شرح بواعث الخلاص من الذنوب 12

شرح بواعث الخلاص من الذنوب 12

الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 12، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الجاذبان المتضادان ومحنة الإنسان بينهما

يتحدث المقطع عن الباعث السابع عشر للخلاص من الذنوب، وهو وجود جاذبين متضادين ينازعان الإنسان: جاذب للخير نحو الرفيق الأعلى وجاذب للشر نحو أسفل سافلين. من اتبع الجاذب الأعلى ارتقى الدرجات، ومن اتبع الجاذب الأسفل هبط إلى سجين.

انجذاب النفوس إلى أشباهها وضرورة مجاهدتها

توضح الفقرة أن روح الإنسان ترتبط في الآخرة بالرفيق الذي انجذبت إليه في الدنيا، مستندة إلى حديث "المرء مع من أحب" وآية "كل يعمل على شاكلته". لذا يجب مجاهدة النفس لتهذيبها ورفع مستواها نحو الخير.

جهاد النفس الأمارة ومراتبها الأربع

يستعرض المقطع أنواع النفوس الثلاث ويؤكد أن المجاهدة مطلوبة للنفس الأمارة بالسوء، مبيناً أربع مراتب: تعلم العلم، العمل به، الدعوة إليه، والصبر على مشاق الدعوة. من أكمل هذه المراتب صار من الربانيين.

الختام بالآية القرآنية والدعاء

يختتم المتحدث بالآية الكريمة التي تبشر المجاهدين في سبيل الله بالهداية، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد ويختم بالحمد لله. هذا الختام يجمع بين البشارة والدعاء بالخير.

  • 13 جمادى الأولى 1446هـ - 14/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع بواعث الخلاص من الذنوب. وقد سبق معنا الكلام في الدرس الماضي حول الباعث السادس عشر الذي يتعلق بأهمية الالتجاء إلى من بيده كل شيء، يده الخير وبيده الشر، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابعه سبحانه وتعالى، وأهمية التضرع بين يديه سبحانه وتعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى الباعث السابع عشر، قال رحمه الله تعالى: «أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب يجذبه إلى أسفل سافلين». والجاذب يا إخوان هو عبارة عن الشيء الذي ينزعك إلى جهته، ينزعك ويسحبك إلى جهته. يذكر رحمه الله تعالى أن الإنسان يقع بين جاذبين، وهذان الجاذبان متضادان، والمحنة التي يتعرض لها هذا الإنسان هي بين هذين الجاذبين. فجاذب يجذبه إلى أعلى عليين، أي إلى الخير وإلى الصلاح، بينما جاذب آخر يجذبه إلى أسفل سافلين. قال: «فكل من قاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لثوبان: "فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة"». وقال: «وكل من قاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين». قال: «ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، أين روحه في هذا العالم؛ فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الذي كانت منجذبة إليه في الدنيا، فهو أولى بها». وهذا كما جاء في حديث البراء بن عازب الطويل في قصة الوفاة وخروج الروح من البدن وصعودها، فإن كانت صالحة كانت في الرفيق الأعلى، وإن كانت غير صالحة فتكون في سجين. قال رحمه الله تعالى: «فالمرء مع من أحب طبعاً وعقلاً وجزاءً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"». قال أنس: «فما فرحنا بشيء بعد فرحنا بالإسلام فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"». قال رحمه الله تعالى: «وكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع». وهذا هو الملاحظ يا إخوان: الذي مهتم بالعلم والتعليم فيكون انجذابه إلى العلم والعلماء، والذي هو مهتم بالرياضة واللاعبين تجده يعشق الكرة ويعشق أهلها. وهكذا قد علم كل أناس مشربهم، قد علم كل أناس مشربهم. قال: «وكل امرئ يصب إلى ما يناسبه»، ومعنى يصب أي أنه يحن ويشتاق إلى ماذا؟ إلى ما يناسبه. قال: «وقد قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]، أي على من يماثله ويشابهه». قال: «فأ على ما يشابهه ويماثله». قال: «فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهممها وأعمالها إلى أعلى، أي أنه يطلب الأعمال التي ترتقي به إلى أعلى، وهي الأعمال الصالحة». قال: «والنفوس السافلة إلى أسفل، أي أنها تنزل بأصحابها إلى عمل ماذا؟ إلى عمل أهل السفل». وخلاصة هذا يا إخوان هو أن النفوس تحتاج إلى مجاهدة، إلى مجاهدة النفس. والمقصود بها محاربة النفس الأمارة بتحميلها ما يشق عليها مما هو مطلوب في الشرع. والنفوس يا إخوان على ثلاثة أنواع، فما هي؟ النفوس على ثلاثة أنواع: أحدها النفس المطمئنة، والثانية النفس الأمارة، نعم النفس الأمارة بالسوء، والثالثة النفس اللوامة. أما بالنسبة للنفس المطمئنة والنفس اللوامة فهذه يا إخوان خير ولا تحتاج في الغالب إلى مجاهدة. والنفس التي تحتاج إلى مجاهدة هي النفس الأمارة بالسوء. وقد بين العلماء ذلك، والبخاري رحمه الله تعالى بوب في صحيحه قال: «باب من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل». علق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: «يعني بيان فضل من جاهد، والمراد بالمجاهدة: ألف النفس على أو ماذا؟ كف النفس على إرادتها من الشغل بغير العبادة، بغير العبادة». وأخيراً فقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن جهاد النفس على أربع مراتب: المرتبة الأولى: مجاهدتها على تعلم العلم ودين الحق. المرتبة الثانية: مجاهدتها على العمل به بعد علمه. الثالثة: مجاهدتها على الدعوة إلى الحق. والرابعة: مجاهدتها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله. وهذه الأربع ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في أي رسائله؟ في الأصول الثلاثة. نعم، ذكر هذه المراتب الأربع وذكر دليلها من سورة العصر. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عقب ذكره لهذه المراتب الأربع: «فإن من أكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين». قال: «فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه». قال: «فمن علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات، في ملكوت السماوات». وصدق الله إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. نختم بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.