع عليهم، ووصف هذا الرجل أنه أزرق، يحتمل أنه أزرق العينين، وأزرق الجلد واللون. قال: "فدعاه رسول الله"، يعني: نادى عليه، فقال: أي النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل: "على ما تشتموني أنت وأصحابك؟"، يعني: لماذا تسبوني أنتم وأصحابكم؟ يعني: بعض أصحابه وجلسائه. وكأن النبي عليه الصلاة والسلام، كما ذكر ذلك الحافظ بن كثير، أخبره بعض أصحابه بما قال هذا الرجل وأصحابه، بما قال هذا الرجل وأصحابه. ويحتمل أن الله عز وجل أطلعه على هذا القول الذي قاله هذا الرجل، يحتمل هذا وهذا. "فانطلق الرجل"، يعني: ذهب الرجل إلى أصحابه، كي ينفوا عن أنفسهم ما أخبره به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب هذا الرجل، وأتى لأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا، يعني: حلفوا كذباً وزوراً، لأن القرآن فضحهم، هم قالوا، لكنهم من أهل النفاق. وكما قلنا: أن هذه السورة، سورة التوبة، يسميها العلماء بالفاضحة، هذا فضيحة لهم، يأتون يحلفون، ثم ينزل القرآن، ويقول: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا﴾، إذن القرآن يكذبهم، ويخبر نبيه أنهم كذبوا، وأنهم قالوا هذا القول، وهذا الشتم، وهذا السباب، ونحو ذلك. قال: "حتى تجاوز عنهم"، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل ظاهر الناس، ويكل سرائرهم إلى الله، كما قال عمر: "لقد كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ينزل الوحي فيكشف حال المنافقين، أما الآن فما لنا إلا ما ظهر من الناس، ونكل سرائرهم إلى الله". السرائر نكلها إلى الله، نحكم بالظاهر. فهؤلاء لما حلفوا، النبي عليه الصلاة والسلام قبل ظواهرهم، قبل ظواهرهم، وأوكل سرائرهم إلى الله، لأنه لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب. فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. قيل: إن هذه الكلمة التي قالها هؤلاء، هو قولهم بقتل رسول الله عليه الصلاة والسلام. قيل: هذا، كما جاء في تفسير ابن كثير، يعني: أن هؤلاء قالوا: "سنقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهذا كفر، من همّ بقتل النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا كفر بالله العظيم. لذلك قال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، يعني: هموا بقتل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن ما نالوا ذلك، ما استطاعوا ذلك. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، يعني: بما لم يظفروا ويحققوا، واضح. ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾، يعني: ما نقموا من النبي عليه الصلاة والسلام، إلا ما لرسول، إلا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، ما، ما عنده ذنب، لماذا سيقتله؟ ما ذنبه؟ ما جرمه؟ ما كذلك الدافع إلى هذا الفعل؟ ما للرسول عندهم ذنب، إلا أن الله أغناهم، أن الله عز وجل أغناهم ببركته، يعني: أغنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببركته، وبما من عليه من هذا الدين العظيم. ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، وهذا فيه دعوة من الله عز وجل هؤلاء إلى التوبة. انظر ما أعظم رحمة الله، وكذلك ما أرحم الله سبحانه وتعالى بعباده، يكفرون ويشركون، ويهمون بقتل الرسول، وهو مع هذا يدعوهم إلى التوبة: ﴿فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾. قال الحافظ: أي: بالقتل، أو بالهم والغم، هذه عقوبة. يظن بعض الناس أن عقوبة المخالفات الشرعية والمعاصي والذنوب تكون بالأمور الظاهرة، كأخذ مال، أو قتل نفس، أو إحراق بيت، أو نحو ذلك. لا، قد هناك تكون عقوبة أشد من هذا، وهو: ماذا؟ ما يعيشه هذا المجرم من حياة النكد والهم والغم، وضيق الصدر، هذه أعظم، ربما تكون من هذه العقوبات الظاهرة. لذلك ربما يقتل نفسه لما يجد من الهم والغم، وينتحر. فهذه عقوبة الدنيا، هذه عقوبة الدنيا، كما قال في هذه الآية: ﴿فَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، بما أعده الله لهم من الويل والعذاب في نار جهنم، والعياذ بالله، والعياذ بالله. وهذا الحديث فيه فوائد، من فوائد هذا الحديث: فيه أيضاً ذكر بعض صفات أهل النفاق، ومنها: الكذب، أنهم يكذبون، وكم في سورة التوبة من وصف المنافقين بهذا الوصف، وكما قال في سورة المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وكما في حديث عبد الله بن عمر: "آية المنافق ثلاث"، وذكر منها: "وإذا حدث كذب". وهكذا من صفات أهل النفاق في هذا الحديث: الحلف وكثرته، ففي هذا الحديث جاء: فحلفوا بالله، عودوا بالله، ويعلمون أنهم كاذبون، وحلفوا على ذلك، هذا أيضاً من صفات أهل النفاق. المؤمن لا يحلف كاذباً، وإنما يحلف صادقاً إذا اضطر إلى ذلك، ولا يكثر من الحلف في أي شيء، وإنما إذا اضطر إلى ذلك، لأن الله عنده عظيم. أما المنافق، فلا يؤمن بالله عز وجل، فهو لا يبالي بالحلف كاذباً، كما في هذا الحديث، وفي غيرها من الأحاديث. قال شيخنا: أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري، شيخ الطبري. قال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه بالرملة، وذكرته لأبي، فعرفه، وقال: كان صدوقاً. وعبد الله بن رجاء، أبو عمر، قال أبو زرعة: حسن الحديث عن إسرائيل، وقال أبو حاتم: كان ثقة، رضا، يعني: يرضى عن حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. إذن الحديث أقل أحواله حديث حسن، حديث حسن، لأن رجاله أقل أحوالهم أنهم لا ينزلون عن درجة الحسن، كما في شيخ الطبري كان صدوقاً، الصدوق يعني: حسن الحديث. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.