شرح أعلام السنة المنشورة  139

شرح أعلام السنة المنشورة 139

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 139، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شعب الإيمان وتعدادها

يشرح المقطع مفهوم شعب الإيمان ومحاولات العلماء لتعدادها، حيث أشار إلى أن الإيمان يقوم على بضع وسبعين شعبة. ليس شرطًا معرفة تعدادها للإيمان بها، يكفي الإيمان بها جملة وامتثال أوامر الكتاب والسنة.

تقسيم شعب الإيمان إلى أقسام ثلاثة

يشرح المؤلف تقسيم شعب الإيمان إلى أعمال قلبية ولسانية وجسدية، مستندًا إلى محاولات العلماء مثل ابن حبان وابن حجر، حيث تُقسم إلى 24 خصلة قلبية، و7 خصال لسانية، و38 خصلة جسدية.

تفصيل أعمال البدن في شعب الإيمان

ذكر المؤلف أعمال البدن المتعلقة بالإيمان، وتنقسم إلى قسمين: ما يتعلق بالأعيان وما يتعلق بالاتباع، وتشمل أعمالا مثل الصلاة والزكاة والحج والصيام، وطاعة السادة وبر الوالدين وصلة الرحم.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

أَنفُسَنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ وَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بِمَا فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الشُّعَبَ؟ هَذَا السُّؤَالُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِدَرَسِ أَمْسِ، حِينَمَا أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ الْإِيمَانَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»، أَيْ خَصْلَةً. وَهُنَا نَاسَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا السُّؤَالِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَدْ عَدَّهَا جَمَاعَةٌ مِنْ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ، وَصَنَّفُوا فِيهَا التَّصَانِيفَ، فَأَجَادُوا وَأَفَادُوا. نَعَمْ، قَامَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمُحَاوَلَةِ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَنَا نَبِيُّنَا بِقَوْلِهِ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً». فَحَاوَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اجْتِهَادًا مِنْهُ أَنْ يَخْتَارَ مَا هِيَ هَذِهِ الشُّعَبُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْإِيمَانُ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْإِمَامُ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، حَيْثُ أَلَّفَ كِتَابَهُ الْمُوسُومَ بِـ«الْمِنْهَاجِ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ». وَجَعَلَ كِتَابَهُ عَلَى سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ بَابًا، مُرَتِّبًا عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ مَطْبُوعَةٍ الْآنَ. فَهَذِهِ مُحَاوَلَةٌ مِنْهُ. وَأَيْضًا مِمَّنْ حَاوَلَ أَنْ يَجْمَعَ لَنَا شُعَبَ الْإِيمَانِ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ. وَالْبَيْهَقِيُّ فِي حَقِيقَتِهِ هُوَ تِلْمِيذٌ لِلْحَلِيمِيِّ، اسْتَفَادَ مِنْ شَيْخِهِ، وَلَكِنَّهُ أَلَّفَ كِتَابًا ضَخْمًا فِي هَذَا الْمَجَالِ، سَمَّى كِتَابَهُ «شُعَبَ الْإِيمَانِ»، وَجَعَلَهَا فِيمَا يُقَارِبُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مُجَلَّدًا. أَرْبَعَ عَشْرَةَ مُجَلَّدًا كَرَّسَهُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَتَبُّعِهِ لِخِصَالِ وَشُعَبِ الْإِيمَانِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَصَنَّفُوا فِيهَا التَّصَانِيفَ، فَأَجَادُوا وَأَفَادُوا». وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْرِفَةُ تَعْدَادِهَا شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ، بَلْ يَكْفِي الْإِيمَانُ بِهَا جُمْلَةً. نَحْنُ لَسْنَا مُتَعَبَّدِينَ بِتَتَبُّعِهَا، لَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ جُمْلَةً بِجُمْلَتِهَا. نُؤْمِنُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَقُومُ عَلَى سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ شُعْبَةً. فَكَوْنُكَ تَلْتَمِسُهَا وَتَبْحَثُ عَنْهَا قَدْ يَصْعُبُ هَذَا، لِمَاذَا يَصْعُبُ؟ لِأَنَّنَا مَا عِنْدَنَا تَحْدِيدٌ، مَا عِنْدَنَا تَحْدِيدٌ لَهَا. لِهَذَا قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْرِفَةُ تَعْدَادِهَا شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ، بَلْ يَكْفِي الْإِيمَانُ بِهَا جُمْلَةً». وَهِيَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَعَلَى الْعَبْدِ امْتِثَالُ أَوَامِرِهَا، وَاجْتِنَابُ زَوَاجِرِهَا، أَيْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ شُعَبِ الْإِيمَانِ. فَمَا هُوَ شُعَبُ الْإِيمَانِ؟ شُعَبُ الْإِيمَانِ هِيَ الطَّاعَةُ. فَكَوْنُكَ يَا عَبْدَ اللهِ تَعْمَلُ بِالطَّاعَةِ، وَتُمَثِّلُ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمْرًا وَنَهْيًا، فَقَدْ قُمْتَ بِأَدَاءِ شُعَبِ الْإِيمَانِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «بَلْ يَكْفِي الْإِيمَانُ بِهَا جُمْلَةً، وَهِيَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَعَلَى الْعَبْدِ امْتِثَالُ أَوَامِرِهَا، وَاجْتِنَابُ زَوَاجِرِهَا، وَتَصْدِيقُ أَخْبَارِهَا». وَقَدِ اسْتَكْمَلَ شُعَبَ الْإِيمَانِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ. حِينَهَا فَقَدِ اسْتَكْمَلْتَ شُعَبَ الْإِيمَانِ، بِغَضِّ النَّظَرِ تَتَبَّعْتَهَا أَوْ لَمْ تَتَتَبَّعْهَا. فَإِنْ فَعَلْتَ وَأَدَّيْتَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَنَبِيُّكَ فِي سُنَّتِهِ، إِذَنْ فَقَدْ أَدَّيْتَ شُعَبَ الْإِيمَانِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَالَّذِي عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ هُوَ حَقٌّ». وَكُلُّهُ حَقٌّ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ طَاعَةٌ. قَالَ: «وَلَكِنَّ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ مُرَادُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ». أَمَّا أَنْ تَجْزِمَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ مَثَلًا، أَوْ مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْدِيُّ، جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةٍ أَلَّفُوا فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، فَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَلَكِنْ هَلْ نَجْزِمُ أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ، وَأَنَّ هَذَا صَحِيحٌ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْحَقُّ، وَأَنَّ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى هَذَا؟ صَعْبٌ أَنْ نَجْزِمَ بِأَنَّ هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ ذَاكَ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ طَاعَةٌ. فَمَا عِنْدَنَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ فِي تَتَبُّعِ خِصَالِ الْإِيمَانِ. النَّصُّ جَاءَ مُطْلَقًا: «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً». فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِإِطْلَاقِ الشَّرْعِ كَمَا أَطْلَقَهُ ذَلِكَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. زِدْ عَلَى ذَلِكَ، أَلَمْ يَقُلْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»، هَذَا الْعَدَدُ هَلْ يُرَادُ بِهِ الْحَصْرُ أَمْ يُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ؟ إِذْ أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَدَرَجَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي لِسَانِ رَسُولِ اللهِ، أَنَّ رَقْمَ السَّبْعَةِ وَالسَّبْعِينَ وَالسَّبْعِمِائَةِ، إِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ لِلْكَثْرَةِ لَا لِلْحَصْرِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَذْكُرُ خُلَاصَةَ مَا عَدُّوهُ». هَذَا السُّؤَالُ يَتْبَعُ. هُنَا الْمُؤَلِّفُ يَقُولُ: «طِبْ، أَذْكُرُ مَا الَّذِي تَعْرِفُهُ مِنْ مُحَاوَلَةِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّتَبُّعِ لِلسَّبْعِينَ أَوْ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ». سَيَأْتِي الْآنَ الْمُؤَلِّفُ، وَسَنَقْوَى قِرَاءَةً. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَدْ لَخَّصَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ابْنُ حِبَّانَ لَهُ مُحَاوَلَةٌ، كَمَا قُلْنَا: جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ حَاوَلُوا فِي أَنْ يَجْمَعُوا لَنَا السَّبْعَ وَالسَّبْعِينَ أَوْ بِضْعَ وَالسَّبْعِينَ شُعْبَةً. وَمِنْ هَؤُلَاءِ ابْنُ حِبَّانَ. وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مَا أَلَى إِلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَعْدَادِهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ هَذِهِ الشُّعَبَ تَتَفَرَّعُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، وَأَعْمَالِ اللِّسَانِ، وَأَعْمَالِ الْبَدَنِ». هَذِهِ الْخِصَالُ الْبِضْعُ وَالسَّبْعُونَ شُعْبَةً إِنَّمَا تَتَفَرَّعُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. وَهَذَا مِنْ ابْنِ حِبَّانَ، وَهَكَذَا بَلَ قَلَّ مِنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ. لِمَاذَا جَعَلِّمُوا شُعَبَ الْإِيمَانِ تَعُودُ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ؟ أَرْجَعُوهَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَيْهَا. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ». هَذَا الْحَدِيثُ تَمَامُهُ. أَشَارَ فِيهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ. قَالَ: «فَأَعْمَالُ الْقَلْبِ الْمُعْتَقَدَاتُ وَالنِّيَاتُ عَلَى 24 خَصْلَةً». هَذَا طَبْعًا نَسِيرُ عَلَى تَقْسِيمِ ابْنِ حِبَّانَ. جَعَلَ أَعْمَالَ الْقَلْبِ 24 خَصْلَةً. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى اللِّسَانِ كَذَا وَكَذَا خَصْلَةً، ثُمَّ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ كَذَا وَكَذَا خَصْلَةً. هَذَا ابْنُ حِبَّانُ جَرَى عَلَى هَذَا. وَإِلَّا فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَهُمْ قِسْمَةٌ أُخْرَى. يَجْعَلُونَ شُعَبَ الْإِيمَانِ الْقَوْلِيَّةَ 25، شُعَبَ الْإِيمَانِ الْفِعْلِيَّةَ 25، وَشُعَبَ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيَّةَ 25. 25، 25، 25، نُجْمَعُ إِلَى 75. بِيَضْعِ 70 شُعْبَةً. مَنْ يَجْعَلُ الْقَلْبِيَّةَ 27 يَكُونُ 77 خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ. هَذَا الَّذِي أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ. لَكِنِ ابْنُ حِبَّانَ سَلَكَ مَسْلَكًا آخَرَ. قَالَ: «فَأَعْمَالُ الْقَلْبِ الْمُعْتَقَدَاتُ وَالنِّيَاتُ عَلَى 24 خَصْلَةً». الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَتَوْحِيدُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وَاعْتِقَادُ حُدُوثِ مَا دُونِهِ، وَالْإِيمَانُ بِمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَالْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ، أَيْ سُؤَالُ الْقَبْرِ، وَالْبَعْثُ وَالنُّشُورُ، وَالْحِسَابُ وَالْمِيزَانُ وَالصِّرَاطُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ. وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ فِيهِ، وَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاعْتِقَادُ تَعْظِيمِهِ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ، وَالتَّوْبَةُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالشُّكْرُ، وَالْوَفَاءُ، وَالصَّبْرُ، وَالرِّضَى بِالْقَضَاءِ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّوَاضُعُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ، وَتَرْكُ التَّكَبُّرِ وَالْعُجْبِ، وَتَرْكُ الْحَسَدِ، وَتَرْكُ الْحِقْدِ، وَتَرْكُ الْغَضَبِ. هَذِهِ كُلُّهَا خِصَالٌ قَلْبِيَّةٌ تَكُونُ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ. قَالَ: «وَأَعْمَالُ اللِّسَانِ». أَيْ مَا هِيَ شُعَبُ الْإِيمَانِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللِّسَانِ؟ قَالُوا: «أَعْمَالُ اللِّسَانِ وَتَجْتَمِعُ عَلَى سَبْعِ خِصَالٍ». أَيْ سَبْعِ أُصُولٍ، وَتَتَفَرَّعُ مِنْهَا أُمُورٌ. قَالُوا: «أَعْمَالُ اللِّسَانِ وَتَجْتَمِعُ عَلَى سَبْعِ خِصَالٍ: التَّلَفُّظُ بِالتَّوْحِيدِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ، وَالدُّعَاءُ، وَالذِّكْرُ». وَيَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ، وَاجْتِنَابُ اللَّغْوِ. قَالُوا: «وَأَعْمَالُ الْبَدَنِ وَهِيَ الشُّعْبَةُ الثَّالِثَةُ». قَالُوا: «وَتَجْتَمِعُ عَلَى ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ خَصْلَةً». كَمَا قُلْنَا: هَذَا الَّذِي جَارَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانُ. وَإِلَّا فَالْعُلَمَاءُ كَمَا سَمِعْتُمْ عَلَى الْقِسْمَةِ الثُلَاثِيَّةِ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ: «وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً». التَّطَهُّرُ حِسًّا وَحُكْمًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ اجْتِنَابُ النَّجَاسَاتِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالصَّلَاةُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ، وَفَكُّ الرِّقَابِ، وَالْجُودُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ: إِيطَامُ الطَّعَامِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَالصِّيَامُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالِاعْتِكَافُ، وَتِلَاوَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالطَّوَافُ كَذَلِكَ، وَالْفِرَارُ بِالدِّينِ. وَيَدْخُلُ فِيهِ: الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ، وَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ، وَالتَّحَرِّي فِي الْأَيْمَانِ. أَيْ تَتَحَرَّى الْأَيْمَانَ، لَا تَجْعَلْهَا، فَإِنَّ مِنْ أَثْبَتِ الْأَيْمَانِ أَنْ تَتَحَرَّى بِاللهِ صَادِقًا عِنْدَ الْحَاجَةِ. قَالَ: «وَأَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ». وَمِنْهَا أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاتِّبَاعِ، وَهِيَ سِتُّ خِصَالٍ: التَّعَفُّفُ بِالنِّكَاحِ، وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْعِيَالِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ. وَيَدْخُلُ فِيهِ اجْتِنَابُ الْعُقُوقِ، وَتَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ. أَيْ مِنْ الْإِيمَانِ، وَطَاعَةُ السَّادَةِ، وَالرِّفْقُ بِالْعَبِيدِ. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّةِ، أَيْ تَعَامُلِ النَّاسِ، أَيْ عَامَّةِ النَّاسِ. وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: الْقِيَامُ بِالْأَمَارَةِ مَعَ الْعَدْلِ. أَيْ الْإِمَارَةُ بِالنَّاسِ، وَالْإِمَارَةُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ بِالْعَدْلِ، هَذَا مِنْ الْإِيمَانِ. وَ مُتَابَعَةُ الْجَمَاعَةِ، وَطَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ. وَيَدْخُلُ فِيهِ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْبِرِّ. وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَالْجِهَادُ. وَمِنْهُ أَيْ مِنْ الْجِهَادِ: الْمُرَابَطَةُ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ. وَمِنْهُ: أَدَاءُ الْخُمْسِ، وَالْقَرْضُ مَعَ وَفَائِهِ. أَيْ الْإِيفَاءُ بِالدُّيُونِ، هَذِهِ مِنْ الْأَمَانَةِ. قَالَ: «وَإِكْرَامُ الْجَارِ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ». وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمْعُ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، وَإِنْفَاقُهُ فِي حَقِّهِ. هَذَا مِنْ الْإِيمَانِ. كَأَنَّكَ تَكْتَسِبُ الْمَالَ الْحَلَالَ، وَتُنْفِقُهُ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ: «وَيَدْخُلُ فِيهِ: تَرْكُ التَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، هَذَا مِنْ الْإِيمَانِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَكَفُّ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، وَاجْتِنَابُ اللَّغْوِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». قَالَ: «فَهَذِهِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ خَصْلَةً». عِنْدَ مَنْ أَوَّلَ الرِّسَالَةَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، ثُمَّ الْعِبَادَاتِ الْقَوْلِيَّةِ، ثُمَّ خَتَمَهَا بِأَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَامَّةِ، وَالْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَعْيَانِ. أَوْصَلَ هَذَا الْعَدَدَ إِلَى هَذَا الْمَنْحَى. قَالَ: «وَيُمْكِنُ عَدُّهَا سَبْعًا وَسَبْعِينَ خَصْلَةً، بِاعْتِبَارِ إِفْرَادِ مَا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ». يَعْنِي إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا بِضْعًا وَسِتِّينَ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهَا بِضْعًا وَسَبْعِينَ، لِأَنَّ بَعْضَهَا يَجْمَعُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ. مِثَالُهُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، هِيَ عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ. بِإِمْكَانِكَ أَنْ تَجْعَلَهَا وَاحِدًا، الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، لِتَلَازُمِهِمَا. وَبِإِمْكَانِكَ أَنْ تُفَرِّقَ الِارْتِبَاطَ، تَجْعَلُ وَاحِدًا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، الثَّانِي النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَبِهَذَا يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى، وَيَخْتَلِفُ كَذَلِكَ الْعَدَدُ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «فَهَذِهِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ خَصْلَةً، وَيُمْكِنُ عَدُّهَا سَبْعًا وَسَبْعِينَ خَصْلَةً، بِاعْتِبَارِ إِفْرَادِ مَا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ مِمَّا ذُكِرَ». وَاللهُ أَعْلَمُ. هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ابْنِ حِبَّانَ فِي تَتَبُّعِ خِصَالِ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَالَّتِي تَعُودُ إِلَى شُعَبٍ إِيمَانِيَّةٍ قَوْلِيَّةٍ، وَعَمَلِيَّةٍ، وَقَلْبِيَّةٍ. مَعَ التَّنْبِيهِ إِخْوَانِي فِي اللهِ إِلَى مَسْأَلَةٍ مُهِمَّةٍ، أَشَارَ إِلَيْهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». إِلَى أَنْ قَالَ: «إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشُّعَبَ تَتَفَاضَلُ». نَعَمْ، مِنْ الْإِيمَانِ، لَكِنْ هَلْ كُلُّهَا عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ؟ الْجَوَابُ: لَا، لَيْسَتْ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، تَتَفَاضَلُ. فَهُنَاكَ مَا هُوَ أَفْضَلُ، وَأَرْفَعُ، وَأَنْفَعُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ نَبِيِّنَا: «أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَبِدَلِيلِ الْقَوْلِ: «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». فَنَكْتَفِي إِخْوَانِي فِي اللهِ بِأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ طَاعَاتٌ، كَمَا قُلْنَا: فَشُعَبُ الْإِيمَانِ هِيَ الطَّاعَاتُ. فَمَنْ قَامَ وَامْتَثَلَ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَآتَى عَلَيْهَا جَمِيعًا، وَالْمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ، فَهَذَا قَدِ اسْتَكْمَلَ شُعَبَ الْإِيمَانِ. وَقَلِيلٌ مَا هُمْ. فَهَذَا الَّذِي أَرَادَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.