الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 123، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب أساسية وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق. هذه المراتب تشكل الإطار الشامل للإيمان بالقدر خيره وشره.
المراتب الأربع للإيمان بالقدر مترابطة وتشمل العلم والكتابة والمشيئة والخلق. شرح هذه المراتب يبين أهمية الإيمان بها جميعًا لتحقيق الإيمان بالقدر بشكل صحيح.
المراتب الأربع تطبق على أفعال العباد، مع التركيز على أفعالهم عند الحديث عن هذه المراتب. الخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم يدور حول مسائل تتعلق بأفعال العباد.
المؤلف يعد بذكر تفاصيل المرتبة فيما بعد، ويشيد بالأدلة من الكتاب والسنة. يختم الشرح بدعاء لله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كم مراتب الإيمان بالقدر؟ مرة معنا إخواني في الله في درس أمس كمسألة أولى بما يتعلق بالإيمان بالقدر خيره وشره، الأدلة الدالة على هذا الركن الركين وهذا الأصل الأصيل من أصول الإيمان. والآن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه مسألة، وهي من المسائل المهمة، إذ أن الإيمان بالقدر إنما يكون بالإيمان بمراتبه، فالإيمان بالقدر له مراتب عليك أن تؤمن بها. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في كتابه «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل»، عندما ذكر هذه المراتب، وهي المراتب الأربع، قال رحمه الله تعالى: فمن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر، إذن دلت هذه المسألة وهذه العبارة منه رحمه الله تعالى على ضرورة العناية والاهتمام، وعلى الدراية والإتقان لهذه المراتب الأربع، حتى تكون يا عبد الله مذعناً لهذا الأصل الأصيل من أصول الإيمان. فيترى ما هي المراتب الأربع؟ قال إمام الحرم رحمه الله تعالى: الإيمان بالقدر على أربع مراتب. المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه تعالى قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأقوالهم وأعمالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم وأسرارهم وعلانيتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. هذه المرتبة الأولى التي ينبغي أن تعتقدها في قدر الله جل وعلا، أن ما من شيء إلا وقد علم الله به، ما من شيء، ما هناك شيء عزيب عن علم الله أو خفي عن علم الله، فإن الله علم بالأمور كلها. وسيأتي معنا بإذن الله التفصيل في هذه المسألة في المسائل القادمة. قال: المرتبة الثانية الإيمان بكتابة ذلك، وأنه تعالى قد كتب جميع ما سبق به علمه أنه كائن، وفي ضمن ذلك الإيمان باللوح والقلم. وهذه المرتبة الثانية، بعد أن تعلم أن الله قد علم بكل شيء، تستيقن بأن الله كتب كل شيء، فإن الله أول ما خلق القلم، قاله: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء. وسيأتي معنا مسألة الكتابة، وهذا يجرنا إلى الإيمان بالقلم الذي كتب الأقدار، والإيمان باللوح المحفوظ والذي كتبت به كل شيء. قال رحمه الله تعالى: المرتبة الثالثة الإيمان بمشيئته النافذة، بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهما متلازمتان من جهة ما كان وما سيكون، ولا ملازمة بينهما من جهة ما لم يكن ولا هو كائن. فما شاء الله تعالى فهو كائن بقدرته لا محالة، وما لم يشأ الله تعالى لم يكن لعدم مشيئة الله إياه، لا لعدم قدرة الله تعالى عن ذلك، تعالى الله عن ذلك عز وجل. وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليما قديرا. وهذه مرتبة المشيئة، أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما من شيء إلا وقع بمشيئة الله، هو الذي شاءه، هو الذي أراده، وما من شيء لم يرده الله عز وجل فإنه لا يقع. وسيأتي معنى ذلك، والمؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة إنما أجمل لنا المراتب الأربع، وسيستفيض رحمه الله تعالى بذكر كل مرتبة على حدة، بذكر أدلتها ومسائلها. قال: المرتبة الرابعة الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه ما من ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا فيما بينهما إلا والله خالقها وخالق حركاتها وسكناتها، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه. وهذه المرتبة الرابعة والأخيرة، وهي الإيمان بالخلق، وهي إيجاد الأشياء، خلقها هو بيد الله سبحانه وتعالى، هو الذي أوجدها، ما من شيء إلا هو خلق من خلق الله، أوجده الله سبحانه وتعالى. إذن خلاصة الباب، إخواننا في الله، هي مراتب أربع: تحفظ، تفهم، العلم المقصود بذلك علم الله عز وجل الشامل الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحق نسيان، أن تعلم بأن الله قد علم بكل شيء قبل وقوعه، الكتابة أن ما من شيء إلا وقد كتب، كان ذلك في الكتاب مصدورا. الأمر الثالث، وهي المرتبة الثالثة، مرتبة المشيئة، وأن الله فعال لما يريد، وما وقع شيء إلا بمشيئة الله جل في علام الغيب. الأمر الرابع: الخلق، وهو الإيجاد، أن ما من شيء إلا الله هو الذي أوجده، وهو الذي خلقه. وهنا، إخواني في الله، أنبني على مسائل متعلقة بهذه المراتب الأربع. أولا: قد مر معنا أن هذه المراتب الأربع لا تنفك، بل هي مترابطة متلازمة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر، إذن وجب عليك أن تؤمن بها جميعا. لأن من الناس من لربما يذعن لبعض هذه المراتب ولا يذعن لبعضها، منهم لربما يسلم بمسألة العلم السابق بالكتابة، إلا أنه ينكر مسألة الخلق، وأن هذه الموجودات ليس الذي خلقها الله، وهناك أشياء لم يخلقها الله. وسيأتي معنا: هل هناك أحد يقول بهذا؟ نعم، طوائف من أهل البدع من نازع الله في مسألة الخلق، وهذا سيأتي معنا. وهكذا في مسألة المشيئة والإرادة، هناك من نازع الله، إذن هي مراتب متلازمة، تؤمن بالعلم، بالكتابة، بالمشيئة، بالخلق. كذلك مما ينبني عليه في هذا المقام، أن تقاسيم العلماء هي في الحقيقة تؤول إلى هذه المراتب الأربع، لأن من أهل العلم من ربما له طريقة أخرى في التقسيم في مراتب القدر. فمن أولئك الذين خالفوا مثلاً في الهيئة العامة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فإن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قسم الإيمان بالقدر وجعله على درجتين، جعله على درجتين، وكل درجة تحتوي على مرتبتين. هذا أمر سار عليه شيخ الإسلام، قد سطر ذلك في كتابه «الواسطية»، وذكر أن الإيمان بالقدر يكون بالإيمان بدرجتين اثنتين، فالدرجة الأولى تحتوي على مرتبتين: مرتبة العلم والكتابة، والدرجة الثانية تحتوي على المشيئة والخلق. فأنت لو رأيتها تجد أنها بالأخير تؤول إلى المراتب الأربع، هي هي مراتب أربعة، لكنه رحمه الله تعالى راعى مسألة، ولهذا جعل المراتب تأول إلى درجتين، ثم تأول إلى أربع. ما الذي أراده شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن جعل الإيمان بالقدر على درجتين؟ كأنه أراد رحمه الله تعالى أن يذكر أن هناك من مراتب القدر ما هي سابقة للعمل، وأن من مراتب القدر ما هي مقرونة بالعمل. فالعلم والكتابة هذه سابقة للأعمال، قبل أن تعمل العمل، فإن هذا العمل قد علم به الرب قبل أن تعمله، وأن هذا العمل الذي أنت بصدد عمله قد كتبه الله من قبل. فتجد أن الدرجة الأولى، وهي العلم والكتابة، سابقة للأعمال، أما الدرجة الثانية فهي المقارنة للعمل، وهي مشيئة الله، شاء الله فكان العمل، وكون العمل وخلق العمل، فالمشيئة والخلق، وهي الدرجة الثانية، هذه مقارنة مع العمل وملابساته. والشيخ الإسلام راعى هذا الجانب، فقسم الإيمان بالقدر على هاتين المرتبتين، على الدرجة الأولى، وهي درجة العلم والكتابة، والدرجة الثانية: المشيئة والخلق، وهي في الأخير تؤول إلى المراتب الأربع. ومسألة أخيرة، إخواني في الله، متعلقة بهذا الباب، تجد أن هذه المراتب الأربع من يعبر عنها، من يتكلم عنها، تجد أن حديثه دائما يدور على مسألة أفعال العباد، على أفعال العباد. إن تكلم متكلم عن علم الله، علم الله السابق بأفعال العباد، بحركاتهم، بسكناتهم، بأقوالهم، بأفعالهم، بأحوالهم، وإذا تكلم متكلم عن مسألة الكتابة، يتكلم عن ما كتبه الله في أفعال العباد، فما من فعل من أفعال العبد، من حركة، من سكنة، إلا سطرت. تجد التعبير بأفعال العباد دائما، وإذا تكلم من يتكلم عن مسألة مشيئة الله النافذة، أن ما أراده الله في خلقه أوجده، فما مشيئة الله سبحانه وتعالى نافذة، ما هناك أحد يعقب على حكمه، وما هناك راد لقضائه سبحانه وتعالى، فما شاءه الله من أفعال العباد يقع. والخلق: أن الله سبحانه وتعالى خلق أفعال العباد، لكن ليس هذا معنى أن هذه مسألة محصورة في أفعال العباد، لا، بل إن مسألة القدر من العلم والكتابة والمشيئة والخلق هو عام لكل شيء، يدخل في ذلك ملكوت السماوات والأرض. ما من شيء موجود في هذه المعمورة مما علمناه ومما لا نعلمه إلا والمراتب الأربع تكون فيه، الكواكب النيرات والنجوم العاليات والجبال والمخلوقات كلها تدخل في هذه المراتب الأربع. لكن لماذا العلماء يذكرون أفعال العباد؟ يخصونها بالذكر؟ قال العلماء: لأن أكثر الأدلة إنما جاءت مصرحة بأفعال العباد، كما جاء معنا في حديث عبادة: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، مقادير الخلق، أي خلق؟ وهي خلق أفعالهم وأعمالهم. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «اعملوا العمل، فكل ميسر لما خلق له»، هذا كلام في مسائل القدر في باب العمل، أي عمل العباد، والله خلقكم وما تعملون، خلق الله أعمال العباد. ولهذا تجد أن أكثر الأدلة إذا تكلمت في مراتب القدر إنما تتكلم عن هذه الحيثية. هذا أولا. زد ثانيا: أن الخلاف الذي دب بين أهل السنة والجماعة وبين سائر الطوائف، هذه المسألة في مسألة أفعال العباد. هل علم الله بها؟ هل شاءها الله؟ هل قدرها؟ كتبها الله؟ هل أوجدها؟ خلقها الله؟ ستأتي معنا مسائل هذا الباب وهذه المراتب، وتجد أن ما من مسألة إلا وسنجد من ينازع أهل السنة فيها. في باب العلم وجد المنازع، في باب الكتابة وجد المخالف، في باب المشيئة وجد من يعارض في باب الخلق، وجد من يكابر في هذا الباب، وخالف أهل السنة، وقال بأن الله ما خلق أفعال العباد، وإنما العباد هم الذين يخلقون أنفسهم، يخلقون أعمالهم بأنفسهم. ولهذا، إخواني في الله، كان من تعبير علمائنا أنهم إذا عبروا عن مراتب القدر حصروها في هذه المسألة، تأكيدا للأدلة، وهكذا تعريضا للمخالفين الذين خالفوا في إثبات هذه المسائل. وسيأتي معنى ذلك بإذن الله في مسائل قادمة، ما يتعلق بذكر كل مرتبة على حدة، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى فصل فيها كل مرتبة بسؤالها الخاص، ثم حشد رحمه الله تعالى الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ما يجلي به هذه المسألة وحقيقتها، وكيف تفهم على بابها. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.