الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 13، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح الإمام ابن القيم أن الباعث الثامن عشر يتمثل في تفريغ القلب من المعاصي والدغل كشرط لنزول رحمة الله، مستنبطاً قاعدة التخلية قبل التحلية. ويؤكد أن على المسلم التخلي عن الشرك والبدع والشهوات المحرمة قبل عمارة القلب بالطاعات والإيمان كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾.
يشرح المقطع أن العبادة تبدأ بالتخلية من الشرك والأمراض القلبية ثم التحلية بالتزكية بالحسنات، مستشهداً بآية الزكاة وكلمة التوحيد. ويبرز منهج الإمام الألباني في التصفية والتربية كمرحلتين متتابعتين لتطهير القلوب والمجتمعات ثم تربيتها على الإسلام الصافي، مع تشبيه ذلك بإعداد الأرض للزرع وانتظار نزول الغيث، مشيراً إلى أن إزالة الموانع القلبية تفتح الباب لقبول الرحمة والخير.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر. ويعبر الختام عن شكر الله على تمام الفائدة والدعاء بالقبول.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع بواعث الخلاص من الذنوب من كلام الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. وكنا في الدرس الماضي قد تحدثنا حول الباعث... الباعث رقم كم؟ السابع عشر. نعم، أحسنت. الباعث السابع عشر وهو حول ما يتعلق بالجاذبين المتضادين اللذين يجذبان هذا الإنسان، وأنه ينبغي أن يتيقظ المسلم لجاذب الخير من جاذب الشر، وأن يجاهد نفسه الأمارة بالسوء، أن يجاهدها جهاداً عظيماً. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: «الثامن عشر: أن يعلم أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة. تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة». قال: «وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع». وتنقيته من الدغل، والمقصود بالدغل هو العيب الذي يفسد الشيء. لا بد أن تنقى القلوب من هذا الدغل الذي يفسدها. قال: «شرط لكمال الزرع». فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلاً فارغاً قابلاً ينزل فيه. قال: «وإن فرغه حتى أصابه غيث الرحمة، لا يرحمك الله، لكنه لم ينقه من الدغل، لم يكن الزرع زرعاً كاملاً، بل ربما غلب الدغل على الزرع، وكان الحكم له». وهذا يا إخوان يجرنا إلى أمر هام جداً، ألا وهو قاعدة عند أهل العلم يقولون: «التخلية قبل التحلية». التخلية قبل التحلية، ومعناها أن الإنسان يجب عليه أن يتخلى عن المعاصي قبل أن يتحلى بالطاعات. فربنا عز وجل يقول: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. لم يقل: فآمن بالله ثم اكفر بالطاغوت. فأولاً: تخلية من ماذا؟ من الشركيات والبدع والأهواء وتعلق القلوب بالشهوات المحرمة، ثم بعد ذلك عمارتها بالإيمان. وهكذا بالطاعات والعبادات التي يحبها ربنا عز وجل. وكذلك قوله سبحانه لنبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. فأولاً: تخلية، تطهرهم، ثم بعد ذلكم تحلية: ﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾، أي تنمي أخلاقهم الحسنة. فقدم التطهير من الشركيات والأغراض والأمراض على التزكية بماذا؟ بالحسنات. وهكذا في كلمة التوحيد: «لا إله» هذه تخلية، ثم بعد ذلكم يأتي الإثبات، ألا وهو التحلية: «إلا الله». وبمعنى آخر كان الإمام المحدث الألباني رحمه الله تعالى يذندن حولها كثيراً، ويبين رحمه الله تعالى أنه يعتبر أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة، ألا وهو: التصفية والتربية. أولاً: تصفية القلوب وتصفية المجتمعات من هذه الأمراض، ومن هذه كذلك الأغيار التي لربما تعلقت بها القلوب وانتشرت في أوساط المجتمعات، ثم التربية على هذا الإسلام الصافي، على هذا الإسلام الصافي. وذكر رحمه الله تعالى مثلاً واقعياً، قال رحمه الله تعالى: قال: «وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع، ويودع فيها البذر، وينتظر نزول الغيث». قال: «فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من إرادات السوء وخواطره، وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص، وعرضه لمهابي رياح الرحمة، وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه، كان جديراً في حصول المأمول». أي المقصود الذي يطلبه الإنسان، والثمرة التي يرجوها العامل. قال: «وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة، ولا سيما إذا اجتمعت الهمم، وتساعدت القلوب، وعظم الجمع، كجمع عرفة، وجمع الاستسقاء، وجمع أهل الجمعة». قال: «فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مفضية إلى مسبباتها». قال: «بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى، أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها». قال: ﴿وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لِجَهْلِهِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَلَيْهِ الشَّاهِدُ عَلَى الْغَائِبُ﴾. يعني الأسباب الحسية تغلب على الأسباب المعنوية عنده. قال: ﴿وَالْحِسُ عَلَى الْعَقْلِ وَلِظُلْمِهِ يُؤْثِرُ مَا يَحْكُمُ بِهِ هَذَا وَيَغْتَضِيهِ عَلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ وَيَغْتَضِيهِ﴾. «وَلَوْ فَرَّغَ الْعَبْدُ الْمَحَلَ وَهَيَّأَهُ وَأَصْلَحَهُ لَرَأَى الْعَجَائِبَ». يعني لو أصلح قلبه وهيأ نفسه، وهكذا أصلح جوارحه، وماذا فعندها سيكون مهيئاً لقبول ماذا؟ الرحمة، وهكذا الخير الذي ينزل من عند الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: «فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو أزال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب». قال: «فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المجدبة سكر وسد كثيف». ومعنى سكر: أي ما يسد به النهر ويمنع وصوله إلى هذه الأرض، إلى هذه الأرض. قال: «فصاحبها يشكو الجدب، والنهر إلى جانب أرضه، النهر يمر بجانبه، لكن ما الذي يمنعه من الدخول إلى أرضه؟ هناك مانع، وهناك سد يسكر الطريق إلى هذه الأرض». وهكذا يا إخوان قلوبنا، الآيات نسمعها، والأحاديث والمواعظ نذكر بها، والعلم نسمعه ليل نهار، وهكذا في أوقات كثيرة، لكن لربما البعض يحرم الذكرى، ويحرم كذلك أيضاً تزكية النفس وطهارة القلب وإصلاح الجوارح. والسبب في ذلك هو ماذا؟ أن الطريق إلى القلوب لربما هناك ما سكرها وأغلقها، ومنع من دخول هذا الخير إليها. فلابد يا إخوان من أن نصفي قلوبنا، وهكذا نهيئ نفوسنا ونصلح جوارحنا لكي، إذا جاء الخير ونزلت الرحمة، تجد لها محلاً وموضعاً صالحاً. ومن الحكمة يا إخوان قول القائل: «من جد وجد، ومن زرع حصد». فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجعل قلوبنا خالية من الشرك والنفاق وسيئ الأخلاق، وأن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر